"باردة صيفاً دافئة شتاءً"... ديار تونسية تحت الأرض بناها الأجداد وسكنها الأحفاد

السبت 9 مايو 202004:32 م
حاصر جنود الاحتلال المجاهدين في جبال الجنوب الشرقي التونسي، لم يكن لدى السكان من مهرب من قذائف العدو، والاختباء من طائراته التي تحوم فوقهم، إلا بالسكن "تحت الأرض"، شيّد الأجداد دياراً تسمى "ديار الحفر"، لأن بناءها يعتمد بالأساس على الحفر في "قلب الأرض" فهي تشبه حفر الأرانب، كان ذلك في حقبة الاستعمار الفرنسي.

استقلَّت البلاد، إلا أن الأبناء والأحفاد لم يتخلوا عن ديارهم الحفرية، فقد أصبحت ثقافة معمارية، يعتمدها الجميع لما لها من مزايا، أهمها "التكييف الطبيعي"، فهي دافئة جداً شتاء، وباردة برودة المكيفات في الصيف.

الأمر الذي جعل بعض سكان الجنوب اليوم يتركون فيلاتهم وديارهم العصرية، ويعودون لتلك الديار الحفرية، خاصة في فصل الصيف، بل يُحسدون عليها من قبل من لم يترك له أجداده مثلها.

"عم محمد الباشمهندس"

ديار الحفر هي عبارة عن حفر في شكل بيوت مستطيلة الشكل أو مدورة، تحفر عادة في أراض صلبة تجنباً للانزلاق مع مرور الزمن، ويستغرق حفرها أسابيع أو حتى أشهراً أحياناً، حسب خبرة الذي يحفر ومدى صلابة الأرض وحدة الفأس، وهي شغل يدوي بحت لا يتقنه الجميع.

العم محمد توفي منذ أشهر عن سن ناهزت المائة عام، كان الأشهر بين حافري تلك الديار حيث يتداول سكان منطقة زغاية من محافظة مدنين جنوب شرق تونس، حكاية إتقانه لعمله، وسرعته في الحفر، وجلده على التعب، إضافة إلى النقشات الإضافية التي يتفنَّن في نحتها على الجدران، فكان مهندس عصره.

"كنا نقطن هنا جميعاً، وكانت الحياة بسيطة ورائعة، فقد كنا ست عائلات تجمعنا هذه الساحة الكبيرة في ليالي سمر لا تنتهي على ضوء القمر، وكانت جدتي تحكي لنا عن بطولات إخوتها الذين حاربوا العدو الفرنسي"

حفر العم محمد نصف ديار منطقته تقريباً، وتفنَّن أيُّما تفنّن في نحتها في "قلب" الأرض الصلبة، بل عمل على جعلها على شاكلة الديار العصرية، وبالأحرى، من بنى الديار العصرية هو من أخذ "التخطيط" الأصلي عنه، ومن أشهر "الفيلات الحفرية" التي أذاعت صيته هي دار واسعة لعائلة "علي" الموسَّعة، التي تتكون من ست عائلات، وتضم ستة ديار محفورة تحيط بها ساحة كبيرة.

تقول الخالة سليمة (70 عاماً)، وقد اغرورقت عيناها بدموع الحنين إلى الماضي، وهي تقف على حافة الدار أو "الحوش القديم" كما يسمونها: "كنا نقطن هنا جميعاً، وكانت الحياة بسيطة ورائعة، فقد كنا ست عائلات تجمعنا هذه الساحة الكبيرة في ليالي سمر لا تنتهي على ضوء القمر، وكانت جدتي تحكي لنا عن بطولات إخوتها الذين حاربوا العدو الفرنسي، وقد غرست فينا حب التشبث بالأرض والذود عن الوطن، رغم أننا لم ندخل المدارس يوماً".

دار الجد الكبيرة تلك تداعت نصف غرفها للسقوط، ولم تعد صالحة للسكن البشري، فقد مرت عليها عقود من الزمن وأمطار وعواصف، فاستغلها الأحفاد في تخزين علف الأغنام وزيت الزيتون والقمح والشعير وكل ما تجود به أرضهم؛ فهي عبارة عن مكيفات طبيعية، حيث غالباً ما تكون عكس الجو الخارجي، ما يجعل المؤونة تحافظ على جودتها على مدار العام.

أما بعض الديار الصغيرة فهي صامدة إلى اليوم لم تغيرها السنون، وتسمى بأسماء أصحابها، حيث يعرف السكان هنا خاصية كل دار فيها، فهم يتداولون حكاية حفرها بالتفصيل عبر الأجيال المتعاقبة، فتجد "حوش مبروك" و"حوش كيلاني" وحوش ساسي" من بين الأشهر ديار حفر في المنطقة، كيف لا وقد حفرها "الباش مهندس" محمد، وأتقنها أيما إتقان لصلة القرابة بينه وبين مالكيها.

"أمي تركتني وحدي هنا"

عرف الجنوب التونسي بكثرة المجاهدين الذين تصدوا لجنود المستعمر الفرنسي بكل ما أوتوا من قوة، رغم قلة ذات اليد، فقد كانوا يقبعون لأيام في الجبال الممتدة من الحدود الليبية إلى جبال مطماطة، يراقبون العدو وينصبون له الكمائن، فاستشهد منهم الكثيرون ونحتت أسماؤهم في ذاكرة التاريخ.

لم تتأثر ديار الحفر بقذائف ولا رصاص العدو، فهي منبسطة مع الأرض، ولا يمكن أن ترى من بعيد، تحصّن بها سكانها طيلة سنوات من الاحتلال، فحتى أصوات الرصاص لا تكاد تسمع داخلها، وهو ما يبعث نوعاً من الطمأنينة في صفوفهم، خاصة الأطفال.

"كنا نسكن غرفة حفرية واحدة ولم نحس يوماً بضيق، رغم أننا ثمانية أفراد، نظراً لتأقلم الدار الحفرية مع الطقس الخارجي، فهي دافئة جداً شتاء، حتى إننا ننام دون غطاء أحياناً، وباردة جداً في أيام الحر"

الخالة خضراء ولدت سنة 1956، أي سنة استقلال تونس، وقد سماها جدها كتكملة لاسم عمتها "تونس"، نسبة لتونس الخضراء، كعربون حب للوطن وسعادة لا توصف بخروج المحتل، تروي قصصاً سمعتها عن أمها حول تلك الديار، ودورها في الذود عنهم من رصاص المحتل.

تقول على لسان أمها بعد الترحم عليها: "كنت صغيرة آنذاك، وذهبت أمي لجلب الماء من بعيد، وتركتني وإخوتي في دار الحفر، وأغلقت الباب، ثم وضعت قشاً أمامه كتمويه للعدو، وطلبت منا أن نبقى صامتين ونحن كذلك إذ بنا نسمع وقع أقدام الجنود يمرون فوق الدار كان الأمر مرعباً ولكنهم لم يفطنوا لوجودنا والحمد لله".


"عدنا والعود أحمد"

استقلت البلاد وبقيت تلك الديار شاهدة على حقبة مهمة من تاريخها، وقد واصل السكان العيش فيها مع إضافة بعض التعديلات، كتطويق جدرانها الترابية بالإسمنت، ونقش صور وكتابات على الحيطان، وحفر غرفة صغيرة وسطها توضع فيها أواني الطبخ والأفرشة.

يقول العم صالح (70 عاماً) لرصيف22: "كنا نقطن غرفة حفرية واحدة ولم نحس يوماً بضيق، رغم أننا ثمانية أفراد، نظراً لتأقلم الدار الحفرية مع الطقس الخارجي، فهي دافئة جداً شتاء، حتى إننا ننام دون غطاء أحياناً، وباردة جداً في أيام الحر".

تثني على كلامه زوجته زهرة (65 عاماً)، قائلة لرصيف22: "كان أجدادنا على درجة عالية من الذكاء، فقد عرفوا كيف يتأقلمون مع بيئتهم القاسية، فنحتوا الأرض ليصنعوا بيوتاً تقيهم طقس منطقتهم المتقلب".

بقيت تلك الديار فترة من الزمن شبه مهجورة، إلا أن السكان هنا عادوا إليها في السنوات الأخيرة التي عرفت بشدة حرارتها، فتركوا فيلاتهم ذات التكييف العصري، المضرّ بالصحة، والمكلف مادياً، ليستقروا بتلك المكيفة طبيعياً خاصة عند القيلولة.

جيهان (23 عاماً)، وابنة عمها حنان (25 عاماً) "تهجران "غرفتيهما عند دخول الصيف لتستقرا في دار جدهما الحفرية القريبة من مقر سكناهما.

تقول جيهان لرصيف22 ضاحكة: "إنها الرفاهية الطبيعية ...اخترنا قضاء قيلولات الصيف هنا؛ فهي مريحة، وباردة، وهادئة".

أما عائلة العم إبراهيم (56عاماً)، فقد استقرت بصفة نهائية في دار والده الحفرية، بعد أن جهزها بطريقة شبه عصرية، حيث جلب تلفازاً وحاسوباً لأولاده ليشجعهم على العيش معه هناك.

"جئنا لنستمتع بالتكييف الطبيعي أيام الصيف الحارقة".

يقول العم إبراهيم لرصيف22: "عدنا والعود أحمد ...لقد أتت بنا متعة التكييف الطبيعي لقضاء أيام الصيف الحارقة هنا، والشعور بمتعة مشاركة المكان مع العائلة واسترجاع الحميمية الأسرية، بعد أن كادت التكنولوجيا تذهبها أدراج الرياح".

نحت الأجداد تلك المعالم المعمارية الفريدة في الهضاب، والسهول، والجبال، وسكنوا باطن الأرض لأسباب عدة، يعدّدها كيلاني الذوادي، عضو جمعية المحافظة على التراث لرصيف22، قائلًا: "تنوّعت وظائف ديار الحفر عبر الزمن، من وظيفة المقاومة ثم العبادة ثم الخزن والسكن مجدداً، وهي خير شاهد على عمق التاريخ البشري في ربوع الجنوب التونسي".

حفر الأجداد تلك الديار لوظائف معينة آنذاك، لكنهم لم يتوقعوا أن تصبح ذات يوم ملاذاً لأحفادهم من بعدهم، ووجهة سياحية يستمتع بمنظرها، بل يسكنها أيضاً، الوافدون إلى المنطقة، بعد أن تحول بعضها إلى إقامات سياحية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard