"حضارات عديدة فوق مائدة واحدة"... عن "شباح السفرة" وأكلات جزائرية في رمضان

السبت 9 مايو 202003:29 م
بحب، ونشوة، وحنين إلى ذكريات الطفولة، تتجه الجدة فطيمة، ربّة منزل في العقد السابع من عمرها، كل صباح إلى المطبخ، لتحضير ما لذ وطاب من أصناف الأكل التقليدي الجزائري، الذي لازالت متشبثة به رغم العصرنة التي عرفها المطبخ في السنوات الأخيرة، بعد بروز قنوات اليوتيوب الخاصة بالطبخ، وبقية القنوات المرئية الأخرى التي خطفت الأضواء من كتب الطبخ الصفراء العتيقة.

تقول الجدة فطيمة لرصيف22: "لا أستطيع الاستغناء عن الأكلات الشعبية التقليدية، فهي تعبر عن شخصيتنا كجزائريين"، وتُتابع الجدة قائلة: "المطبخ الجزائري أصيل وثري لأنه تأثر بجميع الثقافات التي شهدتها البلاد على مر العصور، كالفتح الأندلسي والوجود العُثماني في البلاد الذي استمر لأكثر من ثلاثة قرون".

"طبق ليلة القدر"

ومن بين الأطباق التي تعكف الجدة على تحضيرها بشكل يومي، برفقة صبايا البيت والأمهات، في مسقط رأسها بجيل الوحش، في مُحافظة قسنطينة، يسمى "شباح السفرة"، وهو طبق تقليدي جزائري، تُعدّه من مرق يتكوَّن من لحم وبصل وتوابل وملعقة سمن، إضافة إلى كمية من السكر، ثم تضعه على نار هادئة، لتحصل في النهاية على صلصة حلوة لكريات مقرمشة، تُصنع من خليط اللوز المرحي بالسكر والقرفة والفانيليا وصفار البيض، ثم تُشكّل على شكل مثلثات، وتُقلى في الزيت حتى تكتسب اللون الذهبي.

وعندما تنتهي تقوم الجدة بإرسال البعض مما حضرته لبناتها وجيرانها وكل أحبابها في مدينة الجسور المعلقة، "قسنطينة"، التي بُنيت على كتلة صخرية من الكلس القاسي، يشقها وادي سحيق يعرف بوادي الرمال، وتقع على بعد نحو 400 كيلومتر عن العاصمة الجزائر.

تقول فطيمة لرصيف22: "إن هذا الطبق يقدم عادة في أول أيام رمضان وفي ليلة القدر، فهو من الأطباق التقليدية التي لازال سكان المنطقة متشبثين به"، وعن أصله تقول: "هناك اختلاف حول أصله، فهناك من يقول إنه طبق تركي، جاء به الأتراك إلى مدينة قسنطينة خلال فترة تواجدهم في الجزائر لتتوارثه الأمهات، وآخرون ينسبون أصله إلى الأندلسيين، بحكم القرب المكاني بين الشمال الإفريقي وبلاد الأندلس حالياً"، وتضيف الجدة أن الكثير من العائلات تعتبره "فألاً حسناً" لذلك تفتتح به شهرها الفضيل.

"بناتي يرفضن طهي الأكلات التقليدية في رمضان، ويفضلن الأطباق الغربية بسبب تأثرهن بيوتيوب والقنوات التلفزيونية"

وبعيداً جداً عن "جبل الوحش" تعكف أسرة عاصمية، في حي القصبة بأعالي العاصمة الجزائر، يومياً على تحضير "طاجين لحلو"، الذي تشتهر به غالبية المناطق الجزائرية، ومنها من تبقيه على السفرة الرمضانية طوال أيام رمضان برفقة الطبق الرئيسي، وهو "الشربة" أو "ملكة الطبخ"، لها عدة أسماء ونكهات، حيث تختلف طريقة تحضيرها من منطقة لأخرى، تعرف بـ"الفريك" أو "الجاري" في منطقة الشرق، مثل مناطق محافظة قالمة، وقسنطينة، وسكيكدة، بينما يسود "طبق الحريرة" في الغرب الجزائري، كمناطق محافظة وهران وتلمسان، ومستغانم، ومعسكر.

جميع الحضارات

تُعِدّ أحلام، شابة عشرينية، برفقة جدتها ووالدتها، طبق "لحم لحلو" كما كانت تعده جدتها قبل عشرات السنين، تصنعه من الفواكه المجففة، أهمها البرقوق، والذي يلقب بـ"عين البقرة"، والمشمش المجفف، والزبيب، وتشرح أحلام طريقة تحضيره لرصيف22: "يوضع في القدر أولاً كمية اللحم، ويضاف لها أكواب الماء الفاتر، والقليل من السكر، وتضاف لها أعواد القرفة والعنب المجفف، وتترك على نار هادئة لمدة نصف ساعة، يضاف بعدها السكر من حين لآخر بكميات قليلة، ويمكن أن يضاف له المشمش المجفف والتفاح المجفف بعد أن يُوضع بداخلها كمية اللوز المطحون، ويطهى لمدة 20 دقيقة، ويضاف له في النهاية ماء الزهر".

وتقول أحلام لرصيف22: "إن هذا الطبق يزخر بفوائد صحية كثيرة تفيد جسم الصائم، بالنظر إلى الفوائد الكثيرة التي تزخر بها الفواكه الجافة التي يطهى بها هذا الطبق، كالتفاح والقرفة والزبيب والمشمش ".

"كل منطقة من مناطق الجزائر تأثرت بثقافة معنية، فمثلا محافظتي قسنطينة وتلمسان تأثرتا بالطهي الأندلسي، بينما حافظت أخرى على أكلات عثمانية"

وتؤكد أحلام بفخر أن عائلتها لازالت متمسكة بمعظم  الأكلات التقليدية التي تعكس ثقافات قديمة، حيث تكون حاضرة على المائدة في رمضان، وتقول إن كل منطقة من مناطق الجزائر تأثرت بثقافة معنية، واستدلّت بمحافظتي قسنطينة وتلمسان اللتين تأثرتا بالطهي الأندلسي، بينما حافظت أخرى على أكلات عثمانية بحكم التواجد العثماني في الجزائر.

تقول أحلام: "أهم ما يميز المطبخ الجزائري التوابل الجزائرية، مثل الفلفل حار والكمون وسكنجبير والزنجبل، وبهارات حارة أخرى تنتشر بقوة في مناطق الغرب".

"اليوتيوب غيّر أكلاتنا"

تقول الشيف وردة، من منطقة الحراش، الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائر، ربة منزل، لرصيف22، إن المطبخ الجزائري بدأ يتأثر بالثقافة الغربية بعد بروز قنوات اليوتيوب الخاصة بالطبخ، والقنوات المرئية التي أحدثت تغيرا كبيرا في المطبخ الجزائري، وتستدل الشيف ببناتها، قائلة إنهن يرفضن طهي الأكلات التقليدية في رمضان، ويفضلن طهي بعض الأطباق الغربية مثل "الغراتان".

بينما لا زالت الشيف وردة محافظة على معظم الأطباق التقليدية مثل "شباح السفرة"، و"القاضي وجماعته"، وهو طبق تقليدي يتكون من قطع الدجاج، وكريات اللحم المفروم بداخلها البيض المسلوق، وكان يُسمى بـ "الباي وجماعتو"، وهو طبق مشهور أكثر في العاصمة الجزائر، كان قديماً يطهى للطبقات الراقية والنبلاء، إضافة إلى طبق "بونارين" أو "الكباب" وهو أيضا طبق تقليدي مكون من قطع الدجاج والحمص والبطاطا، و طبق "المعقودة" و "طاجين الخوخ"، إضافة إلى أطباق أخرى مثل "مومو في حجر أمو"، وهو طبق تقليدي شعبي شهير، من أبرز مكوناته البيض واللحم المفروم إضافة إلى الزيتون والبقدونس.

ومن جهتها تؤكد الشيف، ورئيسة طهاة مختصة بالأكلات الشعبية التقليدية الجزائرية، سامية لخضاري، لرصيف22، انقسام المطبخ الجزائري، فالفتيات المحسوبات على الجيل الجديد يتجهن نحو التخلي عن الأكلات الجزائرية التقليدية بسبب تأثرهن بما يعرض على اليوتيوب، بينما لازالت السيدات الأكبر سنا محافظات، متمسكات بالأكلات التقليدية التي تعبر عن "الأصالة الجزائرية" كـ"الشربة " أو "الحريرة" و "طاجين لحلو"، دون أن ننسى الحلويات التقليدية التي تشتهر بها الجزائر خلال الشهر الفضيل، مثل: "الزلابية"، "قلب اللوز"، "الصامصة" و"القطايف".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard