هل تصلّون وراء امرأة؟

السبت 29 فبراير 202012:09 م

في العالم الغربي، نجد ظاهرة تكاثر الكلام حولها في المجال الديني، ظاهرة تثير الجدل وتخصّ الإسلام والمرأة، وإنما على عكس العادة، لا تتعلّق هذه الظاهرة بموضوع قمع المرأة بل رفع دورها في الطقوس الدينية، أي إمامة المرأة. من النساء المشهورات اللواتي يقمن بدور الإمام واللواتي قد يخطبن خطاب الجمعة أيضاً: البروفيسورة الأميركية أمينة ودود، التي أمّت صلاة الجمعة في نيويورك عام 2005، وشيرين خانكان في كوبينهاغن، التي أقامت مسجداً خاصاً بالنساء، اسمه مسجد مريم، ومشروعها سيكون موضوع فيلم وثائقي قريباً، وكذلك افتتح أخيراً مصلى في باريس وهو مفتوح للجنسين، تديره سيدتان وهما مسؤولتان عن الإمامة والخطبة. في الحقيقة تزداد هذه النوعية من المشاريع، مع أن المهتمين بها يتجنبون عادة أي حملة إعلامية لأسباب أمنية.

يرى البعض في ذلك تطوّراً إيجابياً في السياق المزدوج لتقوية دور النساء في مجالات لم يكنّ فاعلات فيها تقليدياً، ولتطور إصلاحي في الأديان الكبرى بشكل خاص، وهي المعروفة بأبويتها ثقافياً وطقوسياً، مهما اختلف الوضع في روحانيتها وعقيدتها الأساسية.

في العالمين المسيحي واليهودي نجد نفس التطورات والمطالبات الإصلاحية، خاصة في العالم الغربي، لكن هذه المسألة ليس اختراعاً غربياً بحتاً كما يتصوّر نقاد تلك الحركات الدينية: على سبيل المثال رفض البابا مؤخّراً تلبية طلب قدّمه رجال الدين في منطقة الأمازون في جنوب أمريكا، الذين كانوا يطلبون السماح بترسيم القساوسة للرجال المتزوجين والنساء سواء، لكي يواجه المسيحيون الكاثوليك هناك الافتقار الحالي إلى القساوسة، حيث حسب القانون الكاثوليكي اليوم، يقتصر القساوسة على الرجال العزّاب. من ناحية أخرى، فيما يتعلق بالإسلام، نجد في منطقة "هينان" في الصين، أن الإمامات هنّ جزء من الحياة الدينية ولا يلفتن الأنظار، فإمامة المرأة في مساجد النساء أمر معروف عندهم منذ قرنين على الأقل.

تشير أقدمية النقاش حول إجازة أو منع إمامة المرأة إلى عمل تفسيري حيوي، ويشير ذلك إلى البحث عن الملاءمة الدينية اليوم، والبحث عن الإجابات لحاجات العباد في المجتمعات المختلفة

أما في الغرب وفي الشرق الأوسط، فالمسلمون معتادون على ترك زمام الأمور الدينية للرجال. أن تؤمّ امرأة مجموعة من النساء في بيت أو مصلى أمرٌ مقبول من قبل الكثيرين، أمّا أن تؤم امرأة مجموعة من رجال ونساء في مسجد، فذلك أمر آخر، مع أنه إذا تعمقنا في الموضوع فسنكتشف أن المسألة غير غائبة عن التاريخ الإسلامي على الإطلاق، رغم ندرتها.

إن النص القرآني لا يعطي أي تفاصيل فيما يخصّ كثيراً من دقائق العبادات والشعائر، والقرآن لا يدلّ على جواز أو منع تلك المسألة الطقوسية، فعلى القرّاء البحث عن تأييد وأدلّة في الأدب الديني الثانوي، مثل أحاديث أهل السنة. وقد يستغرب القارئ، إذ تكشف قراءة الأحاديث آراء مختلفة ومتعدّدة لتلك المسألة، كما هو الحال في كثير من الأمور نعتبرها من المسلّمات اليوم، ومن المثير للاهتمام أن العلماء القديمين لم يجدوا صعوبة في تناول أحاديث تختلف بعضها عن بعض في موضوع ما والشروع بعد ذلك في جدل طويل.

أن تؤمّ امرأة مجموعة من النساء في بيت أو مصلى أمرٌ مقبول من قبل الكثيرين، أمّا أن تؤم امرأة مجموعة من رجال ونساء في مسجد، فذلك أمر آخر، مع أنه إذا تعمقنا في الموضوع فسنكتشف أن المسألة غير غائبة عن التاريخ الإسلامي على الإطلاق، رغم ندرتها

في أمر إمامة المرأة مثلاً، نجد حديثاً عن أم ورقة بنت نوفل، وهي مشهورة بكنيتها، إذ كان الرسول يزورها ويسميها الشهيدة، وكان النبي قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن. بالتالي، اختلف المفسّرون في الأمر:

هل يعني هذا الحديث أنّ النبي سمح لأم ورقة بإمامة أهل بيتها فقط؟ ولكنه ما هو معنى "الدار"؟ ألا يدلّ على معنى أكبر من البيت العائلي، مثل مجموعة من البيوت أو حيّ من المدينة، أفلا نسمّي العالم الإسلامي كله "دار الإسلام"؟ إذا كان يخصّ البيت فقط فلماذا عيّن النبي مؤذّناً مخصصاً لأم ورقة، ولا يدلّ الحديث على أنه من عائلتها، وإلا لصلّى هو مع بقية الدار وراء أم ورقة عندما يحين وقت إقامة الصلاة؟ نجد جدلاً في النصوص القديمة حول الأمر، حيث حصر الكثيرون المعنى في إمامة مجموعة من النساء أو العائلة في الحدّ الأقصى، وفي حال أن هذه المرأة تعرف القرآن معرفة تفوق معرفة رجال البيت. أمّا البعض الآخر، مثل الطبري وابن عربي وحتى ابن تيمية، فاستخرجوا أن إمامة المرأة جائزاً لمجموعة من النساء والرجال يصلّون معاً، مع شروط معيّنة أو بدون شروط، ويكتب ابن رشد عن ذلك الجدل في "بداية المجتهد"، كاشفاً خلافه في الموضوع: "اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال، واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي، ومنع ذلك مالك، وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق".

إنّ ما قد نعتبره اليوم تطوّراً جديداً في إطار عصرنة الأديان أو "تغريبها" هو تطوّر قد بدأ منذ وقت طويل وفي أماكن مختلفة، وبدقة أكثر، بما يخص إجازة أو منع إمامة المرأة، يمكن القول إنّ النصوص تؤيد كل جانب من جوانب الجدل حسب ما يبحث القارئ

فيبدو أنّ ما قد نراه اليوم تطوّراً جديداً في إطار عصرنة الأديان أو "تغريبها" هو تطوّر قد بدأ منذ وقت طويل وفي أماكن مختلفة، وبدقة أكثر، نقول إنّ النصوص تؤيد كل جانب من جوانب الجدل حسب ما يبحث القارئ، وإن كان من الصعوبة بمكان قراءة النصوص القديمة واستخراج آراء مؤلفيها وقت كتابتها بكل ثقة، لهذا يستمرّ الاجتهاد والتفسير في النصوص الدينية، وبالعكس، من الصعب أيضاً أن ننسب آراء معاصرة إلى العلماء القدامى، فقط لأننا نريد أن نرى في نصوصهم ما نبحث عنه اليوم من نصائح وأدلّة، في سياق تأقلُم التقاليد الدينية في عالم جديد، أو أن نقرأ تلك المؤلفات بطريقة معاصرة، فالنصوص تبدو وكأنها توافق فعلاً بعض آرائنا وحاجاتنا الحالية أحياناً، فعلينا أن نعترف بأن نفس النصوص قد تقدّم نصائح تليق بزمان ومكان ماضيَين تماماً، وأننا لا نستطيع الاستعانة بها فقط لحلّ جدلنا في زماننا ومكاننا.

وأخيراً وراء كل الاعتبارات من إجازة أو منع إمامة المرأة، فقد يكون أهمية الأمر في وجود النقاش حول الأمر منذ زمن طويل، وهو نقاش أدّى ولا يزال يؤدّي إلى استنتاجات متغايرة عبر العصور والبلدان. تشير أقدمية النقاش إلى عمل تفسيري حيوي يدوم، ويشير ذلك إلى البحث عن الملاءمة الدينية اليوم، والبحث عن الإجابات لحاجات العباد في المجتمعات المختلفة، كما كان مسلمو المجتمع العربي القديم يبحثون عنه، وذلك منذ البداية في زمان النبي، وكان هو موجود للإجابة عن أسئلتهم، لأن الممارسين للأديان في مجتمعاتنا كما في المجتمعات القديمة، هم في حاجة لدلائل وتفاسير تتعامل مع أوضاعهم الخاصة، والتراث شاهد على تلك العمليات عبر الزمان، كما التراث نفسه قد يكون مستخدَماً اليوم من أجل عملياتنا التفسيرية المعاصرة، وألا يكون ذلك إشارة إيجابية عن حيوية الأفكار إزاء الخطر المبين لتحجُّرها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard