"لن تضيّع وقتك هنا"... سحر الجلوس بين "الغرباء" في مقاهي عمّان

الخميس 19 مارس 202005:58 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ الذي أُطلق منذ شهر مارس/أذار 2020, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "داوِ الهمومَ بقهوةٍ سوداءِ... المقاهي العربية".


لطالما كانت المقاهي واحدة من أفضل أماكن التقاء المفكرين والمثقفين، يكتبون فيها كتبهم ومقالاتهم، ويتبادلون أطراف الحديث.

قد يختلف نوع القهوة التي يتم تقديمها في المقاهي حسب كل مكان في العالم، لكن المقاهي نفسها لديها القدرة على تجاوز الحدود واللغات.

شعرت بكل تلك المعاني في زيارة للعاصمة الأردنية عمان، حيث دعاني الكاتب الأردني الساخر، كامل نصيرات، إلى مقهى "ركوة عرب"، في دوار باريس الواقع في جبل اللويبدة.

أنتيكات وكتب ومناقشات ساخنة

يتمتع مقهى "ركوة عرب" بأهمية ثقافية كبيرة تعبر عن هوية الأردن، وتراثه الشعبي الأصيل، وهو مقهى مميز ومفضل لدي المبدعين والمثقفين في الأردن، فموقع المكان وديكوراته الشرقية الجذابة، المقاعد الخشبية، الطاولات، مكتبته التي تمتلئ بالكتب القيمة، الأنتيكات، جدرانه التي تزينت بالصور والسقف الذي تتدلى منه الأزهار، كل ركن وزاوية تأسر العين، إلى جانب الأحاديث الشيقة والمناقشات الساخنة اللتين تجعلانه مكاناً مليئاً بالانسجام والدفء.

أجلس على طاولة وسط الصور القديمة المعلقة على الحائط، فتقع عيني على مقولة لمحمود درويش: "القهوة هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح، والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار".

الآن أدركت لماذا يحب المفكرون الجلوس في المقاهي، فيكفي أن يمتلكوا ورقاً وقلماً لرسم أبطالهم المحتملين من رواد المقهى لقصة جديدة

أحتسي قهوتي السادة، أو المرة، كما يحب أغلب الأردنيين أن يشربوها، أستمع لمناقشات الأستاذ كامل وبعض الأصدقاء، يتحدثون قليلاً في السياسة، ما بين مؤيد ومعارض، ثم ينتقلون بسرعة البرق إلى الحديث عن الفن، ثم يشعرون بالجوع فيتحدثون عن الأكلات الشعبية...

ينتقلون من حديث لآخر بسلالة وود، دون أن تؤثر الاختلافات في الرأي على حالة الحميمية بينهم، يقترب النادل من طاولتنا، ويضع عليها بعض الصحون الفخارية المليئة بالمناقيش التي يتميز بها "ركوة عرب"، ألتقط واحدة منها بالزعتر وأنا أنظر حولي: بعض الوجوه في المقهى مألوفة لي، رأيتهم من قبل على شاشات التلفزيون، والبعض منهم أعرفه عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تختلط اللهجات مع بعضها إلى الدرجة التي لم تعد تميز الأردني من الفلسطيني، والمصري من السوري...

الآن أدركت لماذا يحب المفكرون الجلوس في المقاهي، فيكفي أن يمتلكوا ورقاً وقلماً لرسم أبطالهم المحتملين من رواد المقهى لقصة جديدة.

دفء إنساني وترفيه وتراث

لكن من صاحب فكرة هذا المقهى؟ أسأل أصدقائي، فيجيبون جميعهم في صوت واحد: المثقف عزيز المشايخ، ثم يكمل أحدهم: وهو أيضاً صاحب مقهى "جفرا"، المعروف بوسط المدينة، في شارع الأمير محمد، إنّ المشايخ كانت له نظرة ثقافية واجتماعية وتراثية أيضاً، لأن هناك العديد من أبناء عمان وزوارها والمقيمين فيها ممن يبحثون عن روح عمان القديمة، حيث الدفء الإنساني، المكان العربي والخدمة الترفيهية لقضاء وقت طيب.

سألت أحد الأصدقاء الأردنيين الذي يجلس معنا على الطاولة: هل تأتي إلى هنا باستمرار؟ أجاب: "ركوة عرب هي مكاني المفضل، أرتادها على الأقل مرتين أسبوعياً، فهذا المكان يأخذني إلى عالم آخر، إلى الماضي بصوت أم كلثوم، والجلسة المثمرة مع الأصدقاء، في كل ركن من ركوة عرب توجد حكاية وذكريات، لهذا أجد نفسي في هذا المكان".

وأضاف: "على الرغم من اكتظاظ عمان بالمقاهي، إلا أن لهذا المقهى روح مختلفة، ربما بسبب أصالته واسترجاعه للماضي بأجمل ما فيه، عبر جدارياته أو ربما لأن أغلب رواده من المثقفين والفنانين الذين يشعرونك أن جلستك هنا ليست مضيعة وقت، بل بإمكانك تبادل أطراف الحديث ومناقشة أغلب القضايا على الساحة".

أما صديقتي ميسون، ذات الأصول الفلسطينية، فقالت: "أحب تفاصيل المكان الصغيرة والكبيرة، الطعام، الجلسة والابتسامة على وجوة العاملين، وأَحَبّ الزوايا بالمقهى على قلبي هو جدار الصور، فعندما أنظر اليه أحن للماضي الجميل، مظفر النواب، غسان كنفاني، محمود درويش، مارسيل خليفة، الشيخ إمام، أحمد فؤادنجم، زياد الرحباني، تميم البرغوثي وغيرهم، يالله عندما أجلس بالقرب منهم أشعر بالعظمة".

هل أنت مصرية؟

وبعد أن انتهت جلستنا في "ركوة عرب"، اقترح علينا الأستاذ كامل الذهاب إلى فسحة وسط البلد.

"عندما أنظر اليه أحن للماضي الجميل، مظفر النواب، غسان كنفاني، محمود درويش، مارسيل خليفة، الشيخ إمام، أحمد فؤادنجم، زياد الرحباني، تميم البرغوثي وغيرهم، يالله عندما أجلس بالقرب منهم أشعر بالعظمة"

في وسط البلد كان هناك زقاق مزدحم بالناس، أتساءل ماذا يوجد داخل هذا الزقاق؟ وكانت مفاجأة لذيذة، محل صغير اسمه "حبيبة"، يبيع الكنافة النابلسية الساخنة، رائحة الكنافة الزكية تملأ المكان، أردنا أن نتذوقها.

سألني البائع دون الموجودين: هل أنت مصرية؟

أجبته: هل يبدو علي أني مصرية؟

فيجيب: سمعتك تتحدثين

أجيبه: نعم أنا مصرية

فيقول: طلبك على حسابي.

أبتسم لأصدقائي، فيقول أحد الأصدقاء الأردنيين باللهجة المصرية: "ياعم اعتبرنا مصريين إحنا كمان".

لقد كانت الكنافة شهية جداً رغم أن المحل صغير، لكن عرفت أن هذا هو الفرع الأول لسلسلة محلات حبيبة المنتشرة في الأردن، وله شهرة كبيرة.

"جفرا" المقهى الحكاية

ظللنا نتمشى حتى وجدنا أنفسنا أمام مقهى "جفرا"، وهو لا يختلف كثيراً عن "ركوة عرب"، فهو قبلة المثقفين الأصلية قبل "ركوة عرب"، وأقدم المقاهي الثقافية في عمان، ولطالما سمعت اسم "جفرا" في حكايات فلسطينية شعبية يتداولها الناس في عمان، لكني لم أعرف قصتها، فمن هي جفرا؟ قررنا أن نجلس قليلاً لشرب "كاسة شاي بالنعناع الطازج" الذي يشتهر به مقهى "جفرا" وأسمع الحكاية.

تعود حكاية "جفرا" إلى ثلاثينيات القرن الماضي، في قرية اسمها "كويكات" في الجزء الشرقي من سهل عكا، أن هناك شاعراً اسمه أحمد عبد العزيز على الحسن، يحترف الزجل، تقدم عزيز إلى ابنة عمه، وطلبها للزواج، حيث كان مغرماً بها، وأجبرت على قبول الزواج منه، ولكن بمرور بعض الوقت، طلقها لأنها لم تكن تحبه.

تزوجت ابن خالتها، رغم ذلك ظل عزيز متمسكاً بحبه لها، وغنى الأشعار والقصائد لها، وأطلق عليها اسم "جفرا" حفاظاً على سمتعتها.

ويبدو أنَّ قصته "جفرا" ألهمت صاحب المكان، فقرر أن يسمي المكان باسمها، ولم يكن صاحب "جفرا" فقط هو من ألهمته القصة، فقد تغنى بها الفنان مارسيل خليفة عن قصيدة للشاعر الفلسطيني، عز الدين المناصرة:

جفرا أمي، إن غابت أمي

جفرا الوطن المسبي

الزهرة والطلقة

والعاصفة الحمراء

جفرا إن لم يعرف من لا يعرف

غابة زيتون ورفيق حمام

وقصائد للفقراء

جفرا من لم يعشق جفرا

فليدفن رأسه في الرمضاء.

إنها ليست مقاهي بل قصصاً شاهدة على كل الحكايات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard