أبواب صالحة لكل شيء… من الحبّ إلى الجحيم

الاثنين 9 مارس 202005:39 م

كان البيت جاهزاً تقريباً، كل ما فيه مكتمل وعلى أتمّ استعداد لاستقبال العائلة الصغيرة، لكن كان ينقصه الشيء الوحيد الذي يجعله بيتاً نهائياً، إذ نفدت نقودنا قبل أن ندفع للنجار ثمن الباب، فكان علينا الانتظار أكثر من شهر قبل أن ننتقل إليه، فبيت بدون باب ليس بيتاً، هو مجرد كهف، وكر ذئاب، مساحة ملاصقة للدرج والسطح والفراغ، يصبح بيتاً حين نضع له باباً يقفل على أسرارنا وخطايانا، ضحكنا وبكائنا، صمتنا وصراخنا.

تقول الزوجة: لا أريد أكثر من باب يقفل علينا، يقول النازح: أريد أن أجتمع بأحزاني خلف باب مقفل، يبدو القفل هنا دليلاً إلى السكينة والأمان رغم ما في هشاشة القفل أصلاً، كما علّمنا زوار الليل الذين لا يوقفهم باب مقفول، لكن الباب حاجز، ممر تقف عنده الأشباح، والأسرار أيضاً، فالخفايا بنت الغرف المقفلة، بنت الهمس الناعم خلف باب موصد، والجن لا يستطيعون دخول بيت مقفل إلا إذا دعوتهم بنفسك، ويقال إن العينين نوافذ الروح والفم باب الجحيم، ولنا أن نتخيل حجم الصراع الناشئ في روح شاعر أخرس.

للباب حضور رمزي أكثر منه حضور فعلي حارس، فكل الأبواب تتخلّع، تنفتح، عنوة أو رضى.

أبواب للاختباء، أبواب للبكاء

للباب حضور رمزي أكثر منه حضور فعلي حارس، فكل الأبواب تتخلّع، تنفتح، عنوة أو رضى، بالمنجنيقات كما رأينا في الحروب القديمة، بوجود عميل سرّي خائن يفتحها لتتدفق الجيوش، بالخيانة، بالإهمال، وبالحيلة، تنفتح أعتى الأبواب وأشدها تحصيناً، لكن الباب موجود كي يصنع هذا الفارق بين الخارج والداخل، بين الشديد الخصوصية والعلني، بين المتاح للأعين المارة وبين ما نرغب بإخفائه.

في السجون، وبرغم صلادة الأبواب الخارجية التي تفصل المساجين في الغرف المختلفة عن بعضهم البعض وعن الخارج، إلا أنه من الممنوع عليهم أن ينشئوا خصوصية بأبواب أخرى، كأن يرموا أغطية على أسرّتهم فتصنع شيئاً يشبه الغرفة الصغيرة، فيشعر السجين أنه انفصل عن عالم الضيق نفسه وإن بمساحة أضيق لكنها أرحب بالخصوصية، أرحب بالمقدرة المختفية عن أعين المراقبين لممارسة ما يجعلك أنت أنت، البكاء بدون سبب والضحك المجاني، أولا هذا ولا ذاك، مجرد تحديق بالفراغ واستعادة أيام الحرية المفقودة.

وإذا كانت العينان هي نوافذ الروح، فإن الفَرْج هو باب الحياة نفسها، فبانفتاحه تنفتح الحياة على مساحات مغايرة ومختلفة، واللازمة التي تصاحب "ليلة الدخلة" في حكايا ألف ليلة وليلة: "وجدها درّة لم تثقب"، تحيل إلى كتلة مصمتة، باب مقفل تمّ فتحه بفعل الجنس، فانتقلت الشخصية من عالم الطفولة الضيّق إلى عالم المرأة الواسع الرحب، وهي بهذا الفعل، الحب، الجنس، تفتح أمامها بوابة الحرية نفسها فتعبر آمنة ومستمتعة، والبوابة هنا مرصودة بفعل مفاهيم الشرف، الواهية أيضاً كما هي الأقفال أمام المدافع، فغشاء البكارة الرقيق باب شرف، هش ولكنه موجود، سريع العطب لكنه حاضر ويصنع فارقاً، كشرشف على باب خيمة، بين الداخل والخارج.

تقول الزوجة: لا أريد أكثر من باب يقفل علينا، يقول النازح: أريد أن أجتمع بأحزاني خلف باب مقفل، يبدو القفل هنا دليلاً إلى السكينة والأمان رغم ما في هشاشة القفل أصلاً، كما علّمنا زوار الليل الذين لا يوقفهم باب مقفول، لكن الباب حاجز، ممر تقف عنده الأشباح، والأسرار أيضاً

أبواب مقدسة

قال رسول الله: للجنة ثمانية أبواب، ويذكر أولو المعرفة أسماءها على هذا المنوال بنصوص شرعية: باب الصلاة، الصدقة، الجهاد، الريان وهو للصائمين، الأيمن، التوبة، باب كاظمي الغيظ وباب الراضين، ويستدل أيضاً على أبواب أخرى بإشارات مختلفة لم ترد في حديث: باب الشعراء الموتى، باب التيه في الهزيع الأخير من الحياة، باب النسوة الخالدات في إعداد السلطة، وباب الدمعة الغامقة.

كما يورد بعض المتفقهين أبواب الجحيم كما نهي إليهم وهي سبعة، حيث يختص كل باب بطبقة من طبقات الجحيم، ولو عرف العلماء في ذلك الوقت الحياة تحت حكم العائلات المقدسة لاكتفوا بباب واحد، هو باب الحزب القائد.

بالرغم من عدم الحاجة إلى هذا العدد الهائل من الأبواب وهذه المساحة المبالغ بتقديرها، إلا أن أبواب الجنان الواسعة لا تحيل إلى ضيق، فبالرغم من حجمها الهائل إلا أنها مخصصة لنوعية معينة من المؤمنين، كالصادقين أو المصلين أو المجاهدين، فيرد أن المسافة بين مصراعي الباب الواحد من أبواب الجنة هو مسير فارس لمدة سبعين عاماً، ونفس الاعتبار بالنسبة للمدن، فدمشق صاحبة الأبواب السبعة تضيق أبوابها حتى لتصبح نقطة في أعين فقرائها، لكنها تفتح حدّ تخلّع الخشبات أمام أغنيائها ومتنفذيها، والجنة نفسها لا تحوي هذا التقسيم المفاتيحي لمؤمنيها، لكنها تقسم دخولهم، فمن كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دخل من باب الصدقة، ومن كان يفعل كل ذلك فيدخل ويخرج من كل الأبواب، كما ورد على لسان الرسول، وحقيقة لا أعلم الغاية من هذا الدخول والخروج المتكرر من أبواب ضخمة لهذا الحد، أليس من الأجدى اختراع بطاقة ذكية واحدة تتيح للمؤمنين الدخول من أي مكان، لكن للرب، كما تعلمون، طرق غامضة في الحساب كما في الثواب.

وأيضاً، من الغرابة عدم تطابق أبواب الجنة مع أبواب الجحيم، إذ تتفوّق الجنة بباب إضافي!، ربما هو ليس بباب، ربما نفق فحسب، حفره أحد الهاربين من كثرة الحرارة في الجحيم.

الحجم الهائل لأبواب الجنة مختلف عليه في أحاديث عدة، وبالغ بعض المتحدثين بوصف تلك الأبواب حتى قيل لأحدهم: مالك تتحدث عن أبواب الجنة كأنك زرتها وأورثك فيها أبوك منزلاً، فردّ الفقيه: ومالك "مبعوص" كأني ورثت من مال عائلتك؟

في خروجي الأخير من مدينتي، وأنا أنظر إلى البيت الذي احتوى طفولتي ويفاعتي وشبابي أيضاً، كان الليل آخذاً بالانحسار، وأمي وأبي يقفان على المدخل لوداعي، كانا يبدوان كدرفتي باب عتيق، مشققين وهرمين، حزينين وآسفين، لكن أيضاً صلدين كما ينبغي لبوابة بيت أن تكون: الأهل أيضاً أبواب

الأبواب المفتوحة على أبواب مغلقة

تظن صديقتي اسمهان، وهي مصورة فوتوغرافية تعشق تصوير الأبواب العتيقة، أن الأبواب مثل الطرقات، يمكن أن تقفر ويمكن أن تنتهي إلى هاويات، يمكن أن تظلم وأن تحزن، أن تتشقق من الهجران وتتفسخ من الألم، يمكن أن تبكي أيضاً، ولو أن الأمر يحيل إلى عاصي حلاني وبابه الدامع، إلا أن الأبواب كالبشر فعلاً، تتبدأ متينة ونضرة ثم تهرم من الخسارات، إذ أن الأبواب في وطن يدعى سوريا اختصرت إلى بابين اثنين أحدهما يفضي إلى النزوح والآخر يفضي إلى الموت، لكأنما اختصر البيت الذي كان ملعب أنسام وممشى مرح إلى فراغات صغيرة، بالكاد تستطيع أن تمرّ منها ذكريات الأطفال اللاهين.

في خروجي الأخير من مدينتي، وأنا أنظر إلى البيت الذي احتوى طفولتي ويفاعتي وشبابي أيضاً، كان الليل آخذاً بالانحسار، وأمي وأبي يقفان على المدخل لوداعي، كانا يبدوان كدرفتي باب عتيق، مشققين وهرمين، حزينين وآسفين، لكن أيضاً صلدين كما ينبغي لبوابة بيت أن تكون: الأهل أيضاً أبواب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard