عن إنسان الحَجْر الصحي... هل سنأكل بعضنا؟

الجمعة 3 أبريل 202001:25 م

يلزم غالبية سكان العالم الآن بيوتهم فيما يسمى بالحَجْر الصحي، وليس الحَجْر الصحي بغريب على البشرية، فهو تقليد قديم عرفته كل الشعوب تقريباً، نتيجة انتشار الأوبئة في كل الأزمنة، فتعمد السُلَط إلى بناء ملاجئ للوافدين على أراضيها، يقيمون فيها وقتاً محدوداً، وعادة ما يضبط بأربعين يوماً، كي يتأكدوا من خلوّ الزائرين من أي وباء، ويطلق على هذه الملاجئ اسم "الكارنتينة" نسبة إلى الكلمة الإيطالية "quarantaine" وهي مازالت موجودة بأسمائها في لبنان ومصر ودول أخرى كثيرة بجانب الموانئ، حيث ترسي السفن بالمسافرين، غير أن المشكل اليوم هو أن هذا الحَجْر الصحي كان شاملاً للبشرية برمتها من ناحية، ومن ناحية أخرى لا أفق نجاة واضح له، ولا تدري البشرية جمعاء متى ينتهي ومتى تخرج هذه الحشود من البشر من مخابئها، والخوف، كل الخوف، أن تطول المدة ويحدث التحول.

من تطور الفيروس إلى توحّش الإنسان

يتحدث الإعلاميون والعلماء عن خطورة تحول فيروس كورونا وتطوره ومروره للجيل الثاني وصعوبة التحكم فيه، ولكنهم لم يفكروا في ذلك الكائن الأشد تعقيداً في الكون المسمى "إنساناً" والذي حُشر في الحَجْر الصحي، كأنهم يعتقدون أنه سيلبث طويلاً، ليعطيهم الوقت الكافي لكي يبحثوا عن لقاح للفيروس دون أن يحدث أي شغب.

تأتي هذه الطمأنينة من تعريفات مضللة للإنسان باعتباره حيواناً عاقلاً، وكأن العقل سيمنعه من التمرد، مع أن تاريخ البشر يؤكد أن ذلك العقل نفسه هو سبب كل الخراب الذي نعيشه، حتى أن البعض يتحدث عن الفيروس باعتباره من إنتاجه.

إن هذا الكائن العاقل هو نفسه الذي دبر، وهو في حالة من الرفاهية والحياة الرائقة، حيث كان يستمتع بالرسم وسماع الموسيقى ومشاهدة السينما والمسرح والتلفزيون، جميع الحروب والكوارث المصطنعة التي عرفتها البشرية، فهو الذي لجأ إلى استعمال القنبلة الذرية على السكان العزّل في هيروشيما 1945، وهو الذي تسبب في انفجار تشيرنوبيل النووي في أوكرانيا 1986، وهو من أطلق الغازات السامة المميتة منذ الحرب العالمية الأولى، وهو من يرمي البراميل المتفجرة اليوم، وهو الذي ابتكر أفظع فنون التعذيب. فكر الإنسان في كل ذلك الشر وهو مطمئن في بيته وبطنه مليئة بما طاب له من أكل، فما الذي سيفعله إن استمر سجنه في بيته؟ ما الذي سيفعله إن جاع؟

متى سيحدث ذلك؟

يتحول الإنسان ويرتد إلى البدائية المتوحشة عندما تضعف الدولة، وتضعف الدولة عندما تكف عن تلبية الحاجيات الأساسية لشعبها، الشعب الذي سجنته وطلبت منه أن يظل في بيته ووعدته بأن تلبي حاجياته.

فالتعاقد بين الفرد ومؤسسة الدولة قائم على التنازل مقابل الحماية، تنازل الفرد عن استعمال قوته لصالح الدولة في مقابل أن توفر له هذه الدولة بسلطاتها ما يحتاجه، لكيلا يخرج للبحث عنها بقوته الشخصية. وهكذا يقع تحويل العنف من حالة التفتت إلى حالة الوحدة، ومن حالة اللاشرعية إلى حالة الشرعية عند الدولة.

تكشف حالة ضعف الدولة مقابل أجهزة أخرى، كالمافيا، في الكثير من الدول في أوروبا وأمريكا الجنوبية، عن واقع الانفلات الأمني، فتنتشر الجريمة وتنشط الاغتيالات وتجارة الممنوعات. حدث ذلك في إيطاليا في وقت من الأوقات، وفي كولومبيا حدث ذلك والدولة مازالت قائمة بل تبدو قوية، لأن الدولة تضعف عندما تفقد صوابها وتجنح إلى استعمال العنف أيضاً.

وفي ظل هذا الوباء، بدأت بعض الدول تتحول قبل شعوبها، لأنها تعلم جيداً أنها ستسقط بنفاذ صبر أولئك البشر المحبوسين، وامتداد أيديهم إلى الأبواب التي أغلقوها بإرادتهم، في ظل تعاقد أخير مع الدولة. لذلك بدا سلوك بعض الساسة كسلوك قطاع الطرق والقراصنة، ولعل حالة ترامب ولهجة خطابه مثال، ولكن ما تبشر به الحكومات العربية هو الأفظع.

يخشى المفكرون اليوم من ارتداد الإنسان إلى الوحشية كما سبق وارتد مرات قبل ذلك، لأنه مجبول على ممارسة العنف. يقول غاندي في رسالة وجهها إلى آينشتاين: "منذ اللحظة التي دخل فيها السلاح عالم الإنسان، بدأ التفوق الفكري تقريبا يحل محل القوة العضلية البهيمية، لكن غاية القتال النهائية بقيت هي ذاتها: أن يجبر هذا الطرف أو ذاك على التخلي عن دعواه أو اعتراضه، وذلك بإيقاع الضرر به وتحطيم قوته".

أما إريك فروم، فيذكرنا أن الإنسان مجموعة من الغرائز هي التي تدفعه لارتكاب العنف إن كان ذلك دفاعاً عن النفس، أو عنف لإكمال جريمة أو عنف للاستمتاع. ويبدو أن النوعين الأخيرين استطاع الإنسان التعايش معهما ضمن اليومي ومحاولة مكافحته بالسُلَط المختلفة، وتمثل الشرطة والقضاء أهم وسائل مكافحته، أما الصنف الأول، وهو عنف الدفاع عن النفس، فهو عنف مفهوم في شكله النادر المتعلق بالجريمة الفردية، غير أنه يتحول إلى عنف خطير عندما يتحول إلى عنف جماعي تمارسه الحشود، فالدولة غير قادرة على كبحه لأن دوافعه تعطيه طابعاً وحشياً استنزافياً.

والجوع الذي يتهدد هذه الحشود المحجوزة، يمكن أن يستنفر هذه الغريزة التي يمكن أن تحطم الدولة وتقضي عليها.

الجوع الذي يتهدد هذه الحشود المحجوزة، هل يمكن أن يحطّم الدولة ويقضي عليها؟

ماذا سيحدث بالضبط؟

لا أحد يعرف ماذا سيحدث لكننا نعرف ما حدث.

يخبرنا بعض الرحالة والمؤرخين، ومنهم عبد اللطيف البغدادي، في رحلته إلى أرض مصر، ضمن كتابه "الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر"، عن الإنسان كيف يتحول عندما يجوع. فالمصري عندما انحسرت مياه النيل وعمّ الجفاف، وبعد أن استنفذ القطط والكلاب والحيوانات والطيور المتاحة من الشوارع، أخذ يصطاد بني جنسه لإسكات جوعه، لكن هذا السلوك تحول إلى تمتع بأكل لحم البشر.

فيذكر: "أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والأرواث، ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم، فكثيراً ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون، فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل".

وبعد أن يستعرض مشاهد كثيرة متعلقة بأكل لحم البشر في مصر يكتب: "ولو أخذنا نقصُّ كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التُّهمة أو الهذر، وجميع ما حكيناه مما شاهدناه، ولم نتقصده ولا تتبعنا مظانه، وإنما هو شيء صادفناه اتفاقاً، بل كثيراً ما كنتُ أفرّ من رؤيته لبشاعة منظره".

وهذا ما يذكره أيضاً القزويني، وكان المفكر التونسي، سليم دولة، أهم من استفاض في تحليل ذلك في دراسة مطولة بعنوان "المهول في أخبار الإنسان الآكل والإنسان المأكول"، كتابه ضمن كتابه "الجراحات والمدارات".

إن استطابة الإنسان لأكل لحم البشر، وتحويل ذلك السلوك من السلوك العرضي القسري إلى السلوك المتعوي، هو إعلان عن أن الإنسانية متحفزة طوال الوقت لكي تنتكس وترتد، وأن البشري في شوق دائم إلى تمكين ذلك اللاإنساني فيه من تحقيق البشري، هذا البشري الذي نراه نحن اليوم بقيمنا الحديثة لا بشرياً.

هل البشرية متحفزة  لكي تنتكس وترتد إلى استطابة الإنسان لأكل لحم البشر؟ 

يرجعنا هذا السلوك إلى سطوة الغرائز المكبوتة للبشر، التي يكشف عنها الكتاب والفلاسفة في لحظات فارقة أو في بحوث بعينها، واستغل جان بول سارتر الحديث عن جان جينيه ليكتب في "القديس جينيه، الممثل والشهيد": "إن تجربة الشر، هي كوجيتو باذخ، يظهر للشعور تفرده إزاء الكينونة. أرغب في أن أكون مسخاً، إعصاراً، كل ما هو إنساني غريب عني، كما أرغب في أن أكون انتهاك جميع القوانين التي أقامها البشر، وسحق كل القيم تحت قدمي، ليس بمقدور أي كائن تحديدي أو وضع حد لي، ومع ذلك، أنا موجود، سأكون العاصفة الثلجية التي تقضي على الحياة برمتها". وهذا ما جعل جينيه، كما يقول سارتر، يقارن دائماً بين السجن والقصر، "لأنه يرى نفسه كملك متأمل يثير الخوف".

الوضع الديستوبي يوفر إتاحة للبشرية لتحقق شوقها الذي قمعته المدنية بإنتاج الدولة، ولكن الدولة إذا انحرفت بتعنيف مواطنيها فستنتج بدورها نهايتها، لأنها ستعجل بالعود إلى الوحشية والحيوانية

إن هذا الوضع الديستوبي يوفر تلك الإتاحة، الفرصة للبشرية لتحقق شوقها الذي قمعته المدنية بإنتاج الدولة، ولكن الدولة إذا انحرفت بتعنيف مواطنيها فستنتج بدورها نهايتها، لأنها ستعجل بالعود إلى الوحشية والحيوانية، لذلك يقول المفكر المغربي عبد الله العروي، في كتابه "مفهوم الدولة": الدولة الفاسدة، المناقضة للمجتمع، المبنية على العنف واستعباد الناس، ليست سوى مؤامرة ضد الإنسانية"، وتاريخياً، هي كما يقول: "عملية سطو قام بها النبلاء (وليسوا في الأصل سوى قطاع الطرق) والكهان (وليسوا سوى معترين ومزورين) اختلقوا خرافة الإنسان الشرير".

إن فكرة الإنسان شرير بطبعه، باعتبار أنه مر بمرحلة ما قبل الدولة وما قبل المدنية، وهي مرحلة الوحشية والحيوانية، لا تشرع لقمع الدولة، بل على الدولة المتبجحة، عبر تاريخها، بالعقل، أن تعمل عقلها وتتجنب استعمال العنف، بل عليها أن تعول على مكتسباتها في إدارة الأزمات بما سماه غاندي "اللاعنف" حتى لا يفسد وجودها، وعندها سيأكلها "إنسان الحجر الصحي" قبل أن يأكل أخيه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard