حيّ على الصلاة... في بيوتنا

السبت 25 أبريل 202010:32 ص

من عزلتي في فرنسا، أراقب التطورات في العالم، عبر الإنترنت والقنوات الإعلامية كما نفعل كلنا، على الأقل الذين يمتلكون الحظ والفرصة للبقاء في البيت بدون كثير من الهموم الإضافية. فخلافاً لكثير من الكلام حول "التسوية الكبيرة التي يفرضها الفيروس على الناس"، حيث جعلتنا العزلة نعيش أوضاعاً متماثلة، فقراء وأغنياء على حدّ سواء، فقد بدأ الحجز الصحي يظهر الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الناس بشكل صارخ.

 في فرنسا، نرى الشرطة تعاقب المتشرّدين في الشوارع على عدم التزام البيوت وهم لا بيوت لهم أصلاً، كما زادت القضايا التي تخصّ العنف ضد المرأة والأطفال بـمعدل 90% ، منذ بداية الحجر الصحي، كما بيّنت الأزمة الحاجات الكبيرة في الكادر الطبي والنقص في المستلزمات الصحية في المستشفيات، وكان تلك الحاجات وتلبيتها واحدة من المطالب الكثيرة التي ظهرت خلال الإضراب العام الذي عرقل فرنسا لأكثر من شهرين، قبل حدوث الوباء.

فلنفعل كما صدح الآذان من بعض المساجد... لنصلّ في بيوتنا

بالتوازي، تملأ العالم الرقمي النكت الكثيرة في الغرب، ومن بينها نكتة "فيروس كورونا المسلم" الذي أجبر الغرب على الإسلام بغتة: كيف لا، وقد وصرنا نريد تغطية وجوهنا (نتنقّب) ونرفض المصافحة بالأيدي، نقضي سهراتنا في البيت مع العائلة بدلاً من الذهاب إلى النوادي الليلية والحانات، نعتني بالجيران والفقراء والجد والجدة، ونفكر بالآخرة أكثر من المعتاد، وقد بدأ البعض بالصلاة فعلاً!

وبالعودة إلى جدية الوضع، تلك الأخلاقيات مشتركة بين كل الأديان، والمقاربة بين الإسلام والوباء تشكّل مشكلة مبدئياً، وإنما وضع الوباءُ الأديانَ تحت ضوء جديد فعلاً في كل أنحاء العالم. روّجت الشبكات الاجتماعية لحالات كثيرة، من العوالم اليهودية والمسيحية والإسلامية وغيرها من الأديان، حالات تشهّر ببعض رجال الدين الذين يرفضون الانصياع للحجر الصحي، بحجج دينية تزدري كل معيار عقلي. على سبيل المثال نجد الراعي الأمريكي كينيث كوبلاند، الذي أراد شفاء الناس من الفيروس ووقايتهم عبر التلفزيون، بدلاً من تشجيعهم على التباعد الاجتماعي، أو وزير الصحة الإسرائيلي، وهو من مجموعة دينية متديّنة يراها الكثيرون متطرفة "الحريديم"، من اعتبر الوباء عقاباً إلهياً وأخّر تنفيذ الحجر الصحي، وانتهى الأمر به مصاباً بالفيروس، أو الأئمة الباكستانيون الذين تركوا المساجد مفتوحة لصلاة الجمعة، وكذلك القس اليوناني الذي رفض الإجراءات الصحية البسيطة، وقام باستخدام نفس الملعقة للقربان المقدس، الملعقة التي استخدمها مئات المصلين يوم الأحد.

رجال دين يرفضون الانصياع للحجر الصحي، بحجج دينية تزدري كل معيار عقلي، وآخرون يلتزمون بأنظمة حكوماتهم ونصائح العزل...  هل يدل ذلك الفرق بين تصرّفين؟ على فرق بين "إيمان أعمى" و"إيمان معقول"؟

تلك التصرفات جذبت انتقادات واسعة، وقد شاهدنا، على عكس هؤلاء، الكثير من رجال الدين الآخرين الذين قرروا الالتزام بأنظمة حكوماتهم، والتي أعلنت مبكراً تطبيق النصائح الصحية المحددة من قبل الحكومات والأطباء، وألزموا مؤسساتهم الدينية على تطبيق تلك القواعد. هكذا فعلت جامعة الأزهر في مصر، وأيضاً الحكومة السعودية التي أغلقت مكة المكرمة لزوار العمرة. في الغرب، تم الاحتفال بعيد الفصح في الفاتيكان، ورأينا البابا فرانسيس أمام عدد قليل جداً من مساعديه في بازيليك القديس بطرس، يبثّ القداس مباشرة عبر شبكة اليوتيوب، بدون مصلّين.

هل يدل ذلك الفرق بين تصرّفين؟ على فرق بين "إيمان أعمى" و"إيمان معقول"؟

إلى حدٍّ ما، قد يدلّ ذلك على الفرق بين تصرّف ديني متطرف بالفعل، وتصرّف ديني معادل موزون، وذلك لا يطابق إطلاقاً الفرق بين آراء دينية تقليدية وآراء دينية إصلاحية أو معاصرة أو ليبرالية، فيعود ذلك إلى المقاربة اللاهوتية والتعاطي مع التفاسير والنصوص الدينية، أما التصرّف المتطرّف والتصرّف المعادل فيعودان إلى الحسّ الإنساني والعلاقات الاجتماعية، بدليل أننا نجد في فرنسا ذلك الفرق في التصرّفات بدرجات مغايرة، بين ناس ملحدين أو ناس لادينيين، ومع ذلك فهم أيضاً قد يتوافقون مع أفكار غير عقلانية إزاء الأزمة الراهنة. فمع ظهور الفيروس زادت الاعتقاد بالـ"نظرية المؤامرة" التي تؤدّي إلى انعدام الثقة في الجميع، وتضخّم الريبة إزاء المؤسسات الصحية الرسمية والحكومات إلى درجة كبيرة، ريبة أكبر من الانتقادات الحيوية والعادية التي تواجه الحكومات الأوروبية عادة، فتلك الريبة قد تفصل هؤلاء الأشخاص عن المجتمع كلياً.

ما هي المعايير التي تساعدنا في التعرف على الأفكار المتطرّفة التي قد تكون خطيرة بالنسبة لمعتنقها ولمن حوله؟ الكثير من الأبحاث قد عملت على الموضوع، في مجال دراسات علوم المجتمع وعلوم الإنسان والسيكولوجيا، وحتى في علوم الدين، صارت هذه المعايير معروفة إلى حدٍ ما وأهمها: نظام تعليمي يشجّع على عدم الاستقرار العقلي والسيكولوجي، مطالبات بمبالغ باهظة من المال من قبل المؤسسة، الانفصال عن البيئة الأصلية أو العائلة بشكل تدريجي أو مفاجئ، قائد يحكم مجموعة بشكل استبدادي، النقاش والجدل غير مسموحين ضمن المجموعة أو المؤسسة، الاعتماد على رؤية العالم بثنائية قطعية على نمط "نحن ضدّ الكل" أو "الكل عدوّنا"، تجنيد الأطفال، إلخ... الإشكالية الكبيرة الموجودة في هذا الأمر هي كون أكثر الأديان والمعتقدات غير الدينية قد تتضمّن واحداً أو أكثر من هذه المعايير، وقد نجد تيارات متعصّبة وخطيرة فعلياً ضمن الأديان "العادية" نفسها، وبعض الأيديولوجيات، لكن يبدو أن الفيروس أداة مفيدة تساعدنا على التفريق بين العقلانية في الدين والتعصّب، عقلانية الدين التي نجدها في حكم وأمثال كثيرة مثل: "ساعد نفسك فتساعدك السماء"، أو الحديث النبوي: "اعقلها وتوكّل".

خلال هذه الأزمنة المتزعزعة والتدهور السياسي والصحي، حيث نفتقر إلى أي شعور بالاطمئنان إزاء وباء يصعق العالم، متزامناً مع الأعياد الدينية الكبرى، نبحث عن معنى لذلك التزامن الغريب، كما نبحث عن تفسير لهذه الزلزلة الجديدة المعولمة، ويبحث الكثيرون في ذلك عبر أنظمة فكرية تحاكي المواضيع المحورية، مثل الموت، موقع الإنسان في الطبيعة ونتائج أنماط حياتنا، والأديان التقليدية أو الروحانيات الجديدة تحاول سدّ هذه الحاجة، أن تبحث عن معنى روحاني هو اندفاع آدمي طبيعي، لكن لنفعل ذلك بدون الوقوع في فخاخ روحانية.

خلال هذه الأزمنة المتزعزعة والتدهور السياسي والصحي، نفتقر إلى أي شعور بالاطمئنان إزاء وباء يصعق العالم، متزامناً مع الأعياد الدينية الكبرى، ونبحث عن معنى لذلك التزامن الغريب، كما نبحث عن تفسير لهذه الزلزلة الجديدة المعولمة... لنفعل ذلك بدون الوقوع في فخاخ روحانية 

من المهم أن نراقب الحدود غير الواضحة في عوالم الاعتقاد، حيث كل عقيدة أو إيمان يتضمنان دائماً مقداراً ما من الحيرة (ألم يكتب الكثير من المفكّرين عن هذه الحيرة، مثل القديس أوغسطينوس والإمام الغزالي؟) بينما التعصّب لا يقبل إلا معتقداً تبسيطياً مطلقاً.

قد لا يكون الحجر الصحي والعزلة الاجتماعية مثاليين، وهما موضوع نقاش واسع في الغرب حول فعاليتهما الحقيقية، وإنما في الوقت الراهن هو أكثر حلّ استطاعت الحكومات إيجاده لتخفيف انتشار الفيروس، بانتظار ابتكار حل آخر أفضل، فلنفعل كما صدح الآذان من بعض المساجد: لنصلّ في بيوتنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard