من شراء الأمل إلى الفزع من الشوارع الفارغة... يوميات الحجر المنزلي في برلين

السبت 11 أبريل 202007:35 م

أن تكون لنا رجل راسخة في الأمان والنظام وأخرى في الفوضى والمغامرة والفرص الجديدة، هو التوازن، وهو ما يضفي معنى على حياتنا. ولكن ماذا إن اختلّ هذا التوازن بدخول الفيروس الى حياتنا؟ بغضّ النظر أين كنّا ومن كنّا؛ إن عشنا في خيمة في الصحراء أو في شقة تطل على سنترال بارك في نيويورك، هناك أشياء يمكننا معرفتها، واستعمالها والتنبؤ بها، وهناك أشياء لا يمكننا معرفتها ولا فهمها. وهنا بالذات يكمن هذا الشعور بالعجز الذي نحسّ به الآن.

ربما لذلك نعوض بالتنظيف المبالغ فيه في البيوت، بترتيب الخزائن والأدراج، والقيام بإصلاحات منزلية كنّا قد أجلناها شهورا أو سنوات. هذا الرهاب من فقدان التحكم والسيطرة يدفعنا إلى التعويض بطرق كثيرة عن ضعفنا المطلق أمام هذا الفيروس.

يذكرنا وباء الكورونا بقصتنا، قصة البشر الأصلية، آدم وحواء والفردوس الضائع بسبب الحيّة. يذكرنا بالصراع الأزلي بين الخير والشرّ أو النظام والفوضى. نحن نسكن النظام وتحيط بنا الفوضى بما تمثل من المجهول ممّا لا نعلم ومن القلق. نتأرجح في وجودنا بين هذين النقيضين، النظام والأمان والفوضى والخطر. يسمّى هذا في الفلسفة الطاوية بالـYin، والـYang.

أنا التي أحبّ المدن بامتلائها وضجيجها أحسست بالأدرينالين يسري في جسمي.

نحن كبشر لا نستطيع احتمال اجتياح الفوضى/الفيروس لحياتنا. لا نستطيع احتمال أن تستنزف قدراتنا تماما قبل أن نتعلّم ما علينا تعلّمه لمواجهته. يحبسنا هذا الفيروس في البيوت، يشل حياتنا اليومية ويضعنا وجها لوجه مع قلقنا الوجودي الذي نحاول السيطرة عليه بأي شكل: التنظيف والطبخ والأكل والإصلاحات المنزلية والعودة لهوايات من أزمنة مضت، وفي أحوال أسوأ بالعنف والكحول، والمخدرات والأدوية. نهرب الى وسائل التواصل الإجتماعي حتى نهلع معا، لنحسّ ولو افتراضيا ً بأننا لسنا وحدنا بمواجهة هذا الفيروس الذي يهدد وجودنا.

نظن أننا محميون في البيت/الفردوس من الفوضى/الفيروس. لكن هذا الفيروس اللعين بإمكانه التسلل إلينا تماماً كما تسللت الحيّة الى الجنة، أكثر مكان آمناً في الوجود، كالنقطة السوداء جنب الـYin في رمز الـYinوال Yang. المجهول يظهر فجأة حيث يبدو كل شيء هادئاً.

الفوضى في الخارج دائماً ما تجد منفذاً للتسلل إلى الداخل، لأنه ما من مكان آمن تماماً فعلاً. حتى في أكثر الأماكن أماناً هناك حية، أو فيروس؛ في قبلتي لطفلتي ذات الخمس سنوات، وفي احتضاني لأمّي.

مضى ثلاثون يوماً على عزلة بدأت طوعية اخترتها مع عائلتي لحمايتهم، ولأكون مواطنة صالحة -في برلين-، لحماية غيري. العزلة بدأت طوعية وفرضتها السلطات بعد أسبوع بتدابير متصاعدة.

أستيقظُ قبل السادسة صباحاً بقليل. من العادات المستعادة من الطفولة. أحبّ هذا الوقت المبكر الذي يكون لي وحدي فقط، حيث لا أحد يطلب مني شيئاً؛ وقت حميم جداً.

أقرأ الأخبار في هاتفي قبل أن أعد لنفسي القهوة. أحياناً أبدأ بأخبار العالم، فألمانيا، وبعدها لبنان. أحياناً أخرى أبدأ من لبنان وألمانيا ثم أنتقل إلى العالم. مؤخراً أخذت أتجنب أخبار لبنان، وأكتفي بما أقرأه من "ستاتوسات" وتغريدات أصدقائي على فايسبوك وتويتر. متابعة نشرات الأخبار اللبنانية تثير فيّ القلق على والدي في بيروت. يداي لا تستطيعان أن تمتدّا لتحمياه. أشعر بالعجز. المطارات كلّها مقفلة. والدي السبعيني يذهب للمستشفيات يومياً ليعالج مرضاه.

حوالي الساعة السابعة والنصف أترك سريري. أفتح التلفزيون على أخبار ألمانيا. دائماً ما هناك تغطية عن إيطاليا والمأساة التي تعيشها إثر انتشار الفيروس الرهيب فيها. تمام الثامنة أتلقى الإيميلات من المعلمين وأبدأ بطباعة الدروس والواجبات اليومية لطفليّ.

يذكرنا وباء الكورونا بقصتنا، قصة البشر الأصلية، آدم وحواء والفردوس الضائع بسبب الحيّة. يذكرنا بالصراع الأزلي بين الخير والشرّ أو النظام والفوضى

معظم الصباحات، أتحدّث مع أختي في أبو ظبي. نطمئن بعضنا. تعطيني نصائح تعليمية لتدريس الأولاد في البيت يومياً ودروساً إضافية لهما. كنت سأجنّ كمعظم صديقاتي بدونها. أختي، الحبّ والأمان في كابوس العالم بلا مدرسة، تضفي المعنى على أيام تتشابه في العزلة . تذكرني برؤية النصف الممتلئ من الكوب دائماً. تذكرني بمتعة الأشياء الصغيرة، بالقدرة المهدئة لتلوين "ماندالا" أو لفّ ورق العنب.

أكتب رسائل قصيرة لعدد من الأصدقاء. نتواعد على أن نتكلم باتصال في اليوم نفسه، ولا نفعل ذلك أبداً. قد لا يصدقني أحد، ،لكنني لم أكن مشغولة في حياتي من قبل كانشغالي في فترة الحجر المنزلي.

صديق لي في بيروت يعمل من البيت، أقول له إنني سأتّصل قبل تدريس الأولاد ولا أتصل. أشعر بأنني قادرة على طباعة الرسائل الطويلة جداً، ولكنني غير قادرة على الكلام؛ أنا التي أكون كثيرة الكلام عادة.

صديقتي في برلين تعمل من المنزل أيضاً، ولديها طفلان. يقوم والدهما بتدريسهما فيما تعمل هي من الـHome Office. نتواعد منذ أربعة أيام على الكلام في استراحة قهوتها، ولا نفعل، بل نكتفي برسائل نصية طويلة.

أحياناً أذهب لمحلّ الشتول والأزهار؛ المحلات الوحيدة غير الضرورية للحياة التي ما زالت مفتوحة. أشتري شتولاً وأزرعها في الحديقة كمن يربّي أملاً، كما قال محمود درويش.

التسوّق؛ مغامرة جديدة في زمن الكورونا، تتضمن وقفات طويلة في الصفّ، وزيارة عدة سوبرماركتات لشراء احتياجات الأسرة كلها. أصبح الأمر صعباً يستغرق وقتاً طويلاً والكثير من الإجراءات الوقائية. العائد من السوق كالعائد من الحرب يفرغ تماماً من الطاقة.

المدينة فارغة. شارع من أكثر شوارع برلين ازدحاماً وزهوا بالألوان، ألمان وعرب وأتراك ومتاجر من كلّ الجنسيات أصبح شبه فارغ. أحسست برغبة بالبكاء. لم أخفْ من إصابتي بفيروس كورونا أبداً، لكنني أحسست بالفزع من شارع فارغ.

دخلت السوبرماركت التركي الذي أتسوق منه عادة وهو مكتظّ عادة. بالكاد أستطيع التحرك فيه. خمسة أشخاص على أكثر تقدير في الداخل. خطوط صفراء على الأرض تحدّد أين بإمكاننا الوقوف لضمان ابتعادنا عن الزبون/ة التالي/ة مسافة متر ونصف. ليس مسموحاً الاقتراب من الخضار والفواكه، بل البائع المصري، البشوش عادة، يعطينا ما نريده عن بعد. وجدتُه على غير عادته ودون ابتسامة، لابساً قفازات وكمامة.

وأنا بين الرفوف أبحث عمّا أريده يقترب رجلٌ ليبحث بين البهارات، وحين يكتشف أنني بقربه يقفز متراجعاً مذعوراً. الذعر من التواجد بقرب شخص ما أصبح واضحاً بسبب التحذيرات المتتابعة في الإعلام من خطر عدم ترك مسافة متر ونصف كحدّ أدنى. لا أعرف صراحة إن كان هذا سيستمرّ بعد انحسار الوباء كما يتنبأ بعض أصدقائي، مبشرين بتباعد اجتماعي دائم واختفاء عادة السّلام باليد إلى غير رجعة، أم يختفي.

العالم أكثر صمتاً. المدينة هادئة هدوئاً متوجساً. أنا التي أحبّ المدن بامتلائها وضجيجها أحسست بالأدرينالين يسري في جسمي. أين أصوات هذا العالم؟ نغوص في عالم من الصمت منذ بدء التباعد الاجتماعي.

شارع من أكثر شوارع برلين ازدحاماً وزهوا بالألوان، ألمان وعرب وأتراك ومتاجر من كلّ الجنسيات أصبح شبه فارغ. أحسست برغبة بالبكاء. لم أخفْ من إصابتي بفيروس كورونا أبداً، لكنني أحسست بالفزع من شارع فارغ

لا أوهام عندي بأن قصتنا مع الفيروس قد ابتدأت للتوّ، وأن التباعد الاجتماعي سيفرض علينا لبضعة شهور على أقلّ تقدير. هذا قبل مجىء الموجة الثانية من الوباء كما يؤكّد العلماء، لكنني أحبذ أن أعتقد بأنّ كلّ هذه الفوضى ستنتهي مع مجيء الدفء في شهر حزيران. طبعاً فقاعة الأحلام هذه انفجرت بتأكيد معظم العلماء بأن هذا الفيروس لا يتأثر بالمواسم والحرارة.

رغم ذلك أؤكد لأختي بأننا سنجتمع في الصيف، وأن الطائرات ستواصل رحلاتها وأننا سنحضن بعضنا بالرغم من قواعد التباعد الاجتماعي والجسدي الذي نعيشه الآن.

الساعة الثانية بعد الظهر، أكون قد انتهيت من تدريس الولدين، والطبخ، وتغدينا. أشعر أن نهاري قد انتهى من التعب، لكن لائحة الأعمال تطول. أحياناً أدفع نفسي لإنجازها كلّها وبعض الأيام لا أجد الطاقة والقدرة على الإنجاز. أجلس في سريري. أقرأ الكتاب نفسه منذ شهر ولا أستطيع إنهاءه.

بعض الأيام أمارس اليوغا في صفوف "أونلاين" على تطبيق zoom، من مدرسة اليوغا التي أذهب إليها منذ 12 عاماً. تريحني رؤية وجوه معلمات ومعلمي اليوغا المألوفة. ساعة كاملة لي أقفل فيها الباب على نفسي في غرفتي، أو هكذا أتأمل! الطفلان يحاولان دخول الغرفة، والتلصص عليّ. يتكلمان معي من وراء الباب ويدخلان من باب الشرفة يريدان ممارسة اليوغا معي. اكتشفتُ سريعاً أن جلسات التأمل مع تمارين التنفس لعشر دقائق في اليوم أكثر واقعية لأمّ مثلي. ابنتي تستمع لجلسة التأمل معي بهدوء على Calm، وبعدها تعلن: "أريد أن أستمع للصمت الآن".

أفكر بأن هذا الفيروس قد أجبرنا على العودة إلى البيت وإلى الذات. مع كلّ هذا الوقت الفائض فجأة، نجد أن أولوياتنا قد تحدّدت من تلقاء نفسها بدون Life Coach، وأكوام كتب تحسين الذات التي تعلمنا كيفية تنظيم الوقت وتحديد الأولويات. لدي وقت كثير وطاقة قليلة. من الناس في دائرتي الاجتماعية الأقرب، أتكلم بالفيديو مع قلّة فقط. أكتب رسائل نصية أكثر لأطمئن فيها على الأحبة، والبقية تغرق في تلك البركة التي أسميها الآخرين. كلّ البشرية في مواجهة فيروس الكورونا، تكفي معرفة أحوالهم من خلال منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

أثناء كل هذا لا يمكنني ألا أفكّر بالنساء والأطفال والفقراء الذين يعانون أكثر من غيرهم، والعنف الأسري المتزايد، وبأنه في الأوبئة، كما في الحروب، الأثمان الكبرى تدفعها النساء.أشاهد نشرات الأخبار يومياً على التلفزيون الألماني. الساعة الثامنة مساء. طقس واظبنا عليه أنا وزوجي وأمي التي لا تعرف الألمانية. أشاهد الأخبار الألمانية لأوّل مرة، وقد توقفت عن مشاهدة الأخبار من لبنان نهائياً. كأن الحجر المنزلي أجبرني على الانفتاح على محيطي الألماني الذي أعيش فيه. كمعظم المهاجرين الذين يتركون أوطانهم، لطالما كنت متعلقة بأخبار بلدي الأمّ، ولديّ أكثر من تطبيق على هاتفي من أجل ذلك، إلا أنني ألغيتها جميعاً منذ اجتياح كورونا لحياتنا، واستبدلتُها بأخرى ألمانية. من المبكر تحليل معاني هذا التغيير وتداعياته، لكنه بالتأكيد هناك شيء ما تغيّر في داخلي وفي دواخل كلّ مَن على هذا الكوكب.

يقول أصدقاء كُثر أنها نهاية العالم كما نعرفه، وأن حقبة ما بعد كورونا ستشهد تغيّراً في النظام العالمي. يعلن بعضهم انتهاء الرأسمالية كنظام اقتصادي عالمي ويتوقعون نشوء نظام عالمي جديد أكثر عدالة. فيما يتوقع بعضهم سقوط الولايات المتحدة كالقوّة الأولى في العالم وهيمنة الصين مكانها، وتفكّك الاتحاد الأوروبي، إلخ. كثيرة هي التوقعات، كما أنها كثيرةٌ الأوبئة التي مرّت على البشرية في تاريخها، والتي أحدثت تغيرات كبيرة وعميقة. ولكن هل تلك غيرتْ وجه العالم؟ يتحفظ الكثير من المؤرخين في ادّعاء ذلك.

هذه الفترة أراها فترةً للتأمّل والانتظار والصبر حتى يمرّ هذا الوباء. من المبكر جدّاً الخروج بخلاصات عن شكل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في عالم ما بعد كورونا، فنحن ما زلنا في البداية، كما يؤكد علماء الفيروسات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard