عن متلازمة التكفير والإرجاء، ولماذا صرنا مغرمين بتقمص دور أوزير؟

الاثنين 2 مارس 202003:27 م

أثارت وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، الكثير من المناقشات والمجادلات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استهجن الكثير من المصريين الدعاء للمتوفي بالرحمة والمغفرة، وعدّوا ذلك الفعل معبراً عن حالة النسيان الجماعي لأهداف ومسببات ثورة 25 يناير، والتي لم تقم بالأساس إلا للإطاحة بمبارك عن كرسي السلطة الذي اعتلاه لفترة ناهزت العقود الثلاثة.

المناقشات الجدلية حول جواز الترحم على الأموات والسؤال عن مصيرهم في الآخرة، كان قد تصاعد في الآونة الأخيرة، تزامناً مع تكريم الطبيب المصري المسيحي، مجدي يعقوب، في الإمارات، بعدما نُسب إلى بعض رجال الدين المسلمين القول بأن علم يعقوب وجهوده المضنية في علاج الأطفال لن تشفع له في دخول الجنة، وأن النار هي مصيره المنتظر، إذا لم يعتنق الإسلام قبل وفاته.

القراءة المعمقة للجدل المصاحب للحادثتين، من شأنها أن تكشف بعض الإشكاليات الأكثر إلحاحاً وتأثيراً في الذهنية العربية الجمعية المعاصرة، كما أنها توضح تأثير الظرفية السياسية في تشكيل وتكييف المخيال الديني الشعبي، وكيف تغيرت المعتقدات المصرية في المسألة، من إيمان كامل بأن تقرير المصير الأبدي للإنسان متروك بيد الإله وحده، إلى ميل لإصدار الأحكام الاستباقية، ومصادرة الحق الأصيل في الاختلاف والتنوع العقائدي.

في الميثولوجيا المصرية القديمة: أوزير وحده من يصدر الحكم

بداية، من اللافت للنظر أن مسألة الحكم على الميت في الحضارة المصرية القديمة، وتقرير مصيره الأبدي، سواء كان الجنة أو النار، كان أمراً شديد الخصوصية والتعقيد، إذ لم يكن من اليسير أن يتصدى له عامة الناس، بل كان ثمة اعتقاد بأن تقرير المصير سيتم في الدار الآخرة، بعدما تنعقد محاكمة عادلة لكل فرد على حدة، أمام لجنة إلهية مقدسة مكونة من 42 إلهاً، يترأسهم الإله أوزير، إله البعث والحساب ورئيس محكمة الموتى.

بحسب تلك الصورة الذهنية المتخيلة، فأنه يتم وضع قلب المتوفي في كفة ميزان وعلى الكفة الأخرى توضع ريشة إلهة العدالة "ماعت"، وتوجه إلى الإنسان مجموعة من الأسئلة التي ستحدد مصيره، ومنها: "هل حفظت جسدك طاهراً؟ هل قتلت نفساً بغير حق؟ هل عذبت حيواناً؟ هل تعلقت بالدنيا بسلاسل من ذهب؟ هل عميت عن أمور الآخرة؟ هل صنت نفسك ولسانك عن الشهادة الزور؟ هل عرفت السحر الأسود ودنست نفسك؟ هل خنت جارك أو صديقك الذي ائتمنك على عرضه وبيته؟ هل اعتنيت بالنباتات؟ هل عاملت الحيوان بالرفق؟ هل استمعت لصوت الضمير؟ هل كرهت إنساناً؟ هل جلبت الرضا لقلب أمك والشرف لبيت أبيك؟ هل أعطيت خبزاً للمحتاج؟ هل امتدت يدك لسرقة؟ هل كنت في أي حال تكذب؟"، إلى آخر تلك الأسئلة التفصيلية التي تعمل على رسم صورة تفصيلية مكتملة للفترة التي قضاها الإنسان على الأرض. وبحسب الميثولوجيا المصرية القديمة، فأن أوزير يصدر حكمه في نهاية المحاكمة، وبناء عليه، إما أن يدخل المتوفى للجنة، وإما أن تتحول وجهته إلى النار.

كان ثمة اعتقاد في مصر القديمة بأن تقرير المصير سيتم في الدار الآخرة، بعدما تنعقد محاكمة عادلة لكل فرد على حدة، أمام لجنة إلهية مقدسة مكونة من 42 إلهاً، يترأسهم الإله أوزير، إله البعث والحساب ورئيس محكمة الموتى

من الخطاب الفردي إلى الخطاب الجماعي

أما إذا ما انتقلنا للبحث عن أصول تلك الإشكالية في الثقافة الإسلامية، فسنجدها ناتجة بالأساس من رحم الجدل الدائر بين السياسي والديني، والظواهر المنبثقة عنه عبر التاريخ الإسلامي.

من المهم أن نميز هنا بين مستويين من مستويات الخطاب الديني الإسلامي، المستوى الأول فردي، شغله الشاغل هو العمل على إقامة علاقة رأسية ثرية بين الإنسان والله، وهي علاقة روحية بالمقام الأول، يتم تأطيرها من خلال الطقوس التعبدية الفردية، أما المستوى الثاني فهو مستوى جماعي، يخاطب به عموم المسلمين، وتقام فيه الشعائر الجماعية في سبيل خلق حالة من حالات الهوية المشتركة.

الباحث في تاريخ الإسلام، سيلاحظ أن الملمح الفردي كان هو الملمح الغالب في الفترة المبكرة من الإسلام، ولكن ومع مرور الوقت، ومع تأسيس الدولة الإسلامية ونجاحها في التوسع والتمدد على مساحات واسعة شرقاً وغرباً، تعاظم الملمح الجماعي، حتى غلب على الشكل العام للخطاب الإسلامي، فصبغه بصبغته، وسيطر على أغلبية طقوسه وشعائره.

من هنا يمكن أن نفهم الأهمية الكبرى التي أولاها هذا الخطاب لفكرة الجماعة، فهي حاضرة في اسم المذهب الغالب على المسلمين "أهل السنة والجماعة"، وهي مميزة لطقسهم الأكثر قداسة، صلاة الجماعة وصلاة الجمعة، كما أنها في الوقت ذاته، دخلت في التقعيد لواحد من أهم مصادر التشريع أي الإجماع.

الحاجة الملحة إلى الخطاب الجماعي، صارت مع الوقت من ثوابت الدين وركائزه التي لا يمكن الاستغناء عنها، ولما كان "الخلق شهود الحق" بحسب الأثر المنسوب إلى الرسول، فقد صار الفرد يحتاج إلى تعديل من الجماعة في سبيل استصدار شهادة إيمانية له بحسن دينه وبتقواه، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك الحديث الوارد في مسند أحمد بن حنبل: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان"، وهو حديث مشهور اعتاد رجال الدين والشيوخ ترديده على مسامعنا حيناً بعد آخر، في سبيل دعم التوجه الديني الجماعي الرافض للتنوعات والاختلافات الفردية، رغم أن أغلب الدراسات الحديثية تؤكد ضعفه. وهكذا صار الإيمان قضية مجتمعية بامتياز، وفقد أهم سماته الفطرية والمتمثلة في خصوصيته وعلاقته الرأسية المباشرة مع الله وحده.

هذا التعامل الفج مع القضية الإيمانية بوصفها حدثاً تشاركياً جماعياً، أطلق العنان لما عرف في الاصطلاح الشرعي باسم "التألي على الله"، والذي يعني أن يقوم شخص ما بإصدار أحكام من سلطة الله وحده، وذلك رغم أن الكثير من النصوص الواضحة، قد حذرت من مغبة الوقوع في تلك المعصية، ولعل من أوضح تلك النصوص، الحديث الوارد في سنن أبي داود، والذي جاء فيه: "كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوماً على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار...".

التكفير: من الديني إلى الدنيوي

نزعة التألي على الله، التي انتشرت في الأوساط الإسلامية على مر العصور، بشكل أو بآخر، وجدت طريقها إلى السلطة منذ فترة مبكرة، فصارت سلاحاً ماضياً يشهره الحكام في وجوه معارضيهم مع كل فرصة مواتية.

نزعة التألي على الله، التي انتشرت في الأوساط الإسلامية على مر العصور، بشكل أو بآخر، وجدت طريقها إلى السلطة منذ فترة مبكرة، فصارت سلاحاً ماضياً يشهره الحكام في وجوه معارضيهم مع كل فرصة مواتية

في بعض الأحيان، تدثرت تلك النزعة بثوب الفضيلة، فتسمّت بـ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وفي أحيان أخرى أخذت شكلاً قانونياً فقهياً منظماً تحت عنوان "الحسبة"، لكن تغيير المسميات لم يحل على الإطلاق من إشكالية الافتئات المستمر على الله، ومصادرة حق الفرد في اختيار طريقة وطبيعة علاقته بإلهه، ومن ثم تمظهرت تلك الإشكالية في صور عدة، منها التكفير والتخوين والتفسيق.

الحكام الذين عرفوا ما في الدين من قوة مقدسة قادرة على شرعنة المدنس وتحويله إلى مقدس، استمدوا من المجال الديني مجموعة الاتهامات، وأسقطوها على المجال الدنيوي، فقضوا على أعدائهم السياسيين تحت راية الله، ولم يرفعوا سيوفهم في ساحات المعارك إلا بعد استصدار فتاوى بكفر منافسيهم، وهكذا تأصل في العقل السياسي الإسلامي ضرورة التفتيش داخل ركام منظومة الأحكام الفقهية الموغلة في القدم (المجال الديني) عما من شأنه أن ينفعهم في حياتهم الآنية (المجال الدنيوي).

في المحاكمة الشعبية لوفاة الرئيس المصري السابق، نستحضر الإرجاء، هي نزعة ترفض الحكم على الساسة، وتمتنع عن انتقادهم أو تخطئتهم، وترجئ كل الأمور الإشكالية الجدلية المرتبطة بتصرفاتهم إلى الدار الآخرة، ومن هنا كانت يقدم حلاً سحرياً للمجتمع المأزوم

الإرجاء: من الدنيوي إلى الديني

إذا كانت نزعة التكفير قد استخدمت بالأساس من قبل الساسة لحماية عروشهم، فأنها ما لبثت أن وجدت طريقها إلى العوام، الذين استخدموها ولجأوا إليها لحماية معتقداتهم وأعرافهم، تلك التي اصطبغت بحكم التقادم بالصبغة الأرثوذكسية.

ولكن إذا كان القول بالتكفير قد انتقل بشكل رأسي هابط من قمة الهرم المجتمعي أي الحكام، إلى قاعدته العريضة أي العامة، فأن هناك ظاهرة موازية، اخذت الاتجاه المعاكس، ونقصد بها ظاهرة الإرجاء، والتي وضعت بذورها عند الرعية، ثم نمت فيما بعد، لتباركها السلطة وتحصد زرعتها الأولى.

الإرجاء، هي نزعة ترفض الحكم على الساسة، وتمتنع عن انتقادهم أو تخطئتهم، وترجئ كل الأمور الإشكالية الجدلية المرتبطة بتصرفاتهم إلى الدار الآخرة، ليفصل الله فيها بموجب حكمته وعلمه، وتستند تلك النزعة لمجموعة من النصوص، ومن أهمها الآية رقم 106 من سورة التوبة: "وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".

الإرجاء بتلك الصورة، كان يقدم حلاً سحرياً للمجتمع المأزوم للخروج من مأزق الفتنة التي وجد نفسه فيها، بعد نشوب الحرب الأهلية بين الصحابة، إذ لم يعد يتوجب عليهم تحمل عبء الاختيار بين هذا المعسكر أو ذاك، وصار في وسعهم إضفاء الصبغة الدينية المقدسة على موقفهم السياسي السلبي، الذي فرضته عليهم مقتضيات الأمر الواقع والسطوة المطلقة لأمراء الحرب المنتصرين.

يمكن القول إذن إن الأرجاء قد نقل إشكاليات السياسي الدنيوي، إلى فضاء المتخيل الآخروي الديني، فكان بذلك معادلاً نموذجياً للتكفير، وإن كان على الجهة المقابلة منه.

خطورة الإرجاء تتمثل في أنه قد ساهم بشكل مؤثر في رفع أي قيد شعبي على الحاكم، فقلل بذلك من دور المحكومين في العمل السياسي، وبالغ في تهميشهم بعدما صاروا مجرد رعية، وجب عليهم الانقياد لولي الأمر.

من هنا فأننا نلاحظ أن السلطة قد رحبت بالإرجاء، بل ونسب إلى الخليفة العباسي عبد الله المأمون، قوله المشهور: "الإرجاء دين الملوك"، وصارت النزعة الإرجائية أحد العناصر المستترة داخل تركيبة العقيدة السنية الأرثوذكسية، وتجلى تأثيرها في اجتماع السواد الأعظم من علماء السنة على ضرورة السمع والطاعة للحاكم المسلم، واعتباره من أولياء الأمر الشرعيين الذي أوجب الله الانقياد لهم والانصياع لأوامرهم.

كان كل من التكفير والإرجاء إذن، وجهين لعملة واحدة، ورغم التعارض الواضح والتناقض الصريح في موقف كل منهما من تقييم علاقة الفرد بربه ومراقبة التزامه بأداء وطقوس وشعائر الدين، إلا أنهما في الحقيقة قد اتفقا مع بعضهما البعض، في كونهما يمثلان ردة فعل واستجابة مباشرة، متوافقة أو معادية، مع وضع سياسي مأزوم، لا يُسمح فيه بإبداء الرأي أو التعبير بحرية عن موقف من السلطة الحاكمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard