عيب! لا تسأل/ي عن المال!.. أنت "مثقفة"... أنت "فنان"!

الخميس 2 أبريل 202001:44 م

بادئة أولى

يُقال إن كلمة "مهنة" تأتي من الامتهان والمهانة، أي الذل والخدمة، وكان أصحاب المهن يُنظر لهم باحتقار، بل ولا تقبل شهادة بعضهم كونهم يعملون بأيديهم، بعكس العاملين بالفكر، كلمة "امتهن" الشيء تحوي انتقاصاً طبقياً من نوع ما، وهنا ظهرت "مهنة" الواعظ الأيديولوجي، ذاك الذي يمدح السلطة مقابل المال.

اقتباس بتصرف من "وعّاظ السلاطين"- علي الوردي

11$+14$ أجرة الشحن.

يُقال أن كلمة "مهنة" تأتي من الامتهان والمهانة، أي الذل والخدمة، وكان أصحاب المهن يُنظر لهم باحتقار، بل ولا تقبل شهادة بعضهم، كونهم يعملون بأيديهم

بادئة ثانية

لم يعتبر الإغريق العمل جزء جوهرياً من النشاط الإنساني، والمقصود العمل المرتبط بمقومات الحياة، كون العبيد كانوا مسؤولين عن ذلك، فأن تعمل يعني أن تخضع لأحكام الضرورة، وهذا الخضوع يعني أن يتساوى الإنسان مع الحيوان، وهذا ما يتناقض مع وضعية الإنسان الحرّ. الأهم، العمل في الشعر والفن والسياسة، هو تجاوز لهذه الحاجات الأساسي، وأسلوب لترك أثر في العالم.

اقباس بتصرف من "رجل بلا محتوى"- جورجيو أغمبين

21$+2$ أجرة الشحن.

بادئة ثالثة

شهد القرن التاسع عشر تغيراً في النظام المهني والأكاديمي فيما يخص تقييم الممارسة الفنية، وأصبح لكلمة فنان معادل قضائي، اقتصادي، جمالي ومهني، لم تعد كلمة فنان تتعلق بطبيعة الممارسة، بل بطبقة اقتصادية ذات ممارسات مختلفة عن المهن الاعتيادية، وتطلب ذلك تغيرات قانونية فيما يخص أسلوب الدفع والضرائب والملكية وتعريف العمل الفني، خصوصاً في ظل ديمقراطية مكانة الفنان.

اقتباس بتصرف من "النخبة الفنية الامتياز والتفرد في نظام ديمقراطي" ناتالي هانيش

15$+2$ أجرة الشحن.

بادئة رابعة

هناك نوع من السباب يتم تداوله بين العاملين في الشأن الصحفي أو الفني يتلخص بجملة "بيشتغل بالقطعة"، أي أنه يتقاضى ثمن كل مُنتج بصورة مفردة، سواء كان مقالاً، لوحة أو نصاً مترجماً، هذه الجملة تستخدم للإحالة إلى "رخص" عملية الإنتاج، ولتبخيس قيمة العمل الثقافي عبر إعلان سعره، لنفي استقلال من يعمل في القطاع الثقافي وتحويله إلى "مُمتهن".

اقتباس بتصرف من منشور على فايسبوك موجه ضد كاتب هذا المقال بسبب مقال آخر نشره.

-100$ بسبب توقف التعامل مع الجهة التي نشرت المقال.

....

شدّ انتباهي مقال منشور في صحيفة المدن للصديق روجيه عوطة، عن كتاب "مال" للفرنسي كريستوف هانا، اشتريت الكتاب 20$، وقررت كتابة مراجعة عنه وإرسالها للنشر، ( 55$)، وأول ما يشد الانتباه في الكتاب هو النقود التي يلاحقها هانا ضمن القطاع الثقافي والفني في فرنسا، ولا يقصد الممولين أو أصحاب رؤوس الأموال، بل أولئك الموجودين حوله، أصدقائه ومن يعرفهم أو يتعرف عليهم من العاملين في الحقل الثقافي، إذ يشرح لهم فكرة الكتاب ليسألهم عن أجورهم و كيفية تحصيل أموالهم وأثمان ما يتقاضونه، ويقسم فهرس الكتاب بحسب دخل كل فئة، تبدأ من 200 يورو شهرياً إلى ما يزيد عن 4000 يورو شهرياً، لتظهر أسماء "عمال الثقافة" مقترنة بدخلهم الشهري، كالشاعر كريستوف250، أو مصطفى 850.

يكشف لنا هانا عبر اللقاءات الشخصية والأحاديث عبر سكايب والوصف الحميمي أحياناً، عن أسلوب الحصول على المال لدى العاملين في الوسط الثقافي، ولا نقصد هنا فقط المال اللازم لإنجاز عمل فني ما أو كتاب ما أو حتى مقال، بل ذاك اللازم لمتطلبات الحياة من طعام وشراب وثياب، ويشير إلى الظلم الدائم في هذا القطاع صعب الاختراق، إلى جانب عدم العدل الذي يختبره العاملون فيه، بل أن الكثيرين منهم لديهم أعمال جانبية و"مهن" متفاوتة من أجل تأمين متطلبات الحياة، والتفرغ للكتابة أو الرقص أو الرسم.

تظهر أمامنا أثناء قراءة الكتاب صورة محزنة عن حياة الفنان المعذب، هذه الصورة تتغير وتزداد تعقيداً كلما ازداد الدخل الشهري، واتسعت الصيغة المؤسساتية للعمل المحكوم أحياناً بالعلاقات الشخصية أو السياسات المؤسساتية، التي تستغل من هم في أدنى الهرم، هناك أيضاً الخيارات الشخصية لدى بعض العاملين الذي يحاولون تفادي نقاش الأجر، حين يتعلق الأمر بالعمل الفني أو الإبداعي.

لماذا نتفادى نقاش الأجر، حين يتعلق الأمر بالعمل الفني أو الإبداعي؟

مفهوم الخجل والعيب المرتبط بالمال والسؤال عنه

يكسر الكتاب مفهوم الخجل والعيب المرتبط بالمال والسؤال عنه، وكيفية "تدبيره"، إذ نقرأ عن ثمن سرير تشتريه شاعرة، أو ثمن تذكرة قطار من مكان إلى آخر، أو الاختلاف حول "مكافأة" إلقاء قصيدة في إحدى المهرجانات، هناك شعور بالخجل حين نقرأ كلمات "غني" و"فقير"، خصوصاً حين تتلاشى هالة الفنان، في ذات الوقت نشعر بنوع من الغبطة حين نقرأ عن شاعر ومهندس ميكانيك يتقاضى ما يفوق الـ4000 يورو شهرياً، بل وهناك نوع من السخرية المرتبطة بذلك، وكأن اختبار شدة العيش والفقر ملازمة للعمل الفني والثقافي، وهي صورة متخيّلة تتضح أكثر أسبابها حين نتعرف على السياسات المؤسساتية التي تحكم عمل الشعراء والفنانين، إذ نشاهد كشوف الحسابات في بعض الأحيان والتحويلات البنكية، وكيف هناك الكثير من "الأموال" التي تبذل لإنجاز عمل ما، دون أن يمسها الفنان، بل تكون "ثمن" المواد الأولية لينتهي الأمر أحياناً بمبلغ ضئيل "صاف" يعود للفنان أو الكاتب.

الشعور بتجاوز المعيب يزداد حين نتعرف عن ترتيبات العيش التي يختبرها العاملون في هذا المجال، كيف يدفعون أجرة المنزل، علاقتهم مع شركائهم، من يعمل ومن لا يعمل، الأهم، نتلمس الطبقات التي ينتمي لها العاملون في مجال الثقافة والفنون، والتي لا تنعكس فقط في أماكن سكنهم، بل في ثيابهم، وأسلوب طعامهم، و"ذوقهم" في بعض الأحيان، لتظهر المحاولات الرومانسية بالتحرر من "المال" عزاء من نوع ما أمام "الفقر".

لا يمكن تجاهل الأمر في الحالة العربية، وطبيعة العلاقات المادية التي تحكم الوسط الثقافي والفني، والطبقات المختلفة التي ينتمي لها ممارسو هذه "المهن" التي يعتاش الكثيرون منها، والذين أيضاً يمارسون خدعاً وتقنيات في سبيل النجاة في هذا القطاع الذي يهمين عليه رأس المال، لكن بعيداً عن مصدر الأموال، يمكن تجاهل الأسعار الموجودة في بداية المقال، كون الكتب المقتبس منها متوافرة رقمياً بنسخ مقرصنة، عدا كتابي ناتالي هانيك وكريستوف هانا، أي سرقة الكتب أو "المواد الأولية" المذكورة في كتاب هانا قائمة في المساحة العربية.

هناك أيضاً أساليب الكتابة بأسماء وهمية متعددة، وفي منصات متعارضة سياسياً في بعض الأحيان، من أجل الوصول إلى الحدّ المنطقي شهرياً، هذا طبعاً إن كنا نتحدث عمن يظهر اسمه أو "يوقع" العمل باسمه ليعلن ملكيته الرمزية للنص، ثم التنازل عن هذه الملكية مقابل "ثمن القطعة"، لكن الأمر مختلف بالنسبة للعاملين في الخفاء، المحررين والمنظمين والمصممين والمسؤولين عن دور النشر، وغيرها من المهن التي لا يظهر فيها اسم العامل، بل ينشط ممارسها خفية، وربما يتقاضى أجراً أكبر ممن يظهر اسمه، لكنه بالنهاية، وحسب ما نتلمسه من هانا، قد ينتمي إلى طبقة مختلفة، تقترب من رأس المال وتدرك كيفية توزيعه على العاملين.

هذه "الحيل" تزداد إشكالية خارج المساحة العربية، حين ندخل في أنظمة الضرائب وأسلوب التصريح عن الدخل، والذي إن حصل يتلاشى حوالي الـ30 بالمئة من المبلغ الكلي آخر الشهر، هذا إن وصل في الوقت المحدد، إلى جانب التأمين الصحي المشترك والضمان الاجتماعي والمستلزمات الحياتية الأخرى التي من المفترض أن تلبيها المهنة التي يمارسها الفرد، ولا يقتصر الأمر على الصحافة كما يتضح من المقال، بل ينسحب على الفنانين والمترجمين وغيرهم ممن يمارسون مهناً لا تخضع لمعايير العمل التقليدي (الإنتاجية وساعات العمل)، بل ترتبط بتراكم الخبرة والمهارة التي يتطلب اكتسابها مصاريف لا يغطيها "ثمن" المنتج النهائي، كالأسلوب، الاحتراف والصنعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard