في مصر... الحقيقة والكورونا لا يجتمعان

الثلاثاء 17 مارس 202004:40 م

أعلنت مصر رسمياً وجود 126 حالة من المصابين بفيروس الكورونا المستجد على أراضيها، من بينهم سبعة في المدارس. لكن الحكومة التي تدعي أنها تسبق الفيروس بخطوات، يظل رأسها "عبد الفتاح السيسي" صامتاً إزاء وباء يكتسح البلاد. في كثير من الدول التي تعاني في مواجهة هذه الجائحة العالمية، تم اتباع إستراتيجيات متعددة، يبدو أن مصر قررت اتباع سياسة: ابق نفسك تحت الرادار بينما يصل كذبك لعنان السماء.

وكأن الأقدار تسخر، أعلنت مصر عن أولى حالات الإصابة بالفيروس في يوم عيد الحب، وولم تُعلن الحالة الثانية إلا بعد مرور 16 يوماً من الإعلان عن الحالة الأولى، في 2 أذار/ مارس الجاري. في يوم عاصف في القاهرة، أعلنت وزارة الصحة ظهور الحالة رقم 80، ومعها أعلنت حالة الوفاة الأولى، بعد أسبوعين من الإعلان عن الحالة الثانية. عندما تدار الأزمة بشذرات من الحقيقة ويتم تجنُّب تحمل المسؤولية، تصبح الأمة كلها في مصيبة. نحن بصدد فسخ العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، عقد كُتب بحبر الأكاذيب والاستخفاف بالمسؤولية.

لو قُيض لمصر أن تصير قادرة على مناطحة هذا الوحش، فإن سلاحها الأساسي لن يكون سوى الشفافية، هذا هو السبيل للمضي قدماً. 

لا تبدأ قصتنا في القاهرة أو الإسكندرية، بل في ولاية أوهايو الأمريكية. فرغم حقيقة أن دونالد ترامب حاول التحرك لتقليل عدد المصابين بفيروس الكورونا المستجد لضمان إعادة انتخابه، فإن تحركاته لم توقف آمي أكتون، مديرة قطاع الصحة في أوهايو، عن الإعلان أن الارقام المتوقعة للمصابين بالفيروس في ولايتها قد تصل إلى 100 ألف.بهذا الرقم المرعب وضعت تلك المسؤولة الناس في مواجهة الرئيس كما يقتضي واجبها.

أنتوني فاوتشي، الذي يحتل منصب مدير المؤسسة الوطنية لمكافحة الحساسية والأمراض المعدية منذ عام 1984، دفع بالمواجهة خطوة أبعد عندما أعلن أن النظام فاشل في الكشف عن الكورونا. في دولة المؤسسات تأتي حياة البشر قبل أصواتهم وتتقدم أولويتها على الأمن السياسي للنخبة. حتى عندما يقلل الرئيس من شأن ما يبذله النظام الفيدرالي لاحتواء الفيروس والأرقام التي تتزايد كالفطر كل يوم. في 11 أذار/ مارس بلغ عدد الحالات 1500، ونتيجة شفافية السلطات الصحية وبفضل كوادرها المحترفة، ووجود وسائل إعلام تتعامل بمهنية، تساهم هذه الجهات في حل الأزمة عوضاً عن تعقيدها.

في مصر، القصة على العكس من ذلك، يحتل المشهد رجال ونساء وصلوا للسلطة ومواضع اتخاذ القرار بالطاعة عوضاً عن الكفاءة. جهودهم مشتتة وهم يجهلون الملف وما تقتضيه عملية إدارته. يرافق كل هذا غياب الرؤية وتواضع الإمكانات المادية في مرفق الصحة وغياب قائد تلك المنظومة كلها منذ بدء الأزمة. من هنا تنتقل قصتنا إلى جهل طبيبة شابة لا تتمتع بالخبرة، قصة انتقلت في رسالة فيسبوك ووجدت طريقها إلى فضاء تويتر المصري.

"السلام عليكم يا دكتور. عندنا حالة في طوارئ المستشفى مشتبه في إصابتها بالكورونا. الاختبارات تؤكد إصابة الحالة بفيروس التهابي والتهابات فيروسية متعددة في الجسم. إيه الاختبارات اللي نعملها؟ ولّا نستنى لما الحالة تسوء؟"، الطبيب الأكبر سناً والاكثر خبرة الموجود في أستراليا كان رده: "عذراً. هي المستشفى مش عارفين إيه الاختبارات؟". جوهر المشكلة ليس عدم قدرة الطبيبة الشابة في وحدة الطوارئ على تشخيص المرض، أو جهلها ما هي الاختبارات التي يجب إجراؤها في هذه الحالة. صلب المشكلة هو غياب دليل واضح تلجأ إليه هي وزملاؤها من أطباء الطوارئ للتعامل مع هذا الوضع. فيما الاطباء الأكبر سناً والأكثر خبرة يتفرجون يقف الأطباء الصغار غير المؤهلين وحدهم على خط النار.

الجهود المبذولة لإخفاء الأرقام الحقيقية للجائحة بلغت حد إكراه الأطباء بشكل غير مباشر على عدم ارتداء الأقنعة الواقية "هتخوفوا الناس بدون داعي" كما يقول لهم رؤساؤهم

لا تتوقف المشكلة هنا، فالطبيبة الشابة تفصح عن صحة أسوأ مخاوفنا: الحكومة تخفي حالات: "زمايلي في القصر العيني بيأكدولي إنه في حالات في القصر العيني الفرنساوي برضه (اثنان من أكبر المستشفيات في مصر)". لنتذكر أن صحيفة تحظى بالاحترام، وهي نيويورك تايمز، نقلت مخاوف كثير من المصريين والعرب والغربيين عندما تحدثت عن أن "غياب الشفافية والإفصاح في دول مثل مصر ربما يخفي مشكلة أكبر". حكاية هذه الطبيبة الشابة ربما تكون قمة جبل الثلج الذي تتمثل فيه حقيقة مدى انتشار الفيروس في مصر.

ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك. فإن الجهود المبذولة لإخفاء الأرقام الحقيقية للجائحة بلغت حد إكراه الأطباء بشكل غير مباشر على عدم ارتداء الأقنعة الواقية "هتخوفوا الناس بدون داعي"،كما يقول لهم رؤساؤهم. في تواطؤهم مع الحكومة بغية إخفاء المدى الحقيقي لما وصل إليه الوباء في مصر، يعرّض هؤلاء الأطباء الكبار صغار الأطباء لخطر العدوى والإصابة، ويعيقون جهودهم في إنقاذ أرواح المصريين.

الطبية المصرية الشابة ليست الوحيدة التي تفضح ما يرد في الدعاية الحكومية عن كون الجائحة العالمية تحت السيطرة في مصر. خبير أوبئة مصري في جامعة مرموقة يقول لرصيف22: "الحالات بدأت في الظهور قبل ستة أسابيع. وتم تشخيصها باعتبارها التهاباً رئوياً حاداً". هذه الحالات كانت في القاهرة والأسكندرية وبعض الحالات القليلة في الأقصر والغردقة وقنا. خذ دقيقة للتفكير في هذه المعلومات ثم فكر في التالي:

هذا مجرد طبيب واحد يسرد معلوماته لمحلل واحد، تخيل كم طبيب آخر لديه حكايات يحكيها. هذا الامر نفسه ينطبق على معدل انتشار الفيروس، لكل حالة إيجابية يمكنك أن تتخيل كم يبلغ عدد الحالات التي لم تُسجّل لأنها لم تخضع للاختبارات التي تكشف عن التشخيص السليم. يمكنك أن تراهن على أن هناك العديد من الاطباء الآخرين ممن لديهم حكايات مشابهة لكنهم يكتفون بالهمس من دون صراخ. لأن الكلام في مصر عن أمر حساس كهذا غالباً ما يكون سبب اختفاء الناس لشهور أو سنوات، هذا إن استمروا على قيد الحياة.

ولكن لا يمكنك اخفاء الكثير في عصر الإنترنت في ظل جائحة وبائية. في الثانية صباح الاربعاء 10 أذار/ مارس بتوقيت نيويورك، تلقيت تسجيلي فيديو لممرضات مصريات غاضبات بدا أنهن واقفات في شبه تظاهرة أمام مركز مكافحة العدوى في مصر. بعد 15 ساعة ظهرت الحقيقة: ادعت الممرضات أن زميلة لهن أصيبت بفيروس الكورونا المستجد، وأكدت الصحف الحكومية صحة ادعائهن: أكدت إدارة المستشفى ان ممرضة في مستشفى إمبابة العام أصيبت بالفيروس. فيديو التظاهرة التي أعلنت فيها الممرضات بغضب "كلنا بقينا كورونا كلنا اتعدينا" أجبر الحكومة على الإفصاح.

إن جهود الحكومة المفككة والارتجالية – في الغالب- للمصادرة على الحقيقة تهدمها حقائق معلنة عن عشرات المصابين العائدين من مصر. النظام المصري قال على سبيل المثال إن المريض زيرو (حالة الإصابة الأولى) كان سيدة تايوانية جاءت إلى مصر للسياحة. كذبة انكشفت لاحقاً عندما أعلنت تايوان بعد عزل الفيروس أن سلالته تختلف عن السلالة الموجودة في تايوان.

يقول البيان الرسمي الصادر عن السلطات الصحية في تايوان: "تقرر أن الحالة #39 أصيبت بعدوى فيروس كورونا المستجد في مصر وظهرت الأعراض عليها بعد عودتها إلى تايوان، وأنها حالة مهمة". هذا يعني أن الفيروس لم يُستورد إلى مصر من تايوان، وأن مصر أصبحت دولة ناشطة في تصدير المرض إلى العديد من الدول، بينها فرنسا وكندا وتايوان والولايات المتحدة. وتلقت السعودية ضربة قوية من الحالات المصرية. ففي 13 أذار/ مارس بلغ عدد المصابين بالفيروس في السعودية 86، 48 منهم مصريون. نحو 104 أشخاص عادوا إلى أوطانهم حاملين الفيروس من مصر بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

الكذب المنظم المتعمد كان يهتم أساساً بإخفاء المدى الذي وصل إليه الوباء في مصر، لكنه أسهم في رفع معدلات الإصابة ارتفاعاً يعدّ جريمة في حق المصريين والمجتمع الدولي، جريمة ارتكبها نظام قمعي بلا قلب ولا يهتم إلا باستعراض القوة والسيطرة

47 من هؤلاء العائدين كانوا سياحاً يونانيين، وهناك رقم مماثل من الأمريكيين، أغلبهم ترتبط إصابتهم بالباخرة النيلية المنكوبة "أسارا". لم تدخر "واشنطن بوست" كلماتها في اتهام الباخرة بكونها تسببت في وباء عالمي. هذه الباخرة السياحية وغياب تنظيم الجهود الطبية الرامية للمكافحة صدّرا الماساة إلى كندا بحسب تصريحات سائحة كندية لصحيفة محلية: فجأة "بووم... يمكننا مغادرة السفينة". هذه السائحة كانت تتجول بين المعابد وتختلط بالسكان المحليين وربما كانت تحمل الفيروس أثناء ذلك كله، ونقلت العدوى لعشرات المصريين بينما هي تستمتع بالجو المشمس طوال يومين. 

هذه الحقائق والأرقام تكشف عن التصاعد البطيء لعدد الحالات المصابة في مصر بينما يصر الموقف الرسمي على أن كل شيء تحت السيطرة. في المتوسط، شهدت الأيام الماضية ارتفاع حصيلة الحالات المعلنة إذ بلغت دستة من المرضى كل يوم تقريباً. وصلت الحالات إلى 126 في 15 أذار/ مارس، بينها سبع في المدارس. وإذ ذاك بدأت الدولة بالخضوع للضغط الشعبي. لكن مركز مكافحة الأوبئة والعدوى في الولايات المتحدة يرى أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية متواضعة جداً، ولن يكون لها أثر حقيقي. في الحقيقة قد تقود إلى عدوى كبار السن في البيوت مع وضعهم في اتصال مباشر مع الأطفال المصابين. لقد وقع المحظور بالفعل مع وجود سبع حالات في المدارس المصرية المزدحمة بطبيعتها، وهو تطور مأسوي في ذاته.  

الكذب المنظم المتعمد كان يهتم أساساً بإخفاء المدى الذي وصل إليه الوباء في مصر، لكنه أسهم في رفع معدلات الإصابة ارتفاعاً يعدّ جريمة في حق المصريين والمجتمع الدولي، جريمة ارتكبها نظام قمعي بلا قلب ولا يهتم إلا باستعراض القوة والسيطرة بينما يحدق الخطر بالجميع نتيجة كذبه. 

النظام الصحي المفكك والضعيف لا يكفي لمواجهة وحش ضارٍ كفيروس كوفيد 19 بكل شراسته، حتى مع ضخ ستة مليارات دولار في شرايينه. 

الكذب يقتل. وإذا صحت المؤشرات، فإن الحكومة ربما تكون قد ألقت في وجوهنا بكذبات هائلة تسعى للتضخيم من حقيقة التجهيزات والإمكانات والتدريب الذي أعدته لمواجهة هذا الفيروس. 

لو قُيض لمصر أن تصير قادرة على مناطحة هذا الوحش، فإن سلاحها الأساسي لن يكون سوى الشفافية، هذا هو السبيل للمضي قدماً. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard