هل تعيد أزمة الكورونا التوازن إلى العلاقات العسكرية المدنية المختلة في مصر؟

الأربعاء 29 أبريل 202011:05 ص

على خلاف الصورة النمطية لبعض القادة حول العالم ممّن يظهرون مع خبراء وأطباء للحديث عن أزمة تفشي فيروس كورونا وسبل مواجهتها، ظهر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أغلب لقاءاته المصورة، محاطاً بالعسكريين أو متحدثاً إلى العسكريين، مع ظهور شرفي لعدد من التكنوقراط المدنيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزيرة الصحة هالة زايد.

ففي السابع من نيسان/ أبريل، تفقد السيسي العناصر والمعدات والأطقم التابعة للقوات المسلحة المعدة لمواجهة تفشي كورونا. وفي الـ14 من الشهر نفسه، اجتمع مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة لاستعراض جهود القوات المسلحة لمواجهة انتشار الفيروس.

الفكرة الأساسية التي أسس عليها السيسي حكمه هي محاولة تقديم الجيش كمؤسسة حاكمة ومتحكمة بديلة يمكن أن تملأ الفراغات الناتجة عن ترهل وضعف المؤسسات الأخرى، وتؤدي كل الأدوار التي تعجز عن القيام بها المؤسسات المدنية البيروقراطية أو السياسية غير المنضبطة أو ذات الكفاءة المنخفضة. باختصار، بدلاً من إصلاح المدني المترهل، لنستبدله بالعسكري المنضبط.

قامت المؤسسة العسكرية بدور المؤسسات السياسية التي تصنع السياسات، والمؤسسات الاقتصادية والتنموية التي تصنع المنتجات والسلع وتقدّم الخدمات وتشرف على الإنشاءات، بل تمددت أدواراها الأمنية والاستخبارية إلى التحكم بمجالات جديدة عليها مثل الإعلام والإنتاج الفني والسينمائي.

ورغم حرص الرئيس المصري على تأكيد رسالته الأهم في حكمه، وهي أهمية القوات المسلحة، ليس فقط كمؤسسة قتال لكن كمؤسسة متحكمة وحاكمة في بنية الدولة المصرية، إلا أن أزمة الكورونا فرضت منطقاً مغايراً ودفعت الجميع إلى التفكير في إجابات عن سؤال "فين المدني اللي هنا؟".

مأزق كورونا

أزمة كورونا وضعت الإدارة العسكرية أمام مأزق كبير، فهي تحتاج في جزء مهم من إدارتها إلى درجة عالية من التخصص، وستكشف تهافت مقاربة أن القوات المسلحة قادرة على ملء كل الفراغات في كل القطاعات.

وفي مقلب آخر، ستكون الأزمة كاشفة للخلل الهيكلي في الاقتصاد المصري الذي ظهر عاجزاً عن تنمية قدرات مناسبة في البحث العلمي والتكنولوجي في القطاعات المدنية لسد احتياجات السوق المحلي من أجهزة طبية معقدة نسبياً مثل أجهزة التنفس، أو أجهزة التحليل والكشف التي تعاني مصر من أزمة كبيرة في توفيرها تجعلها غير قادرة حتى على الوصول إلى رقم 1500 تحليل في اليوم.

وستكشف الأزمة عن العجز في تطوير الخدمات الصحية المقدمة في وقت قصير نسبياً. فالطبيعة الهيكلية للاقتصاد المصري تعطي المشاريع الإنشائية الكبرى أولوية تفوق الصحة والتعليم.

ولأن تصدّر القوات المسلحة لمشهد أزمة كورونا يحمل مخاطر عدة، أهمها خطر أن يربط المصريون الحكم العسكري بالفشل في إدارة الأزمة، كانت الاستراتيجية الأسلم تصدير عدد من الوجوه التكنوقراطية المدنية المشهد العام مع إعادة إنتاج الصورة النمطية للرئيس وسط العسكريين (لا المتخصصين) للحديث عن الأزمة وصور دعائية عن استعدادات القوات المسلحة لمواجهة الفيروس القاتل أو توزيع الكمامات الطبية في محطات المترو، وأدوار للقوات المسلحة في بناء المستشفيات المتنقلة كخطط بديلة في حالة تفشي الوباء.

هل ندفع الثمن؟

أظهرت الأزمة الخلل الهيكلي في الاقتصاد المصري المنحاز للمشاريع الكبرى التي يشرف عليها الجيش، على حساب قطاع الخدمات بما فيه الصحة والبحث العلمي. هذا الخلل ربما يؤدي إلى خلق مزيد من المشاكل التي تؤدي إلى عدم القدرة على خلق المرونة الكافية للاستجابة السريعة والفعالة.

"ربما تعطي جائحة كورونا الفرصة للدولة المصرية لإدراك أن تشجيع البحث العلمي وتخصيص مبالغ أكثر له، والفصل بين الإبداع العلمي والأكاديمي والآراء السياسية المعارضة، أصبح أولوية قصوى تحتاج إلى مراجعة"

فتجميد جزء كبير من الاقتصاد في المشاريع الإنشائية الكبرى يجعل إعادة توجيهه لقطاعات خدمية أمراً صعباً نسبياً. كما كشفت الأزمة أن العسكرة المبالغ فيها وتراجع المتخصصين أدى إلى فجوة كبيرة في التناول الإعلامي للأزمة. فالإعلام ظهر بلا نجوم رأي مؤثرين، والنبرة الأحادية فيه تركته بلا قدرة على المبادرة حتى في مجال التوعية.

ليس لدى نجوم الفضائيات من الخبراء الاستراتيجيين العسكريين والمذيعيين المؤيدين للنظام ما يقولونه في ظل أزمة خانقة، إلا ترديد خرافات المؤامرة والقدرات الخارقة التي اعتادوا عليها، أو حتى وصفات "الشلولو" و"الكرومونيوم".

متناع الإعلام المصري عن استضافة مختصين في علوم الأوبئة والميكروبيولوجي ربما يفتح تساؤلات عن رغبات لدى المتحكم في المادة الإعلامية في عدم صناعة نجوم جدد. لكن تبقى الأزمة كاشفة عن أن اللواءات الاستراتيجيين، والمذيعيين الموالين لن يستطيعوا دائماً ملء الفراغ الإعلامي المصري، وهذا ما دفع الكثيرين للبحث عن نصيحة المختصين في مساحات متنوعة على الإنترنت أو فضائيات بديلة.

ظل تعامل الدولة، وفي القلب منها المؤسسة العسكرية، مع المجتمع المدني على أنه خطر محتمل على أقل التقديرات أو خصم يجب استهدافه وتقويضه في أغلب التقديرات، غير أن الأزمة ربما كشفت عن دور فاعل للمجتمع المدني في نشر الوعي، أو حماية المتضررين من الأزمة أو حتى في مبادرات تصنيع الأجهزة الضرورية بمنتجات محلية. وربما كان المجتمع المدني سيلعب دوراً أكبر لو لم يُطارَد أو تُقوَّض قدراته بشكل كبير.

التعليم والبحث العلمي في الوطن الضائع

أعطت الأزمة إجابة واضحة على سؤال السيسي "ينفع التعليم في إيه مع وطن ضايع؟"، وهو سؤال طرحه استنكاراً لمَن يطالب بتصدّر التعليم وااهتمام به اعتبارات الأمن والعسكرة.

أظهرت الأزمة ضعف مقاربة السيسي، إذ ظهرت قطاعات هامة وحيوية لا يمكن للقوات المسلحة أن تنافس فيها أو تقدم بدائل لها، مثل قطاع البحث العلمي القائم في الأساس على حريات البحث والإبداع والنقد وقيم التفكير العلمي، لا الانضباط والطاعة بمعناهما العسكري.

"حتى في نظم الحكم ذات الطابع العسكري، لن تستطيع أن تحكم وحدك ولن تستطيع أن تختزل قدرات الجميع في مؤسسة واحدة مهما علا شأنها"

أدرك النظام أن مجالات البحث العلمي ليست مجالات تتنافس فيها القوات المسلحة، بعد تجربة جهاز علاج الفيروسات المرير عام 2014، والذي عُرف بين المصريين بـ"جهاز الكفتة".

فرغم الإمكانات الضعيفة والتضييق الأمني على المجتمع العلمي المصري، إلا أنه حاول بقدر المتاح تقديم حلول. قدّمت مؤسسات علمية بحثية مدنية أفكاراً مبتكرة أو حاولت سد احتياجات أساسية في الأزمة مثل جامعات طنطا، والمنصورة، ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار.

كما أظهرت الجائحة بشكل أوضح صورة أزمة البحث العلمي في مصر والتي لها بعدان أساسان، الأول هو ضعف الإمكانات، والثاني هو أزمة الحريات الأكاديمية بمعناها المباشر، أي الحرية الأكاديمية للباحث، وبمعناها غير المباشر، أي الخلط بين الآراء السياسية للباحث وعمله البحثي.

ففي ظل نظام مهووس بفكرة الولاء المطلق، لا يُسمح لباحثين مميزين بالعمل أو الترقي إذا كانت لديهم آراء سياسية معارضة للنظام الحاكم. ربما تعطي الجائحة الفرصة للدولة لإدراك أن تشجيع البحث العلمي وتخصيص مبالغ أكثر له، والفصل بين الإبداع العلمي والأكاديمي والآراء السياسية المعارضة، أصبح أولوية قصوى تحتاج إلى مراجعة.

قلصت الأزمة بشكل ما من كثافة المظاهر المعسكرة في المشهد المصري ومنحت فرصة حتى لمدنيين موالين لتصدّر الصورة واتخاذ قرارات، إذ تصدّر رئيس الحكومة واجهة إدارة الأزمة وبدأ المصريون يرددون اسمه ويتابعونه بشكل شبه يومي. بعض المواطنين أثنى على أدائه وبعضهم كانت لديه تحفظات، كطبيعة الحال تجاه أية سياسات حكومية، لكن بقى تصدر مدني تكنوقراطي للمشهد علامة فارقة حتى لو كان هذا المدني التكنوقراطي ينتمي إلى البيروقراطية التابعة للنظام العسكري الحاكم.

وكانت القرارات لها طابع غير معتاد من قَبل وهو طابع القرارات السياسية التي تتطور بتطور ردود أفعال الناس وتستجيب لبعض مطالبهم بشكل أسرع نسبياً. لا يمكن أن نحسب ذلك تطوراً في اتجاه أكثر ديمقراطية أو محاسبية أو شفافية، أو حتى في اتجاه مزيد من التوازن في العلاقات المدنية-العسكرية، فالمشهد لم يزل مبكراً والإدارة العسكرية لم تزل مسيطرة على أهم المفاصل السياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية.

لكن وربما يفتح ما يجري فصلاً جديداً في العلاقات المدنية-العسكرية في مصر، فصل ربما يهدم الصيغة القديمة، وهي أن كل شيء يمكن إنجازه بالركون إلى المؤسسة العسكرية من السياسات الكبرى حتى السلع الغذائية، فحتى في نظم الحكم ذات الطابع العسكري، لن تستطيع أن تحكم وحدك ولن تستطيع أن تختزل قدرات الجميع في مؤسسة واحدة مهما علا شأنها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard