"الزجل روح الشعب" صفحات غامضة من مسيرة بيرم التونسي في المهجر

الثلاثاء 28 أبريل 202003:50 م

لعل أهم ما يميز حياة محمود بيرم التونسي، (1893-1961)، هو الانشداد باستمرار إلى الغموض والإبهار، وقد أطبقت شهرة هذا الشاعر الأوساط الفنية والأدبية وحتى السياسية دفعة واحدة، منذ أن نشرت له جريدة "الأهالي" بمدينة الاسكندرية هجائية "المجلس البلدي" الساخرة، في صفحتها الأولى.

يقرأ مدلول الشهرة عادة من وجهه الإيجابي، غير أنه في الواقع وعبر الخوض في مجال الزجل، مثّل لدى بيرم البوابة الكبرى لدخول موجة النفي، التشرد، التدمير والحرمان من أسرته ومن وطنه وحياته برمتها، طيلة عشرين سنة. فبعد قضية المجلس البلدي، اجترأ بيرم في مجلته "المسلة" سنة 1919، على الطعن في شرف ملك مصر فؤاد، وزوجته السلطانة نازلي، مشككاً في نسبة ولي العهد فاروق.

الزجل في وجه أعداء الشعب

كان سلاح بيرم في صراعه مع أعدائه وأعداء الشعب المصري وقتها، جنس الأزجال العامية، التي تعدّ أقرب إلى عامة الناس من سلطة القصر المتجهمة الظالمة، من الملك إلى المستعمر الإنجليزي

كان سلاح بيرم في صراعه مع أعدائه وأعداء الشعب المصري وقتها، جنس الأزجال العامية، التي تعدّ أقرب إلى عامة الناس من سلطة القصر المتجهمة الظالمة، من الملك إلى المستعمر الإنجليزي، وقد صاغ قصائده من واقع معاناته المريرة، بعد وفاة والده وانقطاعه عن الدراسة واشتغاله بقالاً، وهو لم يتجاوز الثانية عشر من عمره.

فما هو الخيط الرفيع الذي جعل محمود بيرم يبدع رغم قسوة المظالم وشدة المحاصرة؟ وهل حافظ على حياته بسبب سطوته الإبداعية أم اعتباراً لأصوله التونسية ومظلة الحماية الفرنسية؟ ألا تنجلي بعض الصفحات الغامضة من حياته في ثنايا الزجل، لا سيما تلك المتعلقة بحياته في لبنان وسوريا التي لا نكاد نعرف عنها أي شيء؟

الشعر الملحون

تكمن قيمة الزجل، كما يقول صفي الدين الحليّ، بأنه فن قولي "لا يلتذّ به حتى يغنّى به ويصوّت"، أي أن رواجه مرتبط بالغناء والترديد والجريان على ألسن عامة الناس، ولئن عرف بيرم التونسي بالكتابة في أجناس أدبية عديدة، منها الشعر، السيرة الذاتية، المقامة، المسرح، المقال الصحفي الفكاهي وحتى أدب الرحلة، غير أنه برع في كتابة الزجل إلى درجة أن الكثير من النقاد يشيرون إلى أنه كوّن مدرسة جديدة في تاريخ الأزجال.

وقد صدر مؤخراً بتونس، كتاب "الأشعار التونسية" لبيرم، موضحاً فيه مؤلفه القصائد بالفصحى والعامية التي كتبها بيرم، خلال إقامته بتونس. علماً أن الصحفي المصري كمال سعد، أصدر بدوره منذ سنوات، كتاباً حول الصفحات الضائعة لبيرم، أكد فيه أنه جايل الشاعر وعاش بصحبته فترة، وقد ثبت لديه استيعاب بيرم لكتاب العروض، ما جعله يختط لنفسه نهجاً مخصوصاً من الزجل قوامه بنية المربعات.

اجترأ بيرم في مجلته "المسلة" سنة 1919، على الطعن في شرف ملك مصر فؤاد، وزوجته السلطانة نازلي، مشككاً في نسبة ولي العهد فاروق

ففي المشرق وببلاد المغرب والأندلس على السواء، تطور فن الزجل بالتنويع على أوزان عروض الفراهيدي، وقد برع الشاعر الأندلسي ابن قزمان في كتابة الزجل، باعتباره الأب المؤسس وله ديوان كبير في ذلك. ولعل نجم بيرم التونسي قد علا في مجال الأزجال من خلال قيامه بحلقة وصل بين الزجل الأندلسي والمغربي (الشعر الملحون) والمشرقي. وقد انخرط بيرم التونسي في فن الزجل من دون أن يباريه فيه أحد، مستنداً لما علق في ذاكرته من أفواه المداحين على أبواب مسجدي العباسي والبصيري خلال صباه، كما ينبغي الإشارة إلى أن بيرم لم يتبع أشكالاً أخرى لفن الزجل، مثل الذي في منازلات الشعراء، كالمناظرة الشهيرة في بداية السبعينيات بلبنان، بين زغلول الدامور وموسى زغيب.

استأنس محمود بيرم بسماع الأدوار والمواويل والطقاطيق زيادة عن الأساطير الشعبية، ما جعله يستبطن المتآلف والمشترك لدى الناس، ويخاطبهم بلغة مختصرة هادفة يفهمونها ويستعذبونها، وقد أمكنه أن يتقن فن المربعات في الزجل وسهلت أمامه كتابة القصائد المغناة، مثل أوبريت "يا صلاة الزين" التي أداها الشيخ زكريا أحمد، ثم تلميذه سيد مكاوي ومما جاء فيها:

"مسكين من عاش مغرور

يحسب الدهر غافل

الدهر دولاب بيدور

خلا الأعالي أسافل".

وسعياً لاستثمار هذه الموهبة في الكتابة، تعامل بيرم مع أهم المغنين بمصر وقتها، مثل أم كلثوم في رائعة "القلب يعشق كل جميل"، أو الموسيقار محمد عبد الوهاب في أغنية "محلاها عيشة الفلاح".

يأتي عشق بيرم للزجل من البيئة التي ترعرع فيها داخل الأحياء الشعبية في مدينة الإسكندرية، خاصة في محل والده لبيع الحرير، وتثبت المصادر الإخبارية أن والد بيرم كان يكتري عازفي الربابة ليستعرضوا له في دكانه مفاصل من تغريبة بني هلال، سيرة عنترة، الأميرة ذات الهمة، سيف بن زي يزن وغيرها من الملاحم البطولية. وقد تعلقت همة بيرم التونسي تبعاً لذلك بالمتون القديمة وكتب الزجالين بشكل خاص، كما أنه كان يجالس عدداً من الشعراء الجوالين ويجد فيهم ذائقته.

مصري وتونسي معاً

يبدو من خلال أشعاره ومقالاته وأقاصيصه أن بيرم كان يكتب بلا مبالاة مطلقة وسخرية من جلاديه بلا هوادة، فهو الممزق ما بين وطنين، نصف مصري ونصف تونسي، وكل مكان يحل به بيرم التونسي هو مهجر بالنسبة له، فالكل يتبرأ منه ومن قلمه الحاد ومن قدرته العجيبة على تأسيس صحيفة جديدة بعد فترة وجيزة من إغلاق ما قبلها. بمصر يرفضونه ولم يستعد جنسيته إلا عام 1954، أما في تونس فهو مطرود بعد نفي إليها مرة أولى سنة 1919 ثم مرة ثانية سنة 1932 للعمل بجرائدها، ثم منع نهائياً عن الكتابة.

أما إقامته بلبنان، من 6 إلى 13 أيار 1937، وبسوريا، من 14 أيار إلى نيسان 1937 تقريباً، فتفاصيلها غائبة، وكل ما نعرفه أنه لما منع من الكتابة بتونس طلب من سلطات الاستعمار الفرنسي السماح له بالسفر الى سوريا لإجراء عملية جراحية لعينيه. وهذه الفترة بالشام على قصرها، خلفت ندوباً غائرة على صحة بيرم، حيث استفحل الربو في جسده. كما تفيد بعض المصادر الصحفية، أنه رغم مرضه، راسل بعض الصحف السورية مثل الصاعقة، والأرجح أنه اتصل كذلك بالزجال رمزي نظيم، عن طريق المراسلة ببيروت، وهو من طلب منه التعامل مع جريدة الصاعقة، من ذلك زجل بعنوان "غاندي" وفيه يقول:

"ياللي أظهرت الكرامة/بعد عهد المرسلين

ياللي من لعبك بمغزل/تطلع البورصات وتنزل

فوق دماغ لندن وتعزل/ لانكشر الغزالين".

والمطلع لأزجال بيرم التي كتبها بتونس، يلمح بيسر أنه كان شديد الاطلاع على تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية بتونس، ففي نص بعنوان "شاعر عند المسلمين" يردد مرارة المقام بين أناس يجهلونه وينكرون فضله:

"راني نادي وانت هارب/ طمن قلبك مانيش طالب

هكة الصنعة الله غالب/ شاعر عند المسلمين".

ويعقب معرفاً بنفسه بأنه رجل علم حاصل على عدة شهادات جامعية، في ملزومته الشهيرة المنشورة بجريدة السرور يوم 13 آب 1936، وبها تتكرر لازمة "يا سلاك الواحلين":

"شاعر قاري في الزيتونة/ وشهايدي تكفي طابونة

تقرأ قصايدي سخونة/ وتشطش كيف الطاجين".

كما تكشف بعض أجزاله الأخرى عن قساوة عيشه وعن بؤس البيئة الشعبية الذي يقضي فيه سائر أيامه، من دون أن ننسى أنه اضطر أحياناً لصنع الحلوى وبيعها بنفسه في أسواق المدينة العتيقة، بعد أن كان يعد أمهر قلم ينشط في الصحافة اليومية التونسية، فهو يفضل لقمة العز بيديه على أن يشتغل بما لا يرتضيه ضميره، أو مؤتمراً بآراء بعض مالكي الصحف، ويقول مصوراً تفاصيل دقيقة من يومياته:

"زيت واسميد مشومها وقفة وقفة/ بين أعدا وأحباب بالقفة

الراجل راهو يتوفى/ ايذا يطلع م الحشامين

يا سلاك الواحلين مشومها/ الجوع علينا محتمها

المعدة يزّيها صيامها/وزيد يوجعها لعجين

ياسلاك الواحلين".

أما في ملزومة "يا محبوبة" الصادرة في الزمان عدد يوم 23 كانون ثاني 1933، فيظهر التجاءه لاستهلاك الحشيش والتكروي حتى يخفف من آلامه وحرمانه:

ياللّي خرجتي لحفتك منقوبة/ والركبتين ظاهرين

سخفتيني

بمشيتك يا بنت جنسي وديني/ في نهج قسطنطين...

والتكروري

خلاّ ابن عمك والحشيش والبوري/ في أسفل السافلين".

كما أن بيرم كان يدلي بدلوه في الأحداث السياسية الجارية بتونس وقتها، مثلها مثلما يجري في مصر، خاصة حول مأزق المشاركة الشعبية في كتابة الدساتير، ويقول في زجلية له نشرت بصحيفة السردوك يوم 7 نيسان 1937:

"راجل ومالوش دستور/ بهيم ولابس حوايج

لو كان معلق كومندور/ أو كان مرابط وحاجج".

"يا مصري... ليه انت كئيب؟"

وفي الواقع، إن بيرم لا فرق عنده بين تونس ومصر، فهو غير مسؤول عن إنكار أهله لنسبه، ويبدو متقبلاً طواعية لهذا التخلي القاسي، ومأساته تعود لهجرة جده من ناحية الأب، مصطفى بيرم، إلى الإسكندرية وهو في حالة غضب، لأن أسرته بتونس حرمته من النسب والميراث. ومرد ذلك أن جده ينحدر من نسل جارية منحها السلطان التركي لأسرة تونسية كانت تعد من الأعيان والوجهاء، ولها صلة بحكم بايات تونس.

وانطلاقاً من هذه المأساة الأسرية، تبدو مسيرة محمود بيرم مليئة بالخيبات والتعثر، فيحاول أن يقيم معادلة إبداعية فريدة، كأن يتجاوز ماضيه وحاضره البائس بامتهان الكتابة والتعمق في السخرية. ونجده في نص زجلي مصري ضاحك غير آبه بنصيحة صديقه الحميم سيد درويش، بالابتعاد عن الزجل كفن جالب للشقاء، يقول متغاضياً عن الحزن بالفرح، مصوراً عمق الدراما في تجاويف شعبه:

"يا مصري ليه ترخي دراعك والكون ساعك

ونيل جميل حلو بتاعك يشفي اللهاليب

خلق الهك مقدونيا على سردينيا

والكل زايطين في الدنيا ليه انت كئيب".

هذه جوانب من المهاجر التي عصفت بحياة بيرم التونسي في العالم العربي مشرقاً ومغرباً، أما فيما يتعلق بهجرته القسرية إلى الضفة الشمالية لبحر المتوسط، فإن فرنسا تعد المنفى الكبير له، 13 سنة قضاها بين مرسيليا وليون وباريس، وباعتباره كاتب "مشاغب وباعث ثورات"، فكرت الإقامة العامة الفرنسية بإبعاد بيرم إلى بعض مدن غرب إفريقيا. وكانت سلطات الاستعمار الفرنسي والإنجليزي تتناوب على ترحليه بأقسى درجات التشفي في سفن المهاجرين العابرين للقارات، من ذلك باخرة "شيلي" التي كانت تنقل العائلات السورية الفقيرة إلى أمريكا اللاتينية، وقد تمكن في عديد المرات من التسلل إلى ميناء بورسعيد لينعم بلقاء أسرته وأطفاله.

من كثرة سفراته التهجيرية يخاله المتتبع ساكنا للبحر، مقيماً على ظهر البواخر أو متشرداً بين الشوارع والمساكن الضيقة المشبعة بالرطوبة

ومن كثرة سفراته التهجيرية يخاله المتتبع ساكنا للبحر، مقيماً على ظهر البواخر أو متشرداً بين الشوارع والمساكن الضيقة المشبعة بالرطوبة. وكان خلال تنقله بين مرسيليا، غرونبل، ليون والعاصمة باريس، يشتغل في مصانع الحديد أو مختبرات كيميائية أو حمالاً بالميناء، كما عمل بمكتبة هاشات بباريس، زيادة على التزامه بإرسال مواد صحفية لعدة صحف كانت تنشر بالعالم العربي في ذلك الوقت.

ونعثر على تفاصيل كثيرة من هذه الرحلة الشاقة إلى فرنسا في مذكراته المقسمة لثلاث مجموعات، ونشر منها محمود بيرم مجموعتين بتونس في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم نشرت المجموعة الثالثة في مطلع الستينيات بمصر، كما يؤكد ذلك الناقد والجامعي التونسي فوزي الزمرلي، وهو من المتخصصين في دراسة أدب بيرم التونسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard