"أشفقت على الجنين فأجهضته"... حول الحمل والإجهاض في ظل كورونا

الخميس 2 أبريل 202001:41 م

أثار فيروس كورونا الهلع منذ انتشاره، وأدمن البعض متابعة أرقام الوفيات والإصابات، وأفرض آخرون في الأخذ بالاحتياطات الصحية. وفي وسط هذه الأجواء، كان للنساء مشاعر متضاربة ومختلطة فيما يتعلق بالإنجاب أو الإجهاض، والغموض الذي يحيط بكوفيد-19، أثار مساحات واسعة من الأفكار، القرارات والشائعات.

"أجهضت طفلي لأحميه"

اتخذت أمل المصري (29 عاماً) مهندسة في القطاع المدني وتسكن في القاهرة، احتياطات جديدة لحماية نفسها وزوجها من الإصابة بفيروس كورونا، إلى أن اكتشفت أمراً لم يكن على بالها قط، لقد كانت حبلى في الأسبوع الثالث.

انتظرت أمل وزوجها هذه اللحظة لعامين، ولكن استجابتها العاطفية كانت مغايرة لما توقعته، قررت أن تتنازل عن جنينها خوفاً من المصير المجهول.

"لجأت إلى الإجهاض الكيميائي باستخدام الأدوية، لابد أن أعترف بشعوري الكبير بالحزن والأسى على هذه الخطوة، لكن عزائي الوحيد هو أن القيام بهذا الفعل أتى للحفاظ على حياة الجنين وإنجابه في بيئة غير محملة بالوباء"

تقول أمل لرصيف22: "عندما علمت بالأمر أصابني الذهول والهلع، ليس هذا بالوقت المناسب الذي يمكنني الاحتفاظ فيه بطفل، والعالم كله يتجه إلى مصير مجهول، فكرت كثيراً أن أترك الأمر للظروف، ولكني لم أستطع، خاصة أن كل ما يحيط بي هو أخبار عن فيروس كورونا، ولا فرصة في أي أجواء أخرى".

تضيف أمل عن رد فعل زوجها: "تحدثت مع زوجي وكان الأمر مشابهاً، خشينا النتائج، وأصابنا فزع شديد عندما سمعنا عن طفل أصيب بفيروس كورونا على الفور بعد ولادته، وأصبح سيل المعلومات حول هذا الوباء لا يشمل معلومات دقيقة عن أثره على الحوامل أو الجنين".

تبادلت أمل وأصدقاؤها تساؤلات وأخبار عن سلامة الجنين أثناء فترة الحمل، وعند الولادة، وأرّقها احتمال انتقال الفيروس للجنين، سواء أثناء الحمل أو الولادة، أو حتى بعملية الرضاعة، ولكنها لم تجد إجابات علمية نهائية على تساؤلاتها.

"لجأت إلى الإجهاض الكيميائي باستخدام الأدوية، لابد أن أعترف بشعوري الكبير بالحزن والأسى على هذه الخطوة، لكن عزائي الوحيد هو أن القيام بهذا الفعل أتى للحفاظ على حياة الجنين وإنجابه في بيئة غير محملة بالوباء"، تقول أمل.

أما ولاء صابر، اسم مستعار  (31 عاماً)، وهي طبيبة مصرية وأم لطفل، من محافظة الإسماعيلية، إحدى محافظات الوجه البحري المصرية، فقد علمت بحملها منذ الأسابيع الثلاثة الأولى، ورغم وجود خلافات زوجية إلا أنها قررت الاحتفاظ به، ولم تراودها فكرة الإجهاض.

تقول ولاء لرصيف22: "كانت الأخبار الخاصة بفيروس كورونا أقل، ولم يكن هناك حالات ظاهرة في مصر تدعوني للقلق، ولكن بعد أيام قليلة، ومع بداية شهر مارس، أصبح القلق هنا ضرورياً وملحّاً جداً، ما دفعني لإعادة التفكير في الحمل مرة أخرى".

"ارتفعت حرارتي بعد الحمل"

ما دفع ولاء إلى إعادة التفكير في حملها، إحساسها بأعراض شبيهة بكورونا، تقول: "أثناء فترة الحمل ترتفع درجة حرارة جسم الحامل، وتشعر بضيق في التنفس، خشيت عدم تمييز هذه الأعراض، وبين أعراض الإصابة بفيروس كورونا، التي تتشابه مع الأعراض المذكورة، فضلاً عن أن الأمور لا تزال مبهمة: إلى أين سيتجه العالم أو هل سينتهي الفيروس عما قريب؟ وبدأت أتساءل إذا كان إنجاب طفل آخر في هذا التوقيت هو ظلم لطفليّ الاثنين معاً، وأنه من الأفضل أن أركز على رعاية طفلي، خاصة أنه لا يزال عمره ثلاثة أعوام، ولا يعي كيف يحمي نفسه من انتقال الفيروس".

"نجاب طفل آخر في هذا التوقيت هو ظلم لطفليّ الاثنين معاً".

فشلت في عملية الإجهاض الكيميائي وأجرت عملية، تقول عن قسوة شعورها بالتجربة: "كان الأمر صعباً للغاية عليه، لم أكن أتخيل يوماً أن أرفض طفلاً، وكثيراً ما أشعر بالندم على هذه الخطوة، ولكن كلما أتابع الأخبار وكيف يتطور الأمر في بلاد العالم وفي مصر، ووضعي كطبيبة الآن، والمسؤولية المتبعة تجاه كل الأطباء، أشعر أن هذا القرار كان صائباً، فلا يمكن استكمال الحمل دون إصابتي بالفيروس وأنا يومياً في المستشفيات الخاصة بالمصابين".

شهدت بعض دول أمريكا اللاتينية في عام 2016، ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الإجهاض بين النساء، بعد تفشي فيروس زيكا، وأشارت التقديرات حينها إلى أن عدد الحوامل اللاتي يحاولن الإجهاض تضاعف في البرازيل، في حين زاد بحوالي الثلث في بلدان أخرى، وذلك وفقاً لدراسة أجراها باحثون بجامعة أوريغون للصحة والعلوم، بالتعاون مع 5 مراكز بحثية حكومية في الولايات المتحدة، ونشرت نتائجها في مجلةNature Medicine العلمية.

"زادت رغبتي في الأمومة"

على عكس النساء اللاتي أجهضن أنفسهن، هناك من قررن الحمل والإنجاب بعد تفشي فيروس كورونا.

اتفقت روان سمير (27 عاماً) صحفية، ومتزوجة منذ 9 أشهر، مع زوجها أن يؤجلا الإنجاب لعامين، حتى يمنحا بعضهما فرصة العيش دون التزامات أو مسؤوليات، ويكونا متحررين، في حالة فضّلا الانفصال، من وجود الأطفال، لكن الأمر تغير بعد انتشار فيروس كورونا.

بدأت روان في فترة الحجر الصحي في المنزل تشعر بازدياد رغبتها في الإنجاب، وزاد "احتياجها لأن تكون أماً".

"شعرت أنني بحاجة إلى مزيد من الاستقرار، وأن الالتزام تجاه طفلي لا يحتاج لوقت ملائم، بل فقط يحتاج إلى شعوري أنا بالأمر، الكثيرون رأوا أن هذا يعد جنوناً، اختيار هذا التوقيت بالذات للإنجاب هو مجازفة، ولكني قررت أن أتخذ هذه الخطوة ولا أنتظر تعديلاً من الكون قبل اتخاذها"، تقول روان لرصيف22.

وافق زوجها على القرار، وتعاهدا على تشاطر المسؤولية لأمور الرعاية والوقاية والالتزام بالوجود في المنزل، حتى زوال "الكابوس الوبائي".

الرغبة في البقاء

شيوع الفيروس، تهديده للبشر وإثارته لمخاوف عميقة تتعلق بالانقراض، أثار أيضاً في نهى عبد السلام (33 عاماً) تعمل في مجال التسويق الإلكتروني، وتسكن في القاهرة، رغبتها بالإنجاب.

بدأت روان في فترة الحجر الصحي بالمنزل تشعر بازدياد رغبتها في الإنجاب، وزاد "احتياجها لأن تكون أماً"

تقول نهى لرصيف22: "كنت من الذين يشجعون عدم الإنجاب دائماً، وأني لا أستطيع تحمل مسؤولية نفسي حتى أتمكن من تحمل مسؤولية كائن صغير يحتاج من يرعاه دائماً، وهذا السبب كان قراراً مشتركاً بيني وبين زوجي، وبالفعل استمر زواجي عامين ولم أفكر أو أشعر برغبة في الإنجاب خلال هذه الفترة، وتحملت كل التدخّلات المخجلة من المجتمع بشأن عدم إنجابي إلى الآن".

انتشار كورونا دفع رنا للبكاء كثيراً، وهي تشاهد فيديوهات الأطفال، إلى أن قررت "أن الإنجاب وإن كان به مخاطرة الآن، ولكنه السبيل الوحيد لي، خاصة بعد أن أصبحت الأمومة تطغى على تفكيري"، تقول رنا.

تحدثت رنا مع زوجها، وظن الأمر "لخبطة هرمونات وستزول"، ولكن تطورت النقاشات حتى بدأ يشعر برغبتها الشديدة في الحمل، فأصبح داعماً لقرارها.

"الحامل مناعتها ضعيفة"

علَّقت الدكتورة رحاب العوضي، أستاذة علم النفس السلوكي، على الحالة النفسية للنساء وخاصة الحوامل منهن، عند مشاهدتهن لتأثير انتشار فيروس كورونا، قائلة: "المرأة الحامل، بطبيعة الحال، لديها مناعة ضعيفة وتعاني من اضطراب هرموني، لذلك فهي الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب وذلك في الظروف الطبيعية، أما في ظل الظروف الحالية المتعلقة بانتشار الفيروس، الحظر والعزل المنزلي، فهي تحتاج إلى الرعاية النفسية و الدعم النفسي عموماً، سواء من الزواج أو الأهل".

وتُشدّد رحاب على ضرورة الابتعاد عن الأخبار السيئة المتناثرة عبر السوشيال ميديا، ومحاولة الانشغال بأشياء أخرى، مثل حياكة ملابس المولود أو عمل إكسسوارات للزينة، وغيرها من الأمور البسيطة التي يمكن أن تفرغ بها شحنات طاقة، وتقيها من القلق.

كما أن هناك بعض الإرشادات التي يجب أن تتبعها السيدة الحامل، بحسب العوضي، كعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى أو المتابعة مع الطبيب فقط، وذلك لمنع اختلاطها وانتقال العدوى.

ولكن الطبيبة تنصح في النهاية بتأجيل الحمل هذه الفترة، لأن الحامل مُعرَّضة أكثر للإصابة بالعدوى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard