رشّ الماء لقضاء حاجة والملح مكروه صباحاً... الفأل الحسن وسوء الطالع في الموروث التونسي

الأحد 17 مايو 202010:54 ص

بين سكب إناء ماء وراء الخارج من المنزل لقضاء شأن مهم وبين تجنّب استخدام كلمة "ملح" صباحاً، أمثلة كثيرة تعكس ما تختزنه يوميات تونسيين كثر من تقاليد موروثة عن الأجداد، ومن عبارات يصيغون بها تفاؤلهم من أمر ما وتطيّرهم أو تشاؤمهم من أمر آخر.

لا أساس علمي يجمع تلك المعتقدات، وبرغم أن كثيرين قد يُعبّرون عن استخفافهم أو عدم اقتناعهم بها، إلا أن مناطق كثيرة لا تزال تحتفظ بموروثها الشعبي الذي يظهر حين يعجز أحدهم عن إيجاد تفسير عقلاني لحدث ما، فيفسره بإشارات ماورائية. 

الفأل الحسن

لعلّ "الكف" خير فاتحة للحديث عن بعض الأمثلة. يُعبّر التونسيون عن الكف بـ''خمسة'' (بضم الخاء)، والعديد منهم يعلقونها عند مداخل منازلهم أو على أسطحها، وهي كفيلة حسب اعتقادهم بأن تقي البيت وساكنيه العين الحسود والحظ التعس. كما أن ارتداء ملابس أو زينة تحمل الرمز نفسه فيُعتبر حصانة لمن يحمله.

هذه النزعة إلى التمسك بكل ما يُمكن أن يجلب الخير نلحظه أيضاً في حركات قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تُخفي رغبة لدى المؤمنين بها في مغالبة الصعاب من خلالها واستشراف واقع أفضل من ذاك الذي يعيشونه.

من تلك الحركات، حكّة كف اليد التي تُفسَّر بيُسر مادي قريب، والرعشة التي تصيب الجفن فتُعتبر إيحاءاً ببشارة خير في طريقها إلى الشخص، وخاصة عودة شخص بعيد. أما حكّة الأنف، فتُنبئ حسب الاعتقاد بقرب الاستمتاع بطعام فاخر.

من الطقوس أو العادات المتوارثة عن الأجداد أن يطلب أحدهم وهو يهم بترك المنزل لقضاء شأن مهم من أحد أفراد عائلته، خاصة من أمه، سكب إناء ماء وراءه، ليس فقط اعتقاداً منه أن ذلك يُسهّل قضاء حاجته، بل أيضاً استبشاراً بعودته سالماً بعد قضاء تلك الحاجة.

وإن حدث ونسي الشخص شيئاً بعد خروجه، فمن المكروه حسب الشائع أن يعود أدراجه لإحضاره، ففي ذلك نذير شؤم.

الفأل الحسن لا يتوقف عند مجرد تجربة شخصية من قبيل سكب الماء وراء مسافر يتوق إلى إنجاز مهمة تعنيه وحده، بل يتجاوزها إلى سلوكيات جماعية كأن يحتفل تونسيون في معظم مناطق البلاد بحلول السنة الهجرية الجديدة من خلال إعداد وجبة ''الملوخية''، اعتقاداً منهم أن استقبال سنة جديدة بطبق غذائي لونه أخضر سيجعل سنتهم سنة خصب وعطاء، وهو ما يُعبّرون عنه بقولهم "عام أخضر''.

هذا الاستبشار والتفاؤل بحلول مواسم الخصب نجد صدى له في احتفاء تونسيين بالمطر، خاصة ذلك الذي يسبق مواسم الحصاد التي تحل مع نهاية فصل الربيع ودخول فصل الصيف، فيشبّهون مطر آذار/ مارس بالذهب الخالص ويقولون عنه ''مطر مارس ذهب خالص''، نسبة إلى قيمته العالية وأهميته البالغة للأرض والزراعة والمرعى.

كما يتفاءلون خيراً بمطر نيسان/ أبريل، فيقولون ''مطر أفريل يُخرج السبولة (السنابل) من البير (البئر)''، أي أنها أمطار ذات أهمية بالغة تسرع من وتيرة نمو المزروعات ونضجها قبل حلول موسم حصادها.

رشّ الماء يقضي حاجة، حكّة كف اليد دليل رزق قادم، رعشة الجفن بشارة خير، وصياح الديك يعني أنه رأى ملكاً... أمثلة على معتقدات متوارثة لا تزال حاضرة في مناطق تونسية، ويتم استحضارها كـ"فأل حسن" 

لعل الدارس للمعتقدات الشعبية التونسية يقف أيضاً على أمثلة أخرى من التعبيرات عن الفأل الحسن التي لا تأخذ شكل الاحتفال أو التجربة الجماعية، بل تتمحور حول سلوكيات بسيطة عفوية من ذلك التفاؤل ببعض الأصوات مثل صوت الديك (تقول الأسطورة إن يصدر الديك يصدر صوتاً حين يرى ملكاً)، وذلك بخلاف أصوات أخرى تُعدّ نذير شؤم كصوت الحمار (يُصدر صوتاً إذا تمثل له شيطان أو جان حسب المعتقدات الشعبية).

ويبقى أن سكب فنجان قهوة، خاصة إذا حدث ذلك عن غير قصد، فألاً حسناً بقدوم خيرٍ وفير.

التطيّر خوفاً وحذراً

على عكس علامات التفاؤل، ثمة أمثلة أخرى كثيرة تصب في خانة التطيّر والنظرة السوداوية التي ترافق كثراً في حياتهم اليومية، قولاً وفعلاً.

من أبرز صور التطيّر عند التونسيين ما ارتبط برؤية حيوانات بعينها أو سماع أصواتها، ومن أبرزها رؤية قط أسود صباحاً، خاصة إذا صادفه من هو خارج للعمل، إذ تُعتبر سوء طالع بسبب ارتباط القط في الخيال الشعبي بالشياطين والجان التي تجلب الأذى والشرور.

ويتجاوز الخوف من القط الأسود ليظهر مع رؤية حيوان يحمل اللون نفسه، وصولاً إلى تطيّر تونسيين من التعامل مع مادة ''الفحم'' نطقاً ومعاملة، بيعاً وشراء، تحديداً عند الصباح.

الأمر ذاته مع الفحم ينطبق على كلمة ''الملح'' التي يسري معتقد حول ضرورة تجنب ذكرها صباحاً، فيجتهد من يريد الحصول عليه في البحث عن مرادف للكلمة تجنباً لذكرها، وفي هذه الحالة أيضاً يبدو الأمر أقرب إلى الخرافة التي ألفها أشخاص بالوراثة دون البحث عن تفسير شاف لها.

التطيّر من التعامل بالملح صباحاً لا يتوقف عند تجنب لفظ الكلمة بل يتعداه إلى التشاؤم من سكبه، ففي ذلك ما ينذر بخسارة مكون هام من مكونات البيت. لعل هذا الخوف من الخسارة جعل المقتنعين بهذا المعتقد يستبدلون كلمة الملح في تعاملاتهم اليومية بكلمة فيها كثير من الإيجابية، فيقولون عنه ''الربح''.

الخوف من الخسارة أو من تحول الحال إلى نقيضه أو انقلابه إلى ضده يعكسه بوضوح تطيّر البعض من ترك النعل أو الحذاء مقلوباً، ففي ذلك إيحاء إلى تغير الحال من خير إلى شر، حسب المخيال الشعبي.

التطيّر من التعامل بالملح صباحاً لا يتوقف عند تجنب تلفظ الكلمة بل يتعداه إلى التشاؤم من سكبه... واحد من أسباب سوء الطالع التي توارثها تونسيون عن الأجداد، ولا تزال تحضر في حياة كثر عند العجز عن تفسير مشكلة ما أو حلها 

بعض الكلمات الأخرى يُستحسن تجنب التلفظ بها صباحاً في عُرف التونسيين، لما تحمله من معاني الشؤم والحظ التعس، فلا يحبذ استعمال كلمة ''سكِّر'' أي أغلق الباب أو الشباك مثلاً في الصباح، ففي ذلك خوف من أن تُغلق في وجه قائلها أبواب الخير والرزق، وبدلاً عن ذلك يستعملون ألفاظاً من قبيل ''زين'' الباب أو الشباك وفيها معنى الزينة والتزين.

رؤية طائر البوم ليلاً وسماع صوته يرتبط بالخيال الشعبي بوقوع مكروه، خاصة فقدان عزيز، لارتباط هذا الطائر بالغياب أثناء النهار (الغياب يوحي بالفقدان) والرجوع ليلاً (الليل رمز السواد)، وكذا الأمر بالنسبة لرؤية الغراب الذي ارتبطت صورته في الروايات بالقتل وبدفن قابيل أخاه هابيل، ومن شأن رؤيته أن تثير الخوف والتشاؤم.

بعيداً عن المشترك الثقافي الذي يجمع تونسيين كثر في تعبيرهم عن التفاؤل والتشاؤم، تحتفظ كل منطقة بخصوصيتها التي تُميّزها عن غيرها من المناطق.

"حين يغيب التفسير العلمي يلجأ أفراد المجتمع إلى الموروث الثقافي لاستحضار عناصر التبرّك والتطيّر لتبرير ممارساتهم".

على سبيل المثال، يولي أهل بعض مناطق الجنوب التونسي النائية نسبياً مكانة كبيرة ليوم الحادي عشر من شهر المحرم وهو اليوم الذي يلي مباشرة يوم عاشوراء، فلا يزاولون فيه أي نشاط ولا يسافرون خوفاً من مكروه قد يصيبهم أثناء عملهم أو سفرهم، بل ولا يطبخون أي طعام في ذلك اليوم فيقولون ''نهار 11 (حداش بالعامية التونسية) طار الطير و ما ولاش'' (يوم الحادي عشر من المحرم طار الطائر ولم يعد).

قد تكون هذه المعتقدات تسربت إلى الثقافة الشعبية التونسية من موروث شيعي قديم (قدسية كبيرة يحملها الناس في مناطق الجنوب التونسي ليوم عاشوراء) مع أن الغالبية العظمى من سكان تلك المناطق سنية المذهب، لكن يبقى الأمر وارداً رغم شح الأدلة القاطعة.

عندما يعجز العلم عن التفسير

يرى أستاذ الفقه في جامعة الزيتونة التونسية أحمد السهيلي أن الفأل الحسن مطلوب وذلك خلافاً للتطير الذي يرفضه الدين لأنه يعارض قضاء الله وإرادته، ويستدل على ذلك بكون النبي محمد كان في أولى أيام الإسلام يغير بعض الأسماء التي تنفر منها النفس ولا تستسيغها الفطرة.

ويلفت السهيلي إلى أن هذه المعتقدات بجانبيها قد نمت وترعرعت في المجتمع التونسي، حتى أضحت مكوناً من مكونات الميراث الشعبي نتيجة توارث الأجيال لها دون التفكير الملي والجدي في مضمونها، وبالتالي أصبح الناس يؤمنون بها دون السؤال عن مرجعيتها أو مصدرها.

أما الباحثة في علم الاجتماع في الجامعة التونسية صفوة الخالدي فتعتبر اعتقاد الناس في ما يوحي بالفأل الحسن أو التطيّر ظاهرة كونية لا يقتصر وجودها على المجتمعات البدائية، بل يشمل أيضاً المجتمعات الحديثة، وهي ظاهرة تساير حياة الناس وتظهر عادة في زمن "الهزات الاجتماعية"، أي عندما يعجز العلم عن التفسير أو يغيب منطق التفسير العلمي.

حين يغيب التفسير العلمي يلجأ أفراد المجتمع إلى الموروث الثقافي لاستحضار عناصر التبرك والتطيّر لتبرير ممارساتهم على اعتبار أن هذه العناصر معلومة لدى الناس وليست غريبة عنهم، ما يكسبها الشرعية التاريخية والاجتماعية، كما تقول الباحثة.

هذه النظرة يدعمها كذلك الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد الذي يعتبر الإيمان بهذه المعتقدات ممارسات فردية تعكس تمثلات اجتماعية و ثقافية ما قبل علمية مرتبطة بالفكر الخرافي والميتافيزيقي، يلجأ إليها الناس حين يغيب عنهم التفسير العقلاني للظواهر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard