هرموناتي تعيش أيامها الذهبية في الحجر الصحي… وأنا أراقب الحياة عن بعد

الأحد 3 مايو 202001:09 م

لم يكن رمضان يوماً شهري المفضل، والآن يأتي مع الحجر الصحي، المرابطة في المنزل ومراقبة نيسان وهو يمضي دون أن يعوضني عن الشتاء الكئيب، كل ذلك مع استمرار العزلة غير الاختيارية.

ربما لم أجلس في المنزل كل هذه الفترة منذ أيام التحضير استعداداً لامتحانات البكالوريا، أن تعاني من فرط التفكير وتحليل كل ما يمر أمامك، فالجلوس بمفردك كل هذا الوقت هو المصيبة الحقيقية، هو الخوف من نفسك، من أفكارك. قال لي صديق مرة، جرّبي ألا تفكري بشيء لساعة واحدة فقط، جربي أن يكون دماغك فارغاً، فكري باللاشيء. كانت أهم مخططاتي قبل كورونا الالتحاق بصف اليوغا وممارسة " التأمل"، فالساعة الوحيدة التي لا أفكر فيها بشيء هي في الصباح، وأنا أتأمل أضواء السقف في النادي الرياضي، لذلك أكره أن يرافقني أحد إلى هناك، هي ساعة الصفاء الوحيدة.

أن تكوني في الحجر، بعد مرور شهر، هو أن تفقدي القدرة على التواصل شيئاً فشيئاً، وكأنك مراقبة خارجية تتأمل العالم، وكلما ابتعدت زادت دهشتك من هذا العالم الغريب، ومع ابتعادك الحسّي عن أصدقائك وزملاء العمل، ومراقبتهم افتراضياً فقط، تشعرين وكأنك أمام أشخاص جدد، ترينهم عن بعد لأول مرة، بحيادية، تستغربينهم قليلاً ثم تتفهمينهم لأنك تحبينهم.

أتأمل، عبر الشاشة، صالات التعازي الافتراضية، تصريحات "ترامب" السريالية، التعليقات السنوية عن انهيار الدراما، بينما أتابع "بيكي بلايندرز" وأحنّ لشخصيات "تخت شرقي"، أبكي مجدداً في الإعادة الثالثة لفيلم أصغر فرهادي "انفصال" ولا أتأثر بمشاهد يفترض أنها تراجيدية، في مسلسل سوري "معاصر"، مع أني لم أتمكن من فهم ماذا يعاصر تحديداً؟!، أتعاطف مجدداً مع بطل "قصة زواج" في الإعادة الثانية، أتفهّم عادته السيئة في إطفاء أنوار أي غرفة يغادرها، أشتاق لأختي، وأتذكر شجاراتنا المستمرة: أنا أطفئ النور وهي تشعله.

أن تكوني في الحجر، بعد مرور شهر، هو أن تفقدي القدرة على التواصل، وكأنك مراقبة خارجية تتأمل العالم، وكلما ابتعدت زادت دهشتك من هذا العالم الغريب، ومع ابتعادك الحسّي عن أصدقائك وزملاء العمل، ومراقبتهم افتراضياً فقط، تشعرين وكأنك أمام أشخاص جدد، ترينهم عن بعد لأول مرة، بحيادية، تستغربينهم قليلاً ثم تتفهمينهم لأنك تحبينهم

أن تفصل الشاشة بينك وبين العالم، أن تتابعيه عن بعد، أن تفقدي الاتصال بما يدور في الخارج، أن تري الحياة وكأنك تشاهدين فيلماً خرجت منه للتو، بعد أن كنت أحد الممثلين الرئيسيين أو الثانويين، حتى الكومبارس يُحدث غيابهم خللاً، لا يكتمل الفيلم دون جوقة المصفقين، دون الناس المحتشدة في المعارك، دون العابرين الذين يضفون الزحام على الشوارع، وفي كل الأحوال كنت بطلة فيلمك على الأقل، أما الآن فأنت تشاهدين الفيلم ولا تدرين كيف ستقتحمينه مرة أخرى.

الوحدة أحياناً أن تراقبي السقف، أن تتحدثي معه، أن يكون الشاهد الوحيد على حماقاتك السرية وتفاصيل عزلتك التي لا تريدين أن يشاهدها أحد، هكذا يخبرني بطل الرواية التي كنت أقرؤها، يذكرني بعزيز نيسين، وكيف كانت المرايا هي الشاهدة على فضائح أبطال قصته وأحاديثهم السرية التي يجب ألا يعرفها أحد. ربما لذلك أفضّل المرايا المختبئة في باب الخزانة، المرآة صديقتي دائماً، ولكن في الحجر بردت علاقتنا، لا طاقة لي على الاهتمام بشيء، أتجاهل الشعرات الفوضوية فوق حاجبي التي تعايرني بها المرآة، وأغلق باب الخزانة في وجهها.

أن تكوني مراقبة لكل شيء إلا الوقت، أن تريه ينسل من بين أصابعك، أن تلاحقيه وتهربي منه، أن تكتبي مهامك اللاحقة والمؤجلة، ولكن لا "ديد لاين" في الأفق، لا شيء سوى دهشتك وأنت تكتشفين أنك على مشارف شهر جديد، أفكر أحياناً: لماذا اخترعنا الوقت، ولماذا تحسب الأيام الهامشية زمناً؟

في العزلة تتوطد علاقتي مع الأشياء، أتعاطف مع سترتي الربيعية المعلقة في الخزانة منذ أشهر، مع حافظة القهوة الجديدة التي لم تغادر المنزل منذ أن اشتريتها، الأحذية الرياضية التي لم أرتدها بعد، لابتوبي القديم الذي وعدته ببطارية جديدة هذا الشهر.

أما هرموناتي فتعيش أيامها الذهبية في الحجر، تحركني كالماريونيت، من قمة السعادة إلى قمة اليأس، أمضي أياماً أتمنى ألا تنتهي لفرط حماستي للأشياء، تتبعها أيام أتفهّم فيها حق الجميع في رميي من الشرفة لمزاجي السيء.

يقول نزيه أبو عفش: "وحدها الموسيقى قادرة على شفائنا من آلام الصمت"، في هذا الصمت المهيب الذي أخاف، ترافقني الموسيقى كعادتها، تحميني من ضجيج أفكاري، تأخذني بعيداً لأعيش حيوات أخرى، تلطف وقع الذكريات التي تلح في لحظات الوحدة، تخفف جلد الذات، تجعلني ألطف مع نفسي، تأخذني لحضن كل من أحب، وتساعدني لأنسى وأودع كل ما أكره.

ما الفرق بين الحياة المؤجلة إلى ما بعد الحجر، والحياة المؤجلة دائماً في روتينها الذي لا ينتهي، في تلك الدورة غير المنتهية، بين امتلاكنا للأشياء وفقدان إحساسنا بقيمتها حال حصولنا عليها، هل حنيننا اليوم لفنجان قهوة في الكافيه الصغير في الجوار، للوجبة المفضلة في أحد المطاعم أو لبيرة باردة في باب شرقي، هو مؤشر لانخفاض سقف الأحلام؟

ما الفرق بين الحياة المؤجلة إلى ما بعد الحجر، والحياة المؤجلة دائماً في روتينها الذي لا ينتهي، في تلك الدورة غير المنتهية، بين امتلاكنا للأشياء وفقدان إحساسنا بقيمتها حال حصولنا عليها، هل حنيننا اليوم لفنجان قهوة في الكافيه الصغير في الجوار، للوجبة المفضلة في أحد المطاعم أو لبيرة باردة في باب شرقي، هو مؤشر لانخفاض سقف الأحلام، أم هو عودة الشعور بالمتع الصغيرة المنسية في عجلة الحياة السريعة؟

أراقب الشارع الخالي ثم أعود إلى الشاشة لأسال "غوغل" عن اقتراحات جديدة لتمضية الوقت خلال الحجر الصحي، يسألني: "هل أنت روبوت؟"، أفكر قليلاً: ربما... أمهلني شهراً آخر في الحجر لأتأكد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard