قرنان ونحن نحاول... أسباب فشل التحديث الذي قاده "الباشا" و"الشيخ"

الأحد 5 أبريل 202011:16 ص

قرنان ونحن نحاول. مدافع جنرال الفرنجة التي دكّت أبواب حصوننا أيقظتنا من النوم في كهف دفء حماية السلطان، وعصمة بابه العالي. صحونا على عالم مختلف، غريب.

بعد الصدمة، انبري باشا أمسكته الرعية زمام حكم البلاد ليبني جيشاً حديثاً وقوياً، ويجعله عمود خيمة الدولة والسلطة (الحديثة). وتبعه في طريقه الشيخ المعمم الذي راح يحاول بناء توفيق فكري للتحديث ولنهضة البلاد والعباد، تحت ظلال عباءة الباشا.

سعَينا إلى التحديث بنقل ثمار الحداثة ومنتجاتها على الجاهز، عبر مدفع، أسطول، مدرسة، إلخ. وبعد قرنين من مشروع الباشا وتابعه شيخ التحديث، نظل نجري وراء المُنتجات والثمار، مُستهلكين، وعالة، من أي جهاز تلفون إلى حاملات الطائرات مروراً بفانوس رمضان الصيني وملابس فيكتوريا سيكريت الداخلية، وشبكة الإنترنت. منتجات، وأدوات، لو تعطلت، لا نملك قطع غيارها.

وبعد قرنين من محاولات التحديث، وصلنا إلى مجتمعات تنفجر من داخلها، على أساس الدين، والمذهب، والعرق، بل حسب الجهة والمدينة والقبيلة والطائفة، وعلى أساس صراعات سيطرة الذكور على الإناث، وفرض جيل شاخ تقاليده على جيل شاب، وتناحر بين تقاليد مجتمعات الصحراء ومجتمعات الأودية والأنهار. وكلها صراعات تُصادِر على المخالف، وتنتهك عرض المُختلف.

مجتمعاتنا تتشظى تشظي جدارية من زجاج هش هوت على صخور تراثية وحداثية، ومصائرها ومصائر شعوبها تحدَّد خارج أراضيها، من أشخاص يرسمونها على أوراق علب سجائرهم، في جلسات مرح.

لماذا وصلنا إلى هنا؟

لماذا بعد قرنين من محاولات التحديث وصلنا إلى هذا التشظي وهذه الانفجارات؟

عملية التحديث التي عرفناها كانت، مع كل أزمة ومع كل تراجع تتعرض لهما، تقوم بمراجعات للمشروع ولمعادلته. ففي نهايات القرن التاسع عشر، ومع الاحتلال العسكري المباشر لمعظم البلاد التي يسكنها عرب ومسلمون، جرت مراجعات ومحاولات إصلاح وتصويب لعملية التحديث، فكانت الصحف وتشكيلات المجتمع المدني والبرلمان والجامعة (الحديثة، تلك التي "دينها العلم") تحاول أن تُخرِج مشروع التحديث من أزمته.

بعد قرن، انتهت "الجامعة الحديثة" إلى أن تكون مجرد تكوين سلطوي مسيس، خَنَق فيه التقليد كل تجديد وهمّشه، بل وحاكمه، وفي أغلب الأحيان طرده خارج أسوار كهنوت الأكاديمية باسم الأمن والاستقرار مرة، وباسم الحفاظ على الثوابت مرات.

وبعد الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة، تجددت المراجعات، وظهر سؤال "مَن نحن؟" مع ثورات العرب في بدايات القرن العشرين، لنختتم النصف الأول من القرن العشرين مع "نكبة" فلسطين، والتي لم يكد يمر عقدان عليها وعلى التحرر من الاستعمار العسكري المباشر لأراضينا حتى أتت هزيمة سنة 1967 التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت هزة كبيرة، نكأت أسئلة الهوية، وأسئلة الدين، بل أعلنت سقوط معادلة مشروع التحديث ذاتها بعد قرن ونصف من بدايتها.

دخل العرب مرة أخرى في مراجعات تتعرض للجذور، فمن "الثابت والمتحول" إلى "تجديد العقل العربي"، ومن "التراث والتجديد" إلى "نحن والتراث" و"نقد العقل العربي" و"من التراث إلى الثورة" و"تجديد النهضة باكتشاف الذات" و"من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي"... اختتمنا القرن الماضي بمراجعات على المراجعات ذاتها بـ"مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق" و"التراث بين التأويل والتلوين"، و"نقد نقد العقل العربي"، و"لعبة الحداثة بين الباشا والجنرال" و"ثورات العرب: خطاب التأسيس".

نصف قرن من المراجعات لندخل القرن الواحد والعشرين بمجتمعات انفجارية، انفجارات من داخلها وأخرى من خارجها، انفجارات تراثية وانفجارات حداثوية. ولم تستطع الثورات الأخيرة لبعض قبائلنا أن تحقق على السطح المرئي أهدافاً لها، لنعود إلى نفس السؤال الذي بدأنا به.

لماذا فشلنا خلال قرنين أن ندخل العصر الحديث؟

لماذا فشلنا؟

ألا يحتم علينا الحال أن نعيد النظر نقدياً في مشروع التحديث ومعادلته التي قام عليها خلال القرنين الماضيين، وأن ننقد محاولاتنا مقاومة هزيمة 67 الفكرية، خلال النصف قرن الماضي، وأن نراجع عمليات نقد النقد التي بدأت حول هذه المشروعات الفكرية، منذ نهايات العقد الأخير من القرن العشرين؟

السؤال الذي تطرحه علينا ثورات العرب أو ثورات بعضهم هو "لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ وكيف نبني حداثة حقة، حداثة ليست تقليداً ولا نقلاً، حداثة تستوعب التراث وتتمثله وتستوعب تراث الآخر وتتمثله لا لكي تقلدهما أو تعيد اجترارهما، وإنتاجهما، أو تعيد التعبئة والتغليف، بل تتمثل وتستوعب لتتجاوز الوضع القائم من خلال مولود جديد حي لا هو التراث ولا هو إنجاز الآخر بل كائن، نابض، مكون مما هو وحي وفاعل وإنساني في تراثنا ومما هو حي وفاعل وإنساني من إنجازات الإنسانية في عصرنا؟

وعينا بتجربة التحديث طوال الوقت مفتَّت ومجزّأ، وعي يتناولها كشخصيات أشبه ما تكون منفصلة عن سياقها التاريخي/ الثقافي، بل ونتعامل مع تعاقب الأجيال وكأنه قدر آت من خارج التاريخ والثقافة، وليس ظاهرة ناتجة من تفاعل جدلي مع واقع اجتماعي/ ثقافي، حتى أصبح هناك شبه اتفاق بين دارسي الفكر العربي على لاتاريخية هذا الفكر.

جانب آخر هو تغييب الإنسان من المشهد، تغييبه كذات فاعلة، فعلُها ووجودها يشكل ويؤثر في الاجتماع والسياسة والثقافة. فالإنسان في ثقافتنا مجرد أداة، ديكور في المشهد. هو إنسان فاعل على سبيل المجاز، فالفاعل الأول، الفاعل على الحقيقة، هو الله القاهر فوق عباده، وكل فعل الإنسان مجرد مناسبات، وفعل على سبيل المجاز. فالفعل الحقيقي خارج عن التاريخ وعن الاجتماع وعن قوانين الطبيعة، والفاعل المجازي في الأرض هو السلطان قديماً، أو الحاكم الفرد الصمد، ولو حتى بديكور نيابي وتمثيل ديمقراطي.

غياب التاريخ كفاعلية جدلية، وتغييب الإنسان كذات فاعلة، حوّل دراستنا الفكرية لتراثنا ولماضينا وللآخر وتراثه إلى مجرد شريط طويل من وقائع وأحداث وأشخاص. هي نقاط كاملة، منفصلة عن بعضها. يمكن تفسير كل ظواهر الشريط بالتفسير ونقيضه، دون أي إحساس بتعارض، فيصبح التراث هو الحل وكذلك هو سبب كل ما نحن فيه من مشكلات، ويصبح الآخر الغربي هو النموذج الكامل وهو المثال والحل، وكذلك هو العدو والغازي الثقافي والخطر والمؤامرة وبالتالي يجب أن نقاومه، ونتقي شروره.

لا نعرف لماذا وكيف، مع كل تراجع وهزيمة تواجهنا، يزداد المجتمع محافظة ويزداد احتماءً بالماضي وبالتراث. وكأنه بذلك يستعيض عن النقص والضعف الذي يعيشه وما يواجهه من هزائم.

"سعَينا إلى التحديث بنقل ثمار الحداثة ومنتجاتها على الجاهز. وبعد قرنين من مشروع الباشا وتابعه شيخ التحديث، نظل نجري وراء المُنتجات والثمار، مُستهلكين، وعالة، من أي جهاز تلفون إلى حاملات الطائرات وملابس فيكتوريا سيكريت الداخلية"

نحتاج إلى درس دقيق لهذه التجارب خلال القرنين الماضيين، درس نقدي يحفر ليجد أسباب وعوامل الضعف، ولا يكتفي بالحفر بحثاً عن البترول أو بالحفر في التراث بحثاً عن مجد يحتمي به من ضعف واقعه.

نحتاج إلى النبش في بذرة التحديث ذاتها وطريقتنا في التعامل مع الحداثة، وتحديد إذا ما كانت طريقتنا في التعامل مع التراث ومع الحداثة هي سبب هزال ثمار التحديث بعد قرنين من المحاولات، ومحاولة الكشف عن عوامل استمرار غياب التاريخية الجدلية في وعينا وفي ثقافتنا، وعوامل تغييب الإنسان الفاعل في المجتمع وفي الطبيعة لحساب الإنسان الأداة، الديكور، الإنسان الفاعل على سبيل المجاز.

تحديث مُسيس ومُعسكر

الحداثة الأوروبية الغربية جاءتنا غازية، على ظهر بارجة حربية، وبنيران بارود ينسف البشر والحجر، حداثة مُعسكرة، مُنقضّة، خطر داهم. سعينا لرد الخطر عنا، ومقاومة اقتلاع رياحه العاتية لأشجارنا الثقافية وجذورها. هذا التحديث أتى غازياً ومُعسكَراً، سواء تحت شعار الثورة على الرجعية وأنظمة حكم استبداد العصور الوسطى مع الحملة الفرنسية على مصر عام 1789 أو احتلالها للجزائر عام 1830 أو ضرب الإنكليز لثورة الهنود ونهاية حكم المسلمين في الهند عام 1857 أو احتلال الإنكليز لمصر عام 1882، أو تحت شعار نشر الديمقراطية كقيمة عالمية إنسانية ضد الديكتاتورية مع غزو العراق عام 2003.

لذلك كان تحديثنا قائماً على تصور أن شعوب منطقتنا لن تدخل العصور الحديثة عن طريق أنوار العقل واختمار الأفكار في المجتمع، وعبر تفاعل اجتماعي-ثقافي، بل قام على تصوّر أن السبيل لنهضة هؤلاء الناس هو "قوة قاهرة على قوم وادعين جُهلاء" تفرض جبراً رغماً عنهم.

لم نواجه الاستبداد السياسي والوعي الديني الغارق في الماضي بأنوار العقل، وبقوة الأفكار التي تبني وتغير الوعي، ليتحرر الإنسان من داخله، فيحرر نفسه سياسياً من الاستبداد، ودينياً من وصايا الدين وأوصيائه، ويتحرر مجتمعياً بنقد التقاليد من داخلها، وفك أسسها من داخل الوعي المجتمعي. فالتحديث المعسكر يرى أن التغيير يحتاج إلى قوة قاهرة تفرضه جبراً، حتى ولو كانت غازية.

هذا التصور، قائم على أن الحداثة يمكن أن تُنقل وأن تُقلَّد ويتم فرضها بالقوة. ويتم اختصار الحداثة في ثمارها، ومُنتجاتها، وهذه يسهل نقلها، وبنقلها نصبح معاصرون وحداثيون. الحداثة هنا مجرد مكون خارجي، مادي.

الجانب الثاني لهذا التصور هو اختصار معوقات التحديث في الاستبداد السياسي، فما أن يتم القضاء على هذه الفئة المستبدة الظالمة أو ذلك الحاكم الديكتاتور، سيتفجر التحديث ويمطر التقدم، وتعم النهضة. وعلى مدى القرنين الماضيين فشل التحديث المُعسكر الغازي، مرة تلو الأخرى.

وحين سعى المشايخ إلى أن يولوا الباشا حكم البلاد، "بشروطنا"، وينزعوها عن والي الخليفة، وضد إرادة بابه العالي، شعر الباشا الجديد بضعف دولة الخلافة، وشعر بالخطر الآتية رياحه من الشمال عاتية، وبأن المنظومة القديمة لا تُغني ولا تحمي من خطر، وبأنه لا سبيل للانعزال عن العصر.

كانت بنية السلطة قائمة على القوة المباشرة، الحاكم الفرد، الصمد، يفرض وجوده بقوة الشوكة، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. والسلطة تقوم بوظائف محدودة في المجتمع: حماية البلاد من الأعداء، وجمع الضرائب، واستتباب الأمن العام، فكلما كان الحاكم قوياً، وممسكاً بزمام الحكم، وسلطته سارية عبر خوف الخائفين من الخروج عليه، وساكناً في قلعة مُحصنة، كانت الأمور تُرى وكأنها في قمة الاستقرار.

أما الناس فليس لهم دور أو فاعلية في ممارسة السلطة أو في تقرير الأمور السياسية العامة. ونخبة المشايخ والتجار تشير ولا تتدخل في الأمر. لذلك كان المجتمع تقريباً يدبّر أغلب أموره الحياتية اليومية عبر كيانات مجتمعية أهلية. فمساحة العلاقة بين فرد وفرد في المجتمع تنظّمها أعراف اجتماعية، وفقهية تم اختصارها في كلمة: "الشريعة".

"الإنسان في ثقافتنا مجرد أداة، ديكور في المشهد. هو إنسان فاعل على سبيل المجاز، فالفاعل الأول، الفاعل على الحقيقة، هو الله القاهر فوق عباده، وكل فعل الإنسان مجرد مناسبات، وفعل على سبيل المجاز"

وظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم ضعيفة في المنظومة الفقهية، تناولها مبحث "السياسة الشرعية" والتي هي أقرب إلى مؤلفات تُصوّر واقع ما حدث في تجربة دول المسلمين، أكثر مما تحاول تأصيله نظرياً وفكرياً، عبر مقولات الفقه وأصوله.

هذا جعل سلطة الحاكم في الغالب مُطلقة، ولكنها سلطة فوقية، فأمور التعليم والأوقاف والتجارة والمعاملات، هي أمور مجتمعية وأهلية في الغالب ليست السلطة طرف فيها. وحتى القضاء بصورة غالبة كان يختص بأمور المعاملات بين الأفراد والمواريث، ومسائل الزواج والطلاق، حسب الفقه التقليدي وحسب تقاليد الطوائف، كل طائفة حسب معتقداتها. فلم تكن هناك أجهزة دولة داخلة في هذه الشؤون.

قوة جيش وسلاح حديث

رأى الباشا/ السياسي أن لا سبيل لمواجهة الخطر الغربي إلا عبر قوة جيش وسلاح حديث. أصبح الجيش هو العمود الذي تقوم عليه خيمة ماكينة الدولة الحديثة وتنظيماتها، من إداريين، ومن مدارس ونظم تعليم، ومصانع/ فوريقات، ومن نظم اتصال ومواصلات، جيش تُنشأ حوله الدولة بأرضها وببشرها.

فحين نظّم محمد علي باشا، مثلاً، أجهزة السلطة الإدارية، أنشأ سبعة دواوين حكومية، كانت أربعة منها تدور حول الجيش ولخدمته تقريباً، وهي ديوان الجهادية وديوان البحرية وديوان الفوريقات (مصانع للإنتاج الحربي وما يتعلق به من ملابس للجيش وذخيرة)، وحتى ديوان المدارس، بما فيه من مدارس عليا للتدريب العسكري، أو القصر العيني لصحة الجيش، أو المهندسخانة، أو مدارس مبتديان (ابتدائية) ومدرستين تجهيزيتين (ثانويتين).

محمد علي باشا

وحتى الدواوين الثلاثة الأخرى، وهي ديوان الوالي وديوان الإيرادات وديوان التجارة والأمور الإفرنجية، كانت دواوين تخص الباشا مباشرة، وبصورة أو بأخرى تخدّم على الجيش وأنشطته.

وظائف الدواوين السبعة هذه مثلت وما زالت العناصر السيادية للسلطة، من جيش وعلاقات خارجية ومالية وأمن داخلي. وأضيف في ما بعد ديوان للحقانية، أي لأمور القضاء.

كانت هذه الدواوين صلتها مباشرة بالباشا، فكل ناظر لأي ديوان صلته مباشرة بالباشا، ولا صلة لهذا الدواوين ببعض، ولهؤلاء النظار ببعض. فكل هذه مجرد أطراف تتجمع عند الباشا وفي حِجرِه وفي قبضته.

عملية التحديث أتت مُسيَّسة، يحدد أهدافها رجل السياسة/ الحاكم، وهي أيضاً اختصرت الحداثة في ثمارها ومُنتجاتها. هذا التحديث المُسيس قائم على حداثة ثمارها ومنتجاتها المادية منقولة دون الأشجار التي أنتجتها، ولا طريقة الزراعة التي أنبتت أشجارها، من أسس فلسفية وفكرية، وقيم.

وقام التحديث المُسيس على التجاور بين القديم على حاله، وإنشاء نُظم حديثة تجاوره. بل حاولنا التوفيق بين بقاء القديم على حاله ونطليه من الخارج بطلاء حديث. أما الحداثة في أوروبا، وهي خلاصة عمل قرون وتجارب تاريخية مرت بها الشعوب الأوروبية، فقد نقلت الحكم، من حكم الفرد المُطلق، إلى حكم القانون وحكم المبدأ، وأقرت تقاسم السلطة في جوانب ثلاثة مُستقلة تتعاون في سياسة أمور البلاد، وأصبحت هناك منظومة حقوق تحمي الضعيف من سطوة الأقوياء وأصحاب النفوذ.

فكيف سيتعامل الباشا مع هذه المفاهيم عن السلطة؟ وكيف سنوفق بين حكم الفرد المطلق القديم وبين حكم المبدأ وتوزيع السلطات الحديث؟

سعت السلطة إلى استخدام مُنتجات الحداثة، ونظمها الإدارية، كقشرة خارجية، وطلاء، كبدلة تُلبس، وظلت سلطة الفرد المُطلق رابضة تحت السطح. فالسلطة "الحديثة"، ودولتها "الحديثة" وجيشها "الحديث" تديره أسرة الوالي وأشياعهم. ويظل الفرد في هذه المنظومة "الحديثة" مجرد أداة، يدفع ثمن تطلعات الباشا السياسية التوسعية، الحالمة بميراث دولة الخلافة المريضة. فلا هو ظل مجرد رعية من رعايا الباشا حسب النسق القديم ولا هو وصل ليكون مواطناً ذا حقوق ويتمتع بحريات محمية بحسب التصورات الحديثة.

بل إن التحديث الفوقي المفروض جبراً سعى إلى تكسير عظام المجتمع، بتفريغ تكويناته الاجتماعية التقليدية الموروثة من العصور الوسطى، عبر خلق رأس لكل كيان اجتماعي، والسيطرة على الكيان، من خلال السيطرة على رأسه، فيصبح التكوين الاجتماعي مجرد هيكل فارغ من الداخل.

ولو لم يخضع الكيان الاجتماعي خضوعاً تاماً، يتم القضاء عليه بالتدريج، ليتحول المجتمع ويتحول تكوينه إلى مجرد أرض وسلطة وجحافل من البشر، بدون هيكل عظمي اجتماعي، وليصير المجتمع مجرد كوم من اللحم والشحم، أو مجرد قطيع يتم التحكم فيه من خلال ميكروفون إعلام وعصا أمن ضاربة، تحتكرهما سلطة.

فالسلطة تتصور، حسب تقليديتها، أن وجود أي كيان أو قوة أو تنظيمات، هو خطر عليها يجب السيطرة عليه.

قرنان من التحديث (المعسكر/ الغازي) والتحديث (المُسيس/ السلطوي/ الفوقي) كانت نتيجتهما أن تحديثنا بقي مجرد قشرة، تحتها القديم بتصوراته. فهل من سبيل لتحديث جديد لا هو مُعسكر وغازٍ ولا هو مُسيس وسلطوي وفوقي، تحديث نزرعه في أرضنا حياةً ولا يكون مجرد محاولة نسخ نتاج ما زرعه آخرون؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard