حكايات شبه متخيّلة عن العزلة والمجازفة والتفاهة

الأحد 3 مايو 202006:02 م

حلم عجوز بالطيران

سخر الشاعر الأندلسي مؤمن بن سعيد من عباس بن فرناس، بعد أن شاهد القبة السماوية التي بناها الأخير في منزله، وقال فيه: "سماء عباس الأديب أبي القاسم/ ناهيك حسن رائقها، أما ضراط إسته فراعدها/ فليت شعري ما لمع بارقها، لقد تمنيت حين دومها/ فكري بالبصق في إست خالقها"، بعدها اتُهم ابن فرناس بممارسة السحر والشعوذة، وشهد أثناء المحاكمة الخليفة عبد الرحمن بن هشام، أمام قاضي قرطبة ليثبت براءة ابن فرناس من هذه الاتهامات، علماً أن الأخير كان من أصحاب الحيل والنيرنجات (الّنِيرنْج: أمر كالسحر)، يريد أسر المشاهد وخطف لبّه.

لا يمكن التنبؤ بحالة ابن فرناس حينها، الأخبار نادرة ومتباينة حوله، لكننا نعلم أن اختراعاته عُرضت أمام الخلفاء ونال إثرها مكافأة نقدية وحقق صيتاً بين الناس، لكن لاحقاً، هناك لحظة أصبح فيها ابن فرناس أشبه بأضحوكة، فالسماء التي صممها في غرفته، لم تكن سوى "ضراط"، حسب من هجاه، وتعرض للسخرية العلنية والمحاكمة بسبب "اختراعاته"، حينها كان ابن فرناس قد تجاوز الستين، شيخ مهزوم، وحيد في قبّته السماوية في المنزل، يُفكر باستعراض من نوع ما يخرج إثره من سمائه المتخيّلة التي تحوي شمساً وأقماراً، سماء داخل منزله يتغير فيها الطقس و تختلف الألوان، لم يقدّرها أحد لم من الدهماء.

ابن فرناس، المخترع والموسيقي، يراهن على آخر استعراض، يريد لحظة علنية يؤدّي فيها لآخر مرة، وفي عزلته، تطابق سماء بيته مع سماء العالم، إن كان بالإمكان استحضار الأولى، فلم لا يمكن ركوب الثانية، راهن ابن فرناس على الاستعراض كنقيض لعزلته، فصمم ثوباً، "وكسا نفسه الريش، ومد له جناحين"، تخلل الثوبَ الحريرُ في بعض الروايات، أشبه بكائن أسطوري مبتذل، أو تنكّر من نوع ما يلائم ما يريده ابن فرناس: الطيران خارج عزلته، وكأنه قال: قد تم ما حملتني من آلةٍ/ أعيا الفلاسفة الجهابذ دوني، لو كان بطليموس أُلهمَ صنعةً/ لم ليثقل بجداول القانون.

اجتمع الناس أمام هضبة أو برج سيقفز عنه ابن فرناس، عجوز ستيني بثياب عليها ريش وحرير وجناحان، يريد أن يركب السماء ذاتها التي شاهدها في داره، يصف المقريّ صاحب "نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب" ما حصل بقوله إن ابن فرناس "احتال في تطيير جثمانه.. وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنباً".

لا نعلم إن طار ابن فرناس، سقط أم حملته الريح كما في حلمه في غرفته، لكن موضوع الجدل هو "احتياله"، المعنى اللغوي هنا متعدد، فاحتال أي حصل على الشيء بالاحتيال، وتعني الكلمة أيضاً المهارة، وأن يأتي أحدهم بالمستحيل، فإن كان المستحيل والمهارة هو ما جعله يطير، ماذا عن سقوطه الذي "لم يحسن الاحتيال" فيه، كأن ابن فرناس تناسى أهمية الذيل عمداً، وإن افترضنا أن "زيّه" مصمم للطيران بشكل ممتاز، ويقلد فيه شكل الطيور التي تشترك جميعها بالذيل، فغيابه لا يبدو منطقياً، خصوصاً أن ابن فرناس هو العالم الخبير، مُخترع "الميقاتة" ضابطة الزمن والتسارع، متأمل السماء وأحوالها، المثير للاهتمام أن بعض الأخبار تقول إنه وضع وسائد و أغطية في مكان سقوطه، هل كان طيران ابن فرناس استعراضاً ضد العزلة، كونه يعلم أن سقوطه قادم لا محال.

هناك غموض في الحكاية يكشفه لنا الهجّاء مؤمن بن سعيد، الذي وصف ساخراً طيران ابن فرناس: "يطم على العنقاء في طيرانها/ إذا ما كسا جثمانه ريش قشعم"، يراه ابن سعيد على التناقض بين العنقاء الأسطوري، الذي وإن سقط/ مات، بُعث حياً، وبين ابن فرناس المتنكر، الذي ظن أنه سيحلّق إن ارتدى الريش.

يرتبط هجاء ابن سعيد أيضاً بهيئة ابن فرناس وشكله ومحاولته "تقليد" الصقر، الذي بعكس ابن فرناس، لا يحتاج وسائد حين يريد الطيران، يسخر ابن سعيد من جدّية ابن فرناس في علاقته مع مخيلته، في ذات الوقت يشير إلى المجازفة، التي قد تنتهي بالموت، فلا "طائر" يبعث بعد سقوطه إلا العنقاء.

اجتمع الناس أمام هضبة أو برج سيقفز عنه ابن فرناس، عجوز ستيني بثياب عليها ريش وحرير وجناحان، يريد أن يركب السماء ذاتها التي شاهدها في داره...فـ"احتال في تطيير جثمانه.. وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في مؤخره، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنباً"

وحيداً، محبوساً، لاعباً...بعيداً عن الجميع

قام فنان الأداء التايواني Tehching Hsieh بحبس نفسه في شقته في نيويورك، بين 11أبريل 1980 حتى 11 أبريل عام 1981، خلالها كان يلتقط صورة لنفسه كل ساعة على مدار الأربع وعشرين ساعة التي يتألف منها النهار، لم يكن ينام أكثر من 59 دقيقة متواصلة، كل حياته وأنشطته محكومة بالـ24 صورة التي من المفترض أن تنتج كل يوم.

لم ير Tehching أحداً خلال هذا العام سوى عدسة الكاميرا التي التقطت تغيّر طول شعره على مدى عام، بعد الانتهاء من "الأداء" وعدّ الصور، كانت ناقصة، لم يتمكن من الانضباط كليّاً بالمهمة الوحيدة التي كان يفترض به إنجازها، النتيجة كانت فيلماً من 6 دقائق، تتالى فيه الصور التي التقطها.

إشكالية فن الأداء أنه لا يمكن ذمّه، هناك دوماً تأويلات فلسفية وعميقة لأي فعل، الأهم أن "الكتابة عن الأداء" تتوازى في أهميتها مع "الأداء" نفسه، و"المنتج" النهائي هو الأداء، الحكايات، الصور وجسدTehching Hsieh الممتد في الزمن.

يغوص فنان الأداء في ذاته "بعمق أو سطحية"، يحاول فهم طبيعة تكوينه المادي والعلاقات التي يخضع لها، محاولاً كشفها وتعرية سطوتها، لكن، دون مواجهة مباشرة مع السلطة أو مسائلة للجمهور لحظة الأداء، ألا يتحوّل الأداء نفسه إلى استمناء من نوع ما، متعة ذاتية شديدة الخصوصية، لا نُشهد أحداً إلا على "آثارها"، هذا الأثر الذي يمكن أن يصنف بأنه تافه، مبتذل، يومي ونتاج ساعات طويلة من الوحدة؟

الحنين إلى "الكثرة"

كان كاليبان ممثلاً، ربما ممثل فاشل فقد "مهنته التي شكلت له معنى حياته"، عمل مع صديقه شارل في تنظيم الحفلات، أثناء ذلك، قرر كاليبان تبديل شخصيته لأجل المرح، غيّر اسمه أمام ضيوف الحفلات وتبني وطناً جديداً، والأهم، ابتدع لغة جديدة لا يفهمها إلا هو.

لا تتلاشى هوية كاليبان وراء الشخص الجديد الذي أصبحه، فنحن أمام شخصين منفصلين، كاليبان أتقن لغته الفريدة وأصبحت مقنعة للمستمعين، قطعها، نظم أصواتها وأنفاسها، مع ذلك، لم تثر هذه اللغة اهتمام أي أحد من الموجودين في الحفلات، وأصبح كاليبان "ممثلاً بلا جمهور".

يظهر كاليبان في "حفلة التفاهة" لميلان كونديرا، هو الذي ابتدع لنفسه نظام تشفير وتاريخاً وهمياً ليؤدّيه أمام الجمهور كمزحة، أو لعبة يمارسها كما كان يفعل من قبل في مسرحيات شكسبير، كسر كاليبان واحداً من الشروط المسرحية وهو الاتفاق على الكذب بين الجمهور والمؤدّي، هو بالنسبة لمن حوله "يؤدّي نفسه"، ربما حاول استعادة لذة اللاجدّية التي يتيحها المسرح، أي أن تقول كل ما تريد تحت شرط اللعب، أمام جمع لن يصدقك كلياً، هي أزمنة من اللاجدّية القصوى، لكن كاليبان، بلغته غير المفهومة، وفي واحدة من حفلات الكوكتيل تغزّل ببرتغالية وقال لها: "أنت جميلة، جميلة جداً!" هل نصدق كاليبان هنا؟ خصوصاً أن لا شعر كتب بلغته هذه، لا روايات، لا بيانات رسميّة ولا تاريخ لهذه اللغة سوى الأصوات التي ابتدعها كاليبان.

أحياناً، وجود الكثرة أو غيابها لا يهدد "جدّية" ما يتم اختراعه: عام 2013، في احتفاء بذكرى نيلسون مانديلا، كان ثامسانكا ناتجي مسؤولاً عن ترجمة كلمات المشاركين إلى لغة الإشارة، لساعات وقف ثامسانكا أمام شخصيات بارزة من أنحاء العالم يحرك يديه بإشارات غير مفهومة لأحد، حتى مختصي لغة الإشارة، يقول ثامسانكا إنه مترجم محترف للغة الإشارة، بعكس ما قاله من رآه على الشاشات، المفارقة أن ثامسانكا لا يجيد كل اللغات التي تحدثت بها الشخصيات التي كانت في الحفل، البعض قال إن ما قام به ثامسانكا ليس ترجمة، ربما هو أداء ساخر من نوع ما في أشد اللحظات جدية، قال ثامسانكا في دفاعه عن نفسه أنه مصاب بانفصام الشخصية ويخضع للعلاج، وأثناء حفل التأبين، قال إنه كان يسمع أصواتاً في رأسه، ورأى ملائكة في الملعب الذي يقام فيه الحفل، ويرفض بشدّة نعته بالعدو أو التهديد.

كاليبان وثامسانكا اخترعا نظام تشفير خاصاً بهما، وكلاهما يطرحان تساؤلات عن "الأنا"، هناك أصوات وعلامات علنية وخفية، لا نعلم مدى جديتها، لكنها مفهومة بالنسبة للاثنين، هناك شخص متخيل تقمص كل واحد منهما، وأصدر صوتاً/علامة احتفاء بالكثرة، بالمشاهدين الغافلين عن الحقيقة، كلاهما يبحثان عن لحظة احتفاء علنية، لا يهم ما بعدها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard