"ألا تخافين الموت وحيدة؟"... يوميات امرأة عاشت الهرج والمرج واشتكت من قلة الوقت

الخميس 7 مايو 202002:06 م

كانت السماء تبكي إلى ما لا نهاية، والأفق ضبابي، في ذلك اليوم عندما ركضت "تين" من أول الطريق إلى نهايته، آملة في إيجاد تاكسي، لكن الشارع كان خالياً تماماً وكأنها قد خسرت "نهاية العالم"، وظلت وحيدة على هذا الكوكب.

ركضت "تين" والسماء استمرت بالبكاء، إلى أن انتهي المطاف بها إلى التوحد مع جذور شجرة أبنوس، الوحيدة أيضاً.

وها هي تمتلك من الوقت مع نفسها ما لم تحصل عليه طوال حياتها، فمنذ بدء نشأتها، أدركت أنها ثمرة اجتماعية بالدرجة الأولى، فلا يوجد يوم بدون مقابلة أشخاص تعرفهم أو غرباء تتعرّف عليهم.

 مملة هذه الضوضاء الافتراضية والمبتذلة لجعل حقيقة حبسها في جذر شجرة أمراً طبيعياً!

لقد تعلمت خلال السنوات الماضية أن تستمتع بالذهاب إلى البار أو أي نوع من الأنشطة، كالسفر بمفردها، لأنها على يقين بأن الطريق سيأتي بأشخاص ذوي تجارب وقصص مثيرة للاهتمام، وبأن طبيعة الخروج إلى مكان معين وحيدة سيزيد من فرص تعرفها على أناس قد يمرون مرور الكرام، أو يتركون بصمة جميلة في ذاكرتها.

هذه الحجة التي كنت ترددها "تين" لأمها كلما سألتها: "ألا تخافين الموت وحيدة؟"، كانت تجيبها أنها تعيش بمفردها ولكنها ليست وحيدة. اليوم في جذع شجرة الأبنوس التي تسللت إليها هرباً من فراغ الشارع وبكاء السماء.

تجلس، تعد الأيام وتربي الأمسيات، بوحدة خفيفة الظل حيناً وأحياناً ثقيلة بثقل الأشباح في رأس المؤمنين بها.

ماذا ستفعل خلال 24 ساعة كاملة لوحدها في جذور شجرة أبنوس لا تعرف كيف وصلت إليها؟

في البداية شحنت نفسها بكل الإيجابية الكونية، وأقنعت نفسها أيضاً بأن هذا الوقت قد جاء لها خصيصاً. هي التي كانت تعاني من قلة الوقت دائماً، أما الآن فستجد وقتاً للرقص ولترتيب ملفاتها المبعثرة في كل مكان على حاسوبها، وستكتب النص الذي بدأت كتابته منذ سنتين، وانتهى الأمر به منسياً كأول قصة حب عاشتها. ستكمل قراءة كتاب المذكرات اليومية لسوزان سونتاغ، الذي يحتوي على مراجع وأسماء كثيرة لا تعرفها، ها هي تجد كل الوقت لتتعرف عليهم جميعاً، وستجد الوقت لتحرير النسخة النهائية من فيلمها الوثائقي الذي عملت جاهدة لإنجازه، وعند آخر التعديلات كانت قد أُنهكت، فركن إلى جانب ذلك النص غير المكتمل.

لماذا تبدأ بأعمال ولا تكملها؟ ما هو هذا الهاجس الذي يحتل عقلها بأن الأعمال التي تنتجها يجب أن تكون مثالية وكاملة، وينتهي الأمر بها بإجهاض طفلاتها، طفلة تلو طفلة، من نصوص وصور، واليوم تكرر الشيء ذاته مع أفلامها.

لربما يأتي من طريقة التربية التي تلقتها، أو ربما الخوف من أعمال ليست جيدة كفاية، يخيفها ذلك الكم الهائل من المنتجات الإبداعية الرديئة في وجوهنا في كل مكان. تخاف أن تساهم في التلوث الإبداعي الناتج عن زمن السوشال ميديا.

بعد مرور ثلاثة أسابيع في جذور شجرة الأبنوس، نفذت "تين" من الطاقة الإيجابية ومساحة الشحن لهذه الطاقة ضيقة جداً، هذه الفترة الأطول منذ أن وجدت على هذا الأرض بدون أن تكون محاطة بمحبيها، لا يوجد من يعانقها، لا يوجد من يشاركها قهوتها، أو من يشاركها الطعام الذي تعده، لا يوجد من يضحك على نكاتها أو يغضب من سلاطة لسانها، لا يوجد هناك إلا هي وشخصياتها البديلة التي بدأت اختراعها لتُخفف الشعور بالوحدة.

لماذا لا تسمح لنفسها أن تقول إنها لا تشعر بخير، عندما تسألها جذور شجرة الأبنوس؟ قليلون جداً من تشتكي لهم وحدتها أو مشاكلها بشكل عام، فلقد تربت على أن المرأة القوية يجب ألا تظهر نقاط ضعفها للآخرين مهما كانوا مقربين. العائلة هي الدائرة الآمنة فقط لإظهار ضعفك، ولكن العائلة تبتعد من دائرة المقربين مع مرور الأيام، عائلتها التي تحب بالفطرة، ولكن تبعاً لتربيتهم فهي لا تستطيع إظهار ضعفها ولحظات اكتئابها لهم، من منطق أنها المرأة القوية التي تستطيع تخطي أي موقف أو حدث أو مشكلة، لوحدها، دون طلب مساعدة ولو معنوية أو بإظهار جرعة إضافية من الحب، لأنها تخاف من أن تظهر بمظهر إنسانة "دراما"، تنهار بكاءً من أي موقف صغير.

لماذا لا تسمح لنفسها أن تقول إنها لا تشعر بخير؟ قليلون جداً من تشتكي لهم وحدتها أو مشاكلها، فلقد تربت على أن المرأة القوية يجب ألا تظهر نقاط ضعفها للآخرين مهما كانوا مقربين. العائلة هي الدائرة الآمنة فقط لإظهار ضعفك، ولكنها تبتعد مع مرور الأيام، عائلتها التي تحب، ولكن تبعاً لتربيتهم فهي لا تستطيع إظهار ضعفها ولحظات اكتئابها لهم، من منطق أنها القوية التي تستطيع تخطي أي شيء، لوحدها

في مرحلة ما، ضاقت بها كل شخصياتها البديلة، فأخذت كاميرتها وذهبت بمخيلتها إلى الشاطئ، رائحة البحر المتوسط هي ملاذها الآمن، هي التي لم تولد بمدينة بحرية، ولكنها كبرت بمدينة بحرية تمنع النساء من السباحة، ورغم ذلك رائحة الشاطئ كانت ملاذها من الضجيج الدائر في رأسها، من المجتمع وأهلها والجامعة، وماذا ستفعل بمستقبلها وحياتها. الآن، وبعد اثني عشر عاماً، ما زالت تهرب بمخيلتها ملاذاً للبحر من الضجيج في رأسها.

لماذا لا تنام بهدوء؟ في أحد الليالي استيقظَت والتقطت قطعة خشبية صغيرة تشبه المفك، واستخدمتها لفتح رأسها لترى ذلك الموتور المزعج الذي يصدر ضوضاء يسرق نومها وراحتها، ماذا يحدث هناك؟ ما هي القطعة الصدئة التي تحتاج للتغيير؟ تحاول إغماض عينيها وتتخيل أنها تتمحص بالموتور في مخها ولكن بلا فائدة، فهي إنسانة غير نافعة بأمور تتعلق بتصليح أي شيء في المنزل، فما بالك في داخل مخها؟

 واليوم بما أنها تعيش مع نفسها وكمية لا متناهية من النمل محيطة بجذور الشجرة، فقد أدركت أن كآبتها هي مصدر إلهامها.

حبيبها يظن أنها إنسانة مستقلة جداً وعملية جداً، لدرجة أنه يضعها في آخر سلم أولوياته، اعتقاداً منه أنها مشغولة بصورها وكتبها وأفلامها وكتاباتها وشخصياتها البديلة. ولأنهما بدءا العمل على مشروع مشترك، أصبحت لقاءاتهما الافتراضية مبنية على الملفات المشتركة للإدلاء بالآراء المهنية والتقييم والتمحيص، وعندما يتكلمان خارج نطاق العمل، يطبق الصمت المدقع على المكالمة.

لماذا تَركَت الكتابة؟ تكره أنها كلما تعيد الكتابة يجب أن تطرح سؤال: لماذا هجرتها اللغة؟ أم أنها هجرت اللغة؟ لربما كان الهجر متبادلاً.

عندما تقرأ نصوصها القديمة، من العقد السابق أو بداية هذا العقد، تتعجب من عجزها التام عن الكتابة اليوم، من المفترض أن تنظر إلى نصوصك القديمة وتعجب بتطور لغتك مع مرور الزمن، ولكنها تجلس متعجبة من رداءة لغتها مع مرور الزمن.

كيف استطاعت العودة إلى الشعور بالحنين؟ هي التي تخلصت من هذا الشعور منذ سنين بعيدة؟

هذا الوقت الذي طالما اشتكت من قلّته في حياة الهرج والمرج التي عاشتها طويلاً، اليوم يأتيها بأسئلة لطالما هربت منها وأهملتها، وذكريات رمت بها إلى درج، فنبتت منها أشجار الغبار واصفرّت أشباحها، كما اصفرت أوراق دفتر نصوصها.

الوقت الذي جعل شعرها ينمو طويلاً كما لم تره لفترة طويلة، حتى أنها نسيت شكل وجهها مع هذا الشعر الرمادي، كيف تحول شعرها إلى رمادي دون أن تنتبه؟

تُكلّم أصدقاءها وتجاوب على أسئلتهم: لماذا لا تكتبين؟ لماذا لا تتعلمين شيئاً عن الموسيقى؟ لماذا لا تنتجين؟ وهي تنظر إلى الشاشة الصماء وتتساءل: ماذا سأكتب وأنتج؟ عن الموتور الصدئ في مخي؟

لماذا لا تنام بهدوء؟ في أحد الليالي استيقظَت والتقطت قطعة خشبية صغيرة تشبه المفك، واستخدمتها لفتح رأسها لترى ذلك الموتور المزعج الذي يصدر ضوضاء يسرق نومها وراحتها، ماذا يحدث هناك؟ ما هي القطعة الصدئة التي تحتاج للتغيير؟ تحاول إغماض عينيها وتتخيل أنها تتمحص بالموتور في مخها ولكن بلا فائدة، فهي إنسانة غير نافعة بأمور تتعلق بتصليح أي شيء في المنزل، فما بالك في داخل مخها؟

العلاقات الافتراضية، الأونلاين، هي حالة من الهيستيريا لتطبيع الوضع القائم وما عادت تتحملها، هي التي كانت تستخدم هذه الأدوات منذ اثنتي عشرة سنة، عندما قررت الرحيل أول مرة في محاولة بائسة منها لإبقاء صداقاتها وماضيها في حاضرها، وبما أنها احترفت التنقل، فصار الوضع الطبيعي أن تعيش الصداقات الافتراضية لتحافظ على الاتصال مع الأصدقاء القدامى والجدد، الغرباء الجدد والغرباء القدامى وشخصياتها البديلة لشخصيتها، كلهم هناك في ذلك العالم الافتراضي، عالم الأونلاين المثير للغثيان اليوم، وهي عالقة في قلب شجرة الأبنوس. مملة هذه الضوضاء الافتراضية والمبتذلة لجعل حقيقة حبسها في جذر شجرة أمراً طبيعياً!

هي تحترف تقمص شخصيات أخرى لا علاقة لها بشخصيتها إلى الحد الذي أضاعت به نفسها من بينهن، وأصبحت جموع شخصياتها البديلة. لماذا التطرف؟ هي شخصية متطرفة جداً، فإما سعيدة جداً أو تعيسة جداً، لا تعرف الحلول الوسطى وهذا يجعل منها إنسانة صعبة المعايشة، واليوم بما أنها تعيش مع نفسها وكمية لا متناهية من النمل محيطة بجذور الشجرة، فقد أدركت أن كآبتها هي مصدر إلهامها، يجتاحها الحزن فتكتب وترسم وتغني وترقص، تفقد الأمل سريعاً وتتعامل على أن هذه الصورة على أنها آخر صورة ستأخذها، تكبس الزر، "كليك"... وتغمض عينيها إلى نهار آخر.

تتعامل مع كل يوم على أنه حياة جديدة: تفتح عينيها، تنظر بالمرآة، ترى جلداً آخر بلون آخر واسم آخر. أسماؤها تعطي حيواتها تردداً مختلفاً، فنوع الأخبار التي تستمع إليها مختلف بحسب الاسم المختار لذلك اليوم، أنواع الحشرات التي تنتبه إلى وجودها في وطنها الجديد مختلفة بحسب اختلاف الاسم، لون البحر في مخيلتها يختلف بحسب الاسم، حتى ضجيج الموتور في رأسها مختلف بحسب اسمها تلك الليلة.

الوقت الذي تمتلكه الآن لتتقمص أسماء لا منتهية وأخباراً لا منتهية وألواناً لا منتهية ونصوصاً لا منتهية، هي وحدها الصور التي تجمد هذه الأسماء وتجعلها ذكرى لأيام تشبه الأحلام. "كليك"... حياة أخرى انتهت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard