طوابير طويلة ورفوف فارغة... عن التهافت "الهستيري" على السوبرماركت بسبب كورونا

الخميس 19 مارس 202006:13 م

أدّى تفشي فيروس كورونا إلى انتشار الفزع في مختلف البلدان وزيادة الإقبال على شراء الأقنعة الطبية، منتجات التنظيف والمطهرات، الأمر الذي جعل التجّار يتخذون إجراءات صارمة للحد من كمية المنتجات التي يمكن للزبائن شراؤها.

وفي حين أن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، نصحت الكبار في السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة خطيرة، مثل مرض القلب، داء السكري وأمراض الرئة، بضرورة تخزين المؤن من الأدوية الضرورية والإمدادات الطبية، وشراء ما يكفي من الأدوات المنزلية والمواد الغذائية غير القابلة للتلف، وذلك من أجل التقليل من حاجتهم للخروج والتسوق في المتاجر، إلا أن التهافت على الصيدليات والسوبرماركت لم يقتصر فقط على هذه العيّنة من الأشخاص، إذ إن حالة الهلع أصابت جميع الناس بمختلف أعمارهم وظروفهم الصحية، فوقفت الناس في طوابير للدفع، وسط مئات الزبائن الذين كدسوا السلع في عربات التسوق، تاركين وراءهم رفوفاً فارغة.

وبالرغم من أن ورق التواليت مثلاً لا يوفر أي حماية خاصة ضد فيروس كورونا، ولا يعتبر عنصراً أساسياً في حالات الطوارئ الوشيكة، على غرار الحليب والخبز، إلا أنه سرعان ما اختفى من على الرفوف.

فلماذا يهرع الناس إلى شراء وتخزين المنتجات بشكل يفوق احتياجاتهم عند حدوث الأزمات؟ وما هي تداعيات ذلك على الاقتصاد؟

سيكولوجية حمى الشراء

في ظل الكوارث الطبيعية التي تلوح في الأفق، مثل الأعاصير والفيضانات، اتضح أنه كثيراً ما يقوم الناس بتخزين إمدادات الطوارىء، إلا أن أزمة كورونا التي تضرب العالم أجمع، لا تصب في الخانة نفسها.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال ديفيد سافاج، أستاذ مساعد في علم النفس السلوكي والاقتصاد الجزئي في جامعة نيوكاسل في أستراليا، والذي كتب عن العقلانية الكامنة وراء التخزين أثناء أزمة معيّنة: "من المنطقي الاستعداد للكوارث الوشيكة، لكن ليس من المنطقي شراء 500 علبة فاصوليا مطهوة تحسباً لفترة عزل قد تمتد لأسبوعين فقط".

فما هي العوامل النفسية التي تدفع الناس إلى التهافت على الشراء بشكل "هستيري" عند مواجهة الأزمات؟

يفسر بعض الخبراء هذه الظاهرة بالقول إن الإجابة تكمن في الخوف من المجهول، والاعتقاد بأن الاستجابة ينبغي أن تعادل جسامة الحدث، رغم أن ردة الفعل الأمثل في حالة الكورونا هو الوقاية عن طريق القيام بأمور بسيطة مثل غسل اليدين.

شدد ستيفن تايلور، الأخصائي النفسي في جامعة بريتيش كولومبيا، وصاحب كتاب The Psychology of Pandemics، على أن هناك فرقاً واضحاً بين الاستعداد للكوارث وبين الشراء بدافع الهلع.

ففي حالة حدوث إعصار أو فيضان مثلاً، يكون لدى معظم الناس فكرة واضحة عن السلع التي قد يحتاجون إليها في حال انقطاع التيار الكهربائي أو نقص المياه، ولكن المشكلة أن الغموض الذي يكتنف آثار تفشي فيروس كورونا المستجد يدفع الناس للإفراط في الإنفاق.

"من المنطقي الاستعداد للكوارث الوشيكة، لكن ليس من المنطقي شراء 500 علبة فاصوليا مطهوة تحسباً لفترة عزل قد تمتد لأسبوعين فقط"

واعتبر تايلور أن الهلع قد يدفع الناس لبذل كل ما في وسعهم لتهدئة مخاوفهم، مثل الانتظار في طوابير لساعات، أو شراء سلع بكميات تفوق احتياجاتهم.

وأوضح ستيفن أن حمى الشراء تساعد الناس على الشعور بالسيطرة على الموقف: "في مثل هذه الظروف، يشعر الناس بالحاجة إلى القيام بشيء يتناسب مع حجم الأزمة وفقا لرؤيتهم"، مضيفاً: "نحن نعلم أن غسل اليدين وممارسة النظافة هو كل ما علينا القيام به في هذه المرحلة، ولكن بالنسبة للعديد من الناس يبدو أن غسل اليدين هو إجراء بسيط للغاية، لا يليق بهذا الحدث الدرامي، ولهذا يقومون بإهدار المال على سلع على أمل أن تحميهم".

وبالتالي، يمكن القول إن الشراء بدافع الهلع هو حيلة نفسية للتعامل مع الخوف وعدم اليقين، وهي طريقة لتأكيد السيطرة على الموقف.

وبدوره تحدث ديفيد سافاج عن عامل آخر قد يدفعنا للتهافت على الشراء، وهو الخوف من تضييع الفرص، شارحاً ذلك بالقول: "إذا أدركنا لاحقاً أننا بحاجة لورق المرحاض ولم نحصل عليه عندما سنحت لنا الفرصة، فإننا سنشعر حقاً بالسوء".

هذا ويعتبر الخبراء أن عقلية القطيع تلعب دوراً في دفع الناس للشراء عندما يرون غيرهم يتهافتون على المتاجر.

وتعليقاً على هذه النقطة، أشار ستيفن تايلور إلى أن الأخبار التي نقرؤها على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، تبالغ في وصف ندرة السلع، وهذا يدفع الناس للتنافس على شرائها، غامزاً إلى تأثير كرة الثلج: "إذا كان أي شخص على متن تايتانيك يركض نحو قوارب النجاة، فستركض أنت أيضاً نحوها، بغض النظر عما إذا كانت السفينة تغرق أم لا".

مواجهة الموت

في حديثها مع موقع رصيف22، تحدثت الأخصائية في علم النفس رنا الصياح، عن أزمة كورونا المستجدة، معتبرة أن العالم اليوم في مواجهة حدث واقعي، مؤلم وصادم: "الحقيقة أننا نواجه جميعاً فكرة الموت"، على حدّ قولها.

هذا الوباء جعل المرء ينسحب أكثر إلى قوقعته ويفكر فقط بنفسه وبحاجاته، انطلاقاً من مقولة: أنا ومن بعدي الطوفان"

وأوضحت الصيّاح أن تهافت الناس على شراء السلع الأساسية جاء بناء على طلب من الأنظمة والسلطات المختلفة لتخفيف الضغط على السوبرماركت والصيدليات، إلا أن الناس تلقفت الدعوة بطريقة خاطئة، فارتعبت وهرعت إلى شراء السلع وتخزينها وكأنها ستموت في بيوتها: "في ظل الدعوات إلى الحجر الصحي الذاتي للحدّ من انتشار فيروس كورونا، شعر الأفراد كافة بأنهم محاصرون داخل فقاعة، وبالتالي حاولوا ملء الفراغ الذي لا يستطيعون تحمّله، وذلك عن طريق حمى الشراء وتأمين الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب وأدوية...

واعتبرت رنا أن حمى الشراء المسعورة سببها الأساسي بحث المرء عن الاطمئنان، وسط حالة الرعب من تفشي فيروس كورونا في العالم كله: "الوضع يشبه إلى حدّ ما الرضيع الذي يبكي ويئن حتى تطعمه أمه من حليبها، فيسكت ويهدأ تماماً وكأن حالة القلق الداخلي يتم إسكاتها بواسطة الطعام".

هذا وأشارت رنا الصياح إلى أن فيروس كورونا، الذي أكد من خلال انتشاره السريع أن العالم كله عبارة عن قرية كونية صغيرة، فضح الأنانية البشرية وساهم في انهيار العديد من القيم الاجتماعية، شارحة ذلك بالقول: "هذا الوباء جعل المرء ينسحب أكثر إلى قوقعته ويفكر فقط بنفسه وبحاجاته، انطلاقاً من مقولة: أنا ومن بعدي الطوفان"، معتبرة أن هذا التفكير يعكس اعتقاد الإنسان بأن "نزعة الموت ستنتصر في نهاية المطاف على نزعة الحياة".

شح السلع وارتفاع الأسعار

بالإضافة إلى سقوط العديد من القيم الاجتماعية والأنانية التي طفت على السطح، بعدما دفع الهلع من انتشار فيروس كورونا إلى تهافت الناس على الشراء والتخزين، فإن هذه ظاهرة لديها تبعات اقتصادية خطيرة، بحيث أنها تسببت في رفع الأسعار واخراج السلع الأساسية من أيدي أشخاص هم في أمسّ الحاجة إليها، على غرار الكمامات التي يحتاجها العاملون في الرعاية الصحية.

 الشراء بدافع الهلع هو حيلة نفسية للتعامل مع الخوف وعدم اليقين، وهي طريقة لتأكيد السيطرة على الموقف

واللافت أن هذا النوع من السلوكيات يمكن أن يجعل الأمور أكثر سوءاً، بحيث أنه قد يؤدي إلى شحّ السلع، كما حدث في العام 2017، عندما ضرب إعصار هارفي مدينة هيوستن الغنية بالنفط، وتوقفت مؤقتاً إمدادات البنزين والديزل في الولايات المتحدة، إلا أن المشكلة تفاقمت عندما هرع الناس إلى محطات البنزين لملء سياراتهم بالوقود، ما ساهم في ارتفاع أسعار النفط لمدة عامين.

وفي هذا السياق، أكد ستيفن تايلور، أن التخزين غير المنطقي قد يؤدي إلى التلاعب في الأسعار: "إذا تضاعف سعر لفافة ورق التواليت ثلاث مرات، فسينظر إليها المستهلك على أنها سلعة نادرة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى القلق".

واللافت أنه إثر تفشي فيروس كورونا، ارتفعت بالفعل أسعار بعض السلع التي زاد الإقبال عليها بشكل جنوني، إذ كشفت تقارير أن عبوة كمامات الوجه مثلاً، قد تجاوزت قيمتها 100 دولار على مواقع التسوق الإلكتروني، مثل إيباي.

وعليه اتخذت بعض الشركات إجراءات للحد من الممارسات الاستغلالية للمضاربين، فقد أعلنت شركة أمازون على سبيل المثال، أنها حذفت من مواقعها ما يزيد على مليون منتج من المستلزمات الأساسية، بسبب تضليل المستهلك والتلاعب في الأسعار.

نحن متحدون عالمياً في العيش وسط تهديد صحي حقيقي للغاية، فلا شك أن اليقظة والتدابير الاحترازية ضرورية، لكن الذعر يجب ألا يكون جزءاً من هذه التجربة، فمن المهم ضبط النفس والحد من الإجهاد غير الضروري للحفاظ على صحتنا النفسية، كما أنه من المهم أن نعي أن العالم لا يدور حولنا فقط، وبالتالي يجب أن يكون فيروس كورونا درساً للبشر لكي يتناسوا خلافاتهم ويتحدوا جميعاً رافعين راية "الإنسانية أولاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard