"جدباء وحاقدة"... عن معاناة العاقر في الجزائر

الاثنين 2 مارس 202004:43 م

"تلاحقني نظرات الشفقة والازدراء أينما كنت، وتلتصق بي عبارات، وأمثال شعبية قاسية، سواء من طرف زوجي أو والدته وشقيقاته"، تقول فتيحة الأربعينية، التي عانت من سوء معاملة زوجها ووالدتها، وحتى أقاربها ومحيطها.

تروي فتيحة، موظفة من منطقة رويبة، لرصيف22 أنها تزوجت عندما كانت في الثامنة عشر من عمرها، وأنها عانت كثيراً من سوء معاملة والدة زوجها، وشقيقاته كونها لم تحمل في أيامها الأولى، وتقول إنَّ "الزوجة في أيامها الأولى تبقى محط أنظار أقاربها، ومحيطها العائلي، وتفاقمت المعاناة بعد مرور ثلاثة أشهر على الزواج، حتى أصبحت أحسّ أنني اقترفت جريمة أو ذنباً لا يغتفر".

وتتابع فتيحة: "من كثرة التعليقات التي أصبحت تطالني بين دقيقة وأخرى، تغيرت معاملة زوجي معي، فبمجرد إصابتي بوعكة صحية، كان يظن أنني حامل، ولما يثبت العكس يصاب بالجنون ويعنّفني، وبقي على هذه الحالة لغاية مرور عام على زواجنا".

في إحدى المرات افتعل زوج فتيحة عراكاً معها، ثم أرجعها إلى بيت أهلها، وطلقها، وبعد مرور ستة أشهر تزوج للمرة الثانية، تقول: "رغم ذلك بقيت متمسكة بأمل العودة لأنني كنت متعلقة به كثيراً".

"عند ولادة مولود جديد في العائلة، تسارع والدة زوجي لتخبرني وتسمعني كلاماً قاسياً، وكانت ترفض أن يقترب مني أحفادها، وتنعتني دائماً بأنني امرأة حاسدة، وحاقدة، وعديمة الجدوى"

"انقضت السنة الأولى من الزواج مع الزوجة الثانية دون أن تحمل فتيحة، وقرر تطليقها، غير أنها طالبته بإجراء فحوص طبية للتأكد من سلامته، وبعد إجرائه الفحوصات تأكد أنه مصاب بالعقم، وبعدها تخلت عنه زوجته، وفكر في إرجاعي بعد أن وجد نفسه وحيداً" تضيف فتيحة.

"حاسدة وحاقدة"

إلهام، في الثلاثينيات من العمر، من محافظة سطيف شرق الجزائر العاصمة، مرت ثماني سنوات على زواجها ولم تنجب، فعلى الرغم من تأكيد الطبيبة أنها لا تعاني من أي مشاكل إنجابية أو صحية، غير أنها كانت مضطرة لتحمّل الكلام القاسي، وسوء معاملة الأقارب، خاصة أهل زوجها وجيرانها.

وتقول إلهام لرصيف22 إنها كانت ترفض أن تكشف أن زوجها يعاني من العقم، "نحن في مجتمع ذكوري، وأن يقرّ الرجل بأنه لا ينجب أطفالاً بمثابة وصمة عار في حياته".

"أن يقرّ الرجل بأنه لا ينجب أطفالاً بمثابة وصمة عار في حياته".

وتضيف إلهام: "عند ولادة مولود جديد في العائلة، تسارع والدة زوجي لتخبرني وتسمعني كلاماً قاسياً، جارحاً، يمزق قلبي، وكانت في كل مرة تهددني بإقناع ابنها بالزواج مرة ثانية، وكانت ترفض أن يقترب مني أحفادها، وتنعتني دائماً بأنني امرأة حاسدة، وحاقدة، وعديمة الجدوى لا أنفع لشيء".

تشرح إلهام طبيعة مجتمعها كما فهمته من تجربتها: "المرأة المتزوجة في المجتمع الجزائري لا تعني شيئاً دون أطفال، فالإنجاب في المرحلة الأولى هو العامل الوحيد الذي يوفر لها الاستقرار الأسري، فكل من لم تنجب في عامها الأول أو الثاني يكون مصيرها الرجوع إلى بيت أهلها، فالمجتمع الجزائري يشدد على الزواج بالمرأة القادرة على إنجاب الأطفال، خاصة الذكور، رغم أن هذا الأمر ليست المرأة هي المسؤولة عنه، فبهذين العاملين يقوى الرجل وتكتمل رجولته، أما المرأة التي لا تنجب فلا تساوي شيئاً في مجتمعنا".

"تحولت لفأر تجارب بعد الزواج"

سميرة، سيدة جزائرية في العقد الرابع من عمرها، من منطقة بئر توتة، تقول لرصيف22، إنها تحولت إلى "فأر تجارب" خلال السنوات العشر الأولى من زواجي، فخضت في عالم الأعشاب الطبية بعد أن أثقلت الفحوصات الطبية كاهلي، بسبب المبالغ المالية الكبيرة التي يتطلبها علاج العقم في الجزائر، غير أن حلمي بحمل طفل بين ذراعي لم يتحقق، وتفاقمت معاناتي مع زوجي وأهله.

وتضيف سميرة لرصيف22، إن زوجها في البداية تقبل أمره، غير أنه وبمرور الوقت أصبح يوجه لها أنواعاً مختلفة من الإساءات أمام أهله، سواء بالتجريح أو بالحديث المستمر عن زواجه من امرأة ثانية، ناهيك عن معاناتها مع أهل زوجها، خاصة والدته التي كانت تلذعها بالكلمات، وتنعتها بـ"الجدباء التي لا تصلح لشيء"، وهو ما فاقم من أزماتها النفسية، خاصة بعد أن فشلت عمليات التلقيح الاصطناعي التي أجرتها، والتي كلفتها حوالي 65 ألف دينار جزائري، أي حوالي 4000 يورو.

وارتفعت ظاهرة العقم في الجزائر مؤخراً، حيث كشف دراسات في ملتقى نُظّم سنة 2017، في محافظة وهران غرب الجزائر العاصمة، عن ارتفاع نسبة العقم في الجزائر من 15 إلى 20 بالمائة في السنوات الأخيرة.

وحسب التقارير ذاتها، فإن العقم في الجزائر لم يعد ظاهرة مرضية مسجلة عند النساء فقط، بل أصبح قطاع عريض من الرجال يعانون منها، وذكرت التقارير ذاتها أن هذه الظاهرة أفرزت العديد من الانعكاسات السلبية على الجزائريين، وخاصة الأسر الحديثة التي تتأثر سريعاً بمشكل عدم الإنجاب، مما ساهم في تفاقم ظاهرة الطلاق في المجتمع الجزائري.

"المرأة المتزوجة في المجتمع الجزائري لا تعني شيئاً دون أطفال، فالإنجاب في المرحلة الأولى هو العامل الوحيد الذي يوفر لها الاستقرار الأسري، فكل من لم تنجب في عامها الأول أو الثاني يكون مصيرها الرجوع إلى بيت أهلها"

تعلّق الحقوقية والباحثة في شؤون الأسرة، فيروز سلال، في تصريح لرصيف22: "مسألة ضعف الإنجاب ساهمت من الناحية الاجتماعية بشكل كبير في ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع الجزائري".

وتشدد سداد على أن المشرع الجزائري لم يتطرق لهذه الحالات، ولم يذكرها صراحة في مواد قانونية، وإنما ضمنياً، قد تكون من الأسباب الرئيسية لتعدد الزوجات، وغالباً ما تكون المرأة هي الأكثر تضرراً، لأن المشرع ترك ثغرة، وبيّن أن المرأة غير محمية في جوانب كثيرة كان عليه الالتفات إليها.

"المرأة الجزائرية غير محمية في جوانب كثيرة من الناحية القانونية".

وفي غالب الأحيان، تقول فيروز سلال، إن القضاة في الجزائر يدعون الأزواج إلى التريث والصبر، خاصة وأن الكثير منهم نجحوا في الإنجاب بعد 5 سنوات عن طريق العلاج أو التلقيح الاصطناعي، كتقنية طبية حديثة للإنجاب، بالتعديل الحاصل في 27 فبراير / شباط 2005، والذي أحدث قفزة في موقف المشرع الجزائري مقارنة بما كان عليه.

أما الناشطة دليلة حسين، فتشدد في تصريح لـرصيف22 على أن المرأة العاقر في المجتمع الجزائري تخيّر بين العيش مع ضرّة أو العودة إلى بيت أهلها "غير مأسوف عليها".

وتضيف حسن أنه حتى وإن كانت المرأة " كاملة مكملة " في كل شيء فنجد العاقر تعاني من ظلم وقهر الرجل، خاصة في المناطق المحافظة، لعدة أسباب أبرزها أنّه لا يُنظر إليها كشريكة له.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard