الإنترنت لا يحمل رائحة القُبَل المرسلة ولا يمسّ حواسنا الخمس

الأحد 5 أبريل 202011:14 ص

رحلة الإنسان بدأت منذ تاريخ لا نعرفه بالضبط، نبحث ونبحث عن "الحقيقة"، عن سر وجودنا، عن معجزة مجرتنا، نفترض، نجرب، ننظر، ننتظر الوحي، نصلي، نحلم، نبني، نهدم، نَغلب ونُغلب، واكتشفنا قوة العجلة فدخلنا في دائرة التطور المبهمة، وآخر مرحلة من اللعبة نشهدها اليوم هي لعبة "العصر الحديث".

بدأت اللعبة

ما زلت في الثلاثينيات من عمري، إلا أني أستطيع القول ببساطة إني من الجيل القديم، والقديم هنا بمعنى ما قبل الإنترنت والهاتف، أذكر فرحتي بوصول خط هاتفي إلى منزل أهلي في دمشق، ورغم كثافة الأرقام في ذاكرتي إلا أنه من الأرقام القليلة التي أذكرها دون تردد، كما أذكر أول مرة استخدمت فيها الإنترنت في سن المراهقة وكم كان بطيئاً (بمعايير اليوم)، ولكن شعرت أني أخيراً دخلت حيّز التقدّم، بعد أن أنشأت أول بريد إلكتروني ولم أعرف لمن سأرسل أي رسالة إلكترونية… لكن مجرد امتلاكي لعنوان بريد إلكتروني أعطاني إحساساً بالتفوق على زملائي في المدرسة الذين لم يمتلكوا حاسباً أو إنترنت.

مع زيادة احتلال الإنترنت لمساحاتنا، بدأت تتبدل، ليس عاداتنا اليومية فقط، وإنما مفاهيمنا وأفكارنا حتى أخلاقياتنا.

الترحاب والمفاجأة

إذا أردت مقابلة صديق، لن تعتمد على الصدفة أو ترحاب الأصدقاء الذين يستقبلوك بفرح بأي وقت مررت فيه على منزلهم. أمي كانت تنبهنا لضرورة أن يكون البيت دائماً مرتباً ونظيفاً، مضيفة: "وماذا لو أتى لزيارتنا ضيف فجأة!؟". اليوم لا وجود للمفاجآت، فمن الواجب الاتصال أو إرسال رسالة قبل مقابلة حتى شخص من أفراد العائلة، ولو لم يتصلوا قبل زيارتهم استهجنا الحالة وانتقدناهم. كنا نعود للمنزل ونجد ورقة على الباب كُتب عليها: "أتينا ولم نجدكم"، كم جميل هذا الإحساس بأن هناك من يسأل عنك في أي وقت، ويتحمل عبور مسافة ما لزيارتك حتى ولو لم تكن في المنزل، لم يكن هناك حاجة للتحضير المسبق، فبيت الضيق يتسع لألف صديق.

كنا نعود للمنزل ونجد ورقة على الباب كُتب عليها: "أتينا ولم نجدكم"، كم جميل هذا الإحساس بأن هناك من يسأل عنك في أي وقت، ويتحمل عبور مسافة ما لزيارتك حتى ولو لم تكن في المنزل، لم يكن هناك حاجة للتحضير المسبق، فبيت الضيق يتسع لألف صديق

الإحساس بالضياع

دون خرائط غوغل نشعر بالضياع، الطريق بات مجرد خط متعرج تتبعه نقطة لننسى أن نكتشف مكاناً جديداً، أو ابتسامة جديدة على الطريق، الأهم هو التركيز في شاشة الهاتف لنتبع سهماً ونقطة، ونخاف أن نسأل كما كنا من قبل: هل تعرف أين بيت أبو سالم؟ هل تعرف محل الحلويات الذي يعمل أطيب نابلسية؟ تغيّر تعريفنا للأشياء حتى، والأسوأ هو أن تسأل أحدهم عن طريق إلى مكان ما، فيجيبك: "أليس لديك تطبيق خرائط غوغل على الهاتف؟".

لا تسأل الناس إذا أردت معرفة الأفضل، إنما اقرأ تقييماتهم على المواقع، فمن الطبيعي أن يقترح عليك أحدهم قراءة التقييمات التي كتبت عن المطعم، المحل أو الطبيب الأفضل.

غوغل يعرف أكثر من أمي

ألم بسيط في الرأس مع سيلان في الأنف بسبب البرد قد يتحولان في بعض المواقع إلى أعراض لسرطانات قاتلة... نعم يلجأ كثير من الناس، عند إحساسهم بأي ألم أو أعراض تعب وإرهاق، للإنترنت قبل أن يلجؤوا لطبيب، والقلة من تبحث أو تقرأ أكثر من ثلاث مقالات عن نفس الموضوع، لذلك يعيش الكثيرون وهم مرض لا صلة له بما لديهم بالفعل. نعم هناك مواقع مفيدة وتعطينا الكثير من المعلومات، ولكن كم الوقت بالفعل نقضيه بالقراءة عن أمراض من الممكن ألا نعاني من واحدة منها؟

بالطبع غوغل يعرف أكثر من أمي، ولكن كم منا حين يريد أن يطبخ أكلة يتصل بأمه أو أخته ويسألهما عن طريقة تحضيرها؟ هل نفتح غوغل ونسأل عن طريقة عمل المقلوبة مثلاً؟! وننسى أن نشكر أمنا في كل اتصال، أو حتى سماع صوتها بحجة طبخ طبقنا المفضل، فالإنترنت أسرع.

غيرت هذه الموجة الجديدة حياتنا ومفاهيمنا وامتدت إلى أحاسيسنا، والفرق بين الاستخدام كوسيلة والاعتماد عليها كلياً، هو فرق كبير، يهدد جيل ما قبل الإنترنت بالانقراض مع ذكرياته وأخلاقياته، وربما على الويكيبيديا وحدها سنجد مقالات تتحدث عن إنسان ما قبل الإنترنت.

المشكلة ليست في استخدامنا للتكنولوجيا والمعلومات السريعة، فهي "خدمة" مهمة تسهّل حياتنا اليومية، لكن اعتمادنا الأعمى عليها وإيماننا المطلق بها هو فعلاً ما يخيف، بحثنا يبدأ باستخدام الإنترنت لنجد تعريفاً تفصيلياً لأي كلمة، ومن كان يختلي باحثاً عن أجوبة لأشهر أو حتى لسنوات، يمكنه اليوم أن يشترك بأي مزود لخدمة الإنترنت ليتصفح "العالم"، ويعرف كل شيء بمجرد ضغط زر واحد.

أسئلة كبيرة لم يكن يجرؤ المرء أن يسألها حتى لنفسه باتت مجرد كلمات في "محرك البحث": من أنا؟ كيف بدأت الحياة؟ من هو الله؟

النبي الجديد

أسئلة كبيرة لم يكن يجرؤ المرء أن يسألها حتى لنفسه باتت مجرد كلمات في "محرك البحث":

من أنا؟ كيف بدأت الحياة؟ من هو الله؟

ومن المضحك المبكي قراءة النتائج المقترحة من مواقع تجيب على أي سؤال مع "أدلة علمية".

للأسف هناك مفاتيح لاختراق عقول الناس، تماماً كالكلمات المستخدمة كمفاتيح للبحث، والتي تسهّل الوصول إلى النتائج المطلوبة. غسيل الدماغ المستمر من وسائل الإعلام والإنترنت وغيرها تؤكد للجميع أن "العلم" هو "حقيقة"، وأي مقال يبدأ بكلمة علمي يُصدّق بسرعة، حيث أننا جميعاً اتفقنا على أن العلم "مقدّس"، ربما نسينا أننا في تغير دائم وأن الحقيقة الوحيدة التي تعد ثابتة هي "التغيير" وهي حقيقة "علمية".

حتى اللحظة لا نملك جواباً مؤكداً عن الكثير من الأسئلة والتي سلمنا باعتبارها أبعد من قدرتنا على المعرفة، وأسميناها معجزات، ونسيناها وبدأنا باستخدام "أسلوب في الحياة"، بالطبع ليس من السهل علينا كبشر أن نتقبل حقيقة محدوديتنا وتحديداً الفيزيائية، حيث أن لمخيلتنا قدرات واسعة (نستطيع أن نتخيل شعور الطيران والتحليق كنسر ولكننا لا نستطع أن نطير)، ربما هذه الفكرة أدت لاختراع الطائرات التي اكتشفنا مؤخراً مدى ضررها على البيئة.

ابحث...

أجوبة بسيطة جاهزة تصل مباشرة للدماغ كسندويشة الهامبرغر السريعة، مكثفة ورخيصة ولكن دسمة.

وهنا أطرح سؤالاً: من فعلاً يحرّك البحث ومن "محرك البحث"؟ كذبة جهاز التحكم الذي يعطيك حرية الاختيار ما بين آلاف القنوات التلفزيونية هي مضنية بالفعل، فالخيارات متعددة ولكنها في المضمون متشابهة،  فأي محطة تلفزيونية أو إذاعية تحتاج إلى رأس مال ليس بيد أي فرد عدا عن الترخيص الحكومي، والذي لا يتوافر لأي كان، وحرية الاختيار عبر الإنترنت ليست أبعد من ذلك بكثير، وإنما هي فقط بفتح مساحة أكبر، وكلما زادت المعلومات زاد الشك، ولن نستطع في حياة واحدة أن نقرأ كل ما نشر.

 الحدود السياسية التي فرضت على الشعوب وباتت بديهية اليوم، امتدت من الأرض إلى المحيط، إلى السماء، إلى حواسيبنا وهواتفنا وأدمغتنا حتى، تتحكم الدول بالحقائق والمعلومات التي تمر على شعوبها، لتتأكد أن الجميع يسير عبر البرنامج وضمن الحدود المفروضة

حدود

هناك من يعمل على تحرير، تداول وتمرير المعلومات عبر الإنترنت، وهناك من يعمل بشكل دؤوب للقضاء التام على هذه الحرية، ما يجعل كثيراً من الحقائق مكتومة وحبيسة صدور أصحابها، حيث لا ولن تمررها بوابات الإنترنت، وإن نشرت في بعض البلدان كانت محجوبة في بلدان أخرى، الحدود السياسية التي فرضت على الشعوب وباتت بديهية اليوم، امتدت من الأرض إلى المحيط، إلى السماء، إلى حواسيبنا وهواتفنا وأدمغتنا حتى، تتحكم الدول بالحقائق والمعلومات التي تمر على شعوبها، لتتأكد أن الجميع يسير عبر البرنامج وضمن الحدود المفروضة.

عصر كورونا

ما يزيد عن ثلث البشر ومن مختلف المراحل العمرية يستخدمون الإنترنت، ومنذ انتشار كورونا والتزام الكثير من الشعوب قسراً منازلهم، زاد بالطبع استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي يتشارك فيها الناس وحدتهم ومشاعرهم وفنهم، ورغم أنه يبدو إيجابياً، إلا أن هذا القرب الإلكتروني ما زال بعيداً جداً، فكم من مرة أحببت مثلاً عبر الإنترنت وصدمت بمشاعرك عند مقابلة هذا الشخص على أرض الواقع؟ وهل القبلة التي ترسلها أمك تحمل معها رائحتها؟ التواصل الإلكتروني لم ولن يستطع الوصول إلى حواسنا الخمس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard