توفيق الدقن... أن تعيش شيطاناً يريد التوبة

الأحد 3 مايو 202003:39 م

في قصته التي عنونها باسم "الشهيد" في مجموعته "أرني الله" المنشورة عام 1953، صوّر الكاتب المصري توفيق الحكيم، شخصية إبليس/ الشيطان، على أنه يريد التوبة والتراجع عن دور المحرّض على كل ما هو قبيح وشر، ذلك الدور المفروض عليه في لعبة الحياة، لكن أحداً لا يريد أن يساعده - ولا حتى نفسه - على تحقيق حلم التوبة، لتستمر المسرحية التي أُجبر فيها على أداء ما لا يريد... تماماً كما أتصوّر الممثل المصري توفيق الدقن الذي دُفن في مساحة أضيق من جسد موهبته، ولا يليق ترابها بلون روحه المشبعة بالطيران.

هو توفيق أمين محمد أحمد الشيخ الدقن، المولود في قرية هورين بمركز بركة السبع، في محافظة المنوفية بدلتا النيل، في 3 أيار/ مايو 1923. مات شقيقه الأكبر فلم يستخرج له أبوه شهادة ميلاد خاصة به، فعاش بشهادة ميلاد أخيه الذي توفي. المصادفة وحدها قادته إلى عالم التمثيل، إذ تغيب أحد الممثلين في مسرح جمعية الشباب المسلم في المنيا فأسند إليه الدور ونجح فيه، حصل على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1950. بدأ حياته العملية كممثل وهو طالب بالمعهد. أول عمل له كان دور فلاح، اشترك بعدها في فيلم (ظهور الإسلام) عام 1951. التحق بالمعهد الحر بعد تخرجه لمدة سبع سنوات. عمل في فرقة إسماعيل يس المسرحية ككوميديان والتحق بالمسرح القومي الذي ظل عضواً به حتى إحالته إلى المعاش. قدم للمسرح منذ عام 1958، أعمالاً مهمّة مثل، "عيلة الدوغري"، "بداية ونهاية"، "الفرافير"... وقبل ذلك، كان يعمل موظفاً باليومية في هيئة السكة الحديد وكاتب مخالفات بالنيابة الجزائية بالمنيا في صعيد مصر، ليصرف على إخوته المعتمدين على دخله.

هذا الكوكتيل في المسار المهني لـ"الدقن" لا ينم إلّا عن شخصية متأرجحة بين ما يريده وما يعيشه. يمشي بهوس المسرح لكنه مفعم بمسؤولية الواقعي المُطالَب بالكثير من أفعال المادية وانشغالات المال. أتصوره ذلك "الشرير بالإكراه". خانه تصنيف الآخرين له. كان مكانه البطولة في الصف الأول لا مجرد "سنّيد" أو "مضحّكاتي الشر". لم ترض نفسه، بحسب اعترافه، عن غالبية ما قدّم في السينما، لأنه "كان مقهوراً عليها من باب أكل العيش"، فيما حُرم من غرامه الأول، فن المسرح، وغرق في انتقاده لحال هذا الفن السامي وما يعانيه أهله في مطحنة الدخل والمُنصرِف، فصار كمن يحاكم ذاته على ما آلت إليه دون ذنب بحثا عن نجاةٍ ما.

في مشهد التوبة، مسرحية سكة السلامة، لا يترك للمشاهد مساحة تخيل. نحن أمام أعلى درجات التقمص والحلول، أمام ممثل عيناه وقلبه في السماء وقدماه على الأرض فقط من باب إثبات الوجود بيننا ليس إلا. نحن أمام هارب من الوقت والذنب معاً، يبحث دائماً عن خلاصه في الدور الممثّل ودنياه البخيلة في آنٍ. الأجير الذي يسترضي صاحب العمل ليأخذ حق عرقه ثم يلعن الظروف التي لم تمهد حياة كريمة كما تمنى، الممنوح حرية مشروطة، المحروم من أشكال الخير التي يتوقها، الإنسان المغلوب على أمره حسبما قدرت الأقدار.

كم بيننا من توفيق الدقن في هذا العالم المحكوم بالمال والقاهر لكل موهبة؟

هو توفيق أمين محمد أحمد الشيخ الدقن، المولود في قرية هورين بمركز بركة السبع، في محافظة المنوفية بدلتا النيل، في 3 أيار/ مايو 1923. مات شقيقه الأكبر فلم يستخرج له أبوه شهادة ميلاد خاصة به، فعاش بشهادة ميلاد أخيه الذي توفي. 

قال توفيق الدقن عن نفسه في أحد تسجيلاته الإذاعية: "بقالي 25 سنة في المسرح، يعني نص عمري، مرتبي بالكامل 60 جنيه، يستقطع منها 14 جنيه سُلف من البنوك وبوالص تأمين للأولاد، بيصفوا في المسرح على 8 جنيه، باصرف منها جنيه في اليوم مواصلات للذهاب للمسرح في الأزبكية من حي العباسية... إذن أنا محتاج لعمل إضافي غير المسرح".

قال ذلك ليشرح معادلة مقيتة يعيشها فنان كبير مثله، تجبره على أن يحسب حسبته بواقعية لا بالفن والقيمة وحرية الاختيار، فمهما كان الدور السينمائي المعروض عليه تافهاً فهو مقبول، لأنه يغازل فيه حاستي الجوع والخوف: خوف من اللحظة الراهنة، وخوف على أولاده في مستقبل لن يكون هو فيه.

لعنة الجسد في حياته

الملاحظ لتكوين توفيق الدقن الجسماني يرى أنه كان ممشوقاً مشدود القامة، إذ احترف لعب كرة القدم في شبابه في نادي السكة الحديد، ظناً منه أنه سيكون لاعباً كبيراً، ولعب في نادي الزمالك فيما بعد كهاوٍ، لكن طريق التمثيل كان أكثر إغواء لمخيلته. ومع مرور الوقت، خانه جسده كبقية الخونة، وفقد أداة مهمة من أدوات الإقناع بالشر، فحاول أن يعوّض ذلك بصوته وملامحه الحادة. لأن هذا الجسد النحيل، الذي ضربه مرضا السكري والفشل الكلوي لن يكون فعالاً في أداء المطلوب منه سينمائياً.

حتى جسده يورطه بفخاخ في رحلته تجاه أكل العيش في أيامه الأخيرة، لذا كان يستتر من الناس وهو يغسل الكلى مرتين أسبوعياً، ويطلب من المخرجين مواعيد خاصة لحالته الصحية، وكان يضطر لأن يعترف لبعضهم بما هو فيه رغم خوفه من أن يفقد عمله، ومع إلحاح لعنة الجسد اضطر أن يلعب أدواراً بسيطة في الدراما التليفزيونية، لكنها كانت، لحسن الحظ، تنتمي للأدوار الكبرى التي عاشها في المسرح في عز فتوته، مثل دور "الدرديري"، المفكر الملهم الذي يراه المجتمع مجنوناً بينما يرى في نفسه عبقرية تسبق من حوله، لكونه يحاول التحدث مع أهل الفضاء من كائنات أسطورية يريدها أن تخلص العالم من سطوة الغرب، بعلم أعلى وأقوى من علمهم وأسلحتهم.

كان بحثه في الحياة عن قوته الخارقة، التي طحنتها الحاجة والفقر والتواري خلف النجوم الكبار، متوازياً مع بحثه عن أدوار تتحدث باسم عقله الباطن: "أريد أن أعود قوياً كما كنت ولو في خارج سياق الدراما".

قال توفيق الدقن عن نفسه في أحد تسجيلاته الإذاعية: "بقالي 25 سنة في المسرح، يعني نص عمري، مرتبي بالكامل 60 جنيه، يستقطع منها 14 جنيه سُلف من البنوك وبوالص تأمين للأولاد، بيصفوا في المسرح على 8 جنيه، باصرف منها جنيه في اليوم مواصلات للذهاب للمسرح في الأزبكية من حي العباسية... إذن أنا محتاج لعمل إضافي غير المسرح"

المطرود من رحمة الزمن

يبدو أنه كان من المرعوبين من لعبة الزمن، كان يردد دائماً أن الفنان عندما يكبر يصبح مثل "خيل الحكومة... يتركونه ويأتون باللي بعده". عانى كثيراً من التعامل مع المخرجين الجدد، ومن التجاهل وعدم الاحترام في كتابة اسمه على الأفيش بما يليق بتاريخه، تاريخه الذي ظل كبيراً وفخماً حتى وهو يؤدي أدواراً لم تدخل في مزاجه ولا ضميره، وبعد رحيل كثير من أصدقائه، شعر بالغربة وأن مناخ العمل لم يعد يرتضي وجوده.

يحكي "ماجد"، نجل الفنان الراحل لجريدة "اليوم السابع" المصرية، أن توفيق الدقن أوصى بأن يضعوا وردة حمراء على قبره بعد أن يدفنوه مباشرة، آمراً الجميع بأن يذهب بعدها كل إلى عمله، لأن الدنيا لا تقف على أحد.

ربما نلحظ روحاً عدمية وعملية في وصاياهـ يستكملها ويزينها دائماً بظرفه الذي لا يفارقه، حتى حين أحسّ بوقع أقدام الموت قال لابنه: "ريحة شبرا في نخاشيشى، قوم ودينى عند إخواتى"، حيث جاءت أسرته من المنيا في الصعيد لتستقر في حي شبرا بالقاهرة، وذهب لزيارتهم، وفي أثناء عودته من الزيارة قال: "يظهر يا ابني إني هاموت أو حد منهم هيموت"، ثم ضحك ساخراً كمن يُنزل الستار على حياته البخيلة وقال: "يلا في ستين داهية".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard