التظاهرات العراقية في "زمن الكورونا"... "الحكومة والميليشيات أخطر"

الاثنين 2 مارس 202011:49 ص

يواصل العراقيون في بغداد ومدن أخرى تظاهراتهم المنتفضة ضد الفساد والطبقة السياسية والبطالة ونقص الخدمات والمحاصصة السياسية، منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، برغم إعلان وزارة الصحة تسجيل عدة حالات إصابة بفيروس كورونا في عدة محافظات.

منذ بدء التظاهرات، يواجه المحتجون العنف المفرط من قبل السلطات العراقية والميليشيات الموالية لإيران، واستخدمت لكبحهم كافة الطرق بدءاً من حجب الإنترنت وإضعاف شبكات الاتصال، وصولاً إلى قتل واختطاف الناشطين وتعذيبهم. ولكن كل ذلك زاد من زخم التظاهرات المطلبية.

والآن، مع ظهور فيروس كورونا، الذي ظهر لأول مرة في 12 كانون الأول/ ديسمبر الماضي في مدينة ووهان الصينية، يحاول كثيرون استخدام مخاطر تفشيه، ووصوله إلى العراق نتيجة دخول زائرين قادمين من إيران إليه، للتأثير على عزيمة المتظاهرين.

في 25 شباط/ فبراير الحالي، نشر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تغريدة على تويتر يدعو فيها المتظاهرين إلى التوقف عن التظاهر قائلاً: "دعوت لمظاهرات مليونية واعتصامات ضد المحاصصة واليوم أنهاكم عنها من أجل صحتكم وحياتكم فهي عندي أهم من أي شيء".

هذه التغريدة فسرّها المتظاهرون على أنها محاولة يريد الصدر من خلالها استغلال وجود حالات إصابة فيروس كورونا لإعطاء رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي فرصة لتشكيل حكومته.

وكان مقتدى الصدر قد سحب أنصاره من "القبعات الزرقاء" من ساحات التظاهرات المناوئة للسلطة، بعدما كان يدعمها، وانقلب على المتظاهرين بعد تكليف رئيس الوزراء الحالي، القريب منه، ثم عاد مرة أخرى ودعا أنصاره للعودة إلى الساحات، ما أثار ذعر المتظاهرين من محاولته السيطرة عليها لإخراجهم منها.

بعض من المتظاهرين أبدى تخوفه من انتشار الفيروس بينهم وآخرون اعتبروا أنه ليس أخطر من الموت الذي يلاحقهم بشكل يومي في ساحات التظاهر في عموم العراق.

طبيبة تعالج متظاهراً مصاباً في بغداد

التخويف من الكورونا لم يحدث تأثيرات كبيرة في أوساط المتظاهرين، إذ تعهّدوا بمواصلة حراكهم المطلبي، مؤكدين عدم تأثر ثورتهم بالفيروس المستجد، واستمرار مطالبتهم بإصلاحات سياسية شاملة أهمها انتخاب شخصيات سياسية كفوءة، تغيير الدستور، والمضي نحو انتخابات مبكرة.

رغم ذلك، سارع المتظاهرون في المحافظات العراقية، ومنها محافظة البصرة، إلى اتّباع تعليمات السلامة لحماية أنفسهم من خطر الفيروس، فلبسوا الكمامات الواقية وحثوا على التقيّد بالتعليمات الصحية التي نشرتها كل من منظمة الصحة العالمية، وعممتها وزارة الصحة العراقية عبر وسائل الإعلام المختلفة.

طبيبة تسعف متظاهراً

"الميليشيات أكثر خطورة من كورونا"

رغم الهلع الذي أحدثه كورونا بين العراقيين، ألا أن المتظاهر علي ليث عبد الأمير (17 عاماً)، من محافظة البصرة، جنوب العراق، لم يتردد في استمراره بالتظاهر.

يقول: "أنا أعرف بشكل جيد أن فيروس كورونا خطر على حياتنا، ولقد رأينا الرصاص ومختلف أساليب القتل ولم نتراجع. هو ليس أخطر من الحكومة وميليشياتها، ولهذا لم أفكر بالعودة إلى المنزل. تركي لساحة الاحتجاج سيضعف من زخم الثورة التي أمضيت شهوراً في ساحاتها وأنا أطالب بحقي".

"لن يوقفنا كورونا، فما مرَّ علينا خلال الأشهر الأربعة الماضية أسوأ بكثير منه. حقاً لا أعتبر هذا الفيروس تهديداً جدياً مثل تهديد الأحزاب التي سرقتنا وقتلتنا منذ عام 2003 على حياتنا"

ومنذ اندلاع التظاهرات، قُتل ما لا يقل عن 600 شخص وجُرح أكثر من 25 ألفاً آخرين، على أيدي قوات مكافحة الشغب العراقية وحملات منظمة من قبل جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.

يتساءل علي: "أنا أتظاهر منذ انطلاق التظاهرات ولم أقضِ يوماً واحداً في المنزل، فكيف بهم يريدوننا البقاء في بيوتنا؟"، ويضيف: "لو كانت صحتنا تهم الحكومة فعلياً، لما قتلونا في ساحات التظاهر. أنا أعتقد أن الحكومة فرحت بدخول الفيروس. كانت تظن أنه سيضعف الحراك الشعبي، ولكنهم مخطئون تماماً".

متظاهرون في بغداد

"الوعي ساعدنا في أن نستمر في التظاهرات، ونحمي أنفسنا من كورونا. أنا ألبس الكمامة قبل أن يدخل كورونا العراق. لبستها للوقاية من الغاز المسيل للدموع الذي اعتادت السلطات إطلاقه علينا"، يقول علي ويتابع: "ألف نوع مثل فيروس كورونا لا يمكنها أن تكبح تظاهراتنا طالما لدينا حق، وسنأخذه آجلاً أم عاجلاً".

التظاهر في زمن الكورونا

"لا أشجع على استمرار التظاهرات، وخاصة في المناطق التي سجلت فيها إصابات بالكورونا، ولكن هناك إصرار كبير على ديمومة روح الحراك، ولهذا أجد من الضرورة ارتداء الأقنعة والقفازات أثناء التجمع في ساحات الاحتجاج"، يقول القاسم أحمد (24 عاماً)، ناشط مدني من بغداد.

ويضيف: "دائماً نقوم بالتحشيد الجماهيري على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل دعوة الناس إلى الساحة، وبرغم تسجيل حالات إصابة بالفيروس، لا نزال نخرج بأعداد مهولة كسرت كل توقعات انحسار موجة التظاهر".

وعن علاقة كورونا بالتظاهرات، يقول القاسم: "تحاول الحكومة دائماً استغلال الأزمات المستجدة لإطفاء نار الثورة ولكنها لم تنجح بذلك أبداً"، لافتاً إلى أن "الحكومة العراقية أصدرت عدة قرارات للوقاية من المرض كان من بينها عدم التجمع في الساحات العامة والمقاهي ودور السينما ودور العبادة".

مسعفات في بغداد

"كل الجهات المعادية للثورة تحاول استغلال الظروف الاستثنائية للإطاحة بعزم الشباب ولعل أبرز هؤلاء مقتدى الصدر"، يضيف القاسم ويتابع: "منذ اليوم الأول الذي وصل به الفيروس إلى الدول التي لها حدود مباشرة مع العراق مثل الكويت وإيران، ظهر مطلبنا الجديد وهو غلق الحدود مع البلدان التي أعلنت انتشار إصابات فيها".

وحول تغريدة الصدر المذكورة، يقول القاسم: "لدى مقتدى أساليب رخيصة لسرقة أو حرف مسار الثورة، حسبما يشتهيه هو، لا حسبما يتطلبه الوضع الحالي، وعندما دعا إلى وقف التظاهرات لم يفعل ذلك حباً بالمتظاهرين ولا من أجل سلامتهم بل لإنهاء الثورة".

"القناص والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والطائفية بحد ذاتها كانت أخطر علينا من فيروس كورونا، ومع ذلك لم تقلل من همتنا وعزيمتنا"

"لن يوقفنا كورونا، فما مرَّ علينا خلال الأشهر الأربعة الماضية أسوأ بكثير منه. حقاً لا أعتبر هذا الفيروس تهديداً جدياً مثل تهديد الأحزاب التي سرقتنا وقتلتنا منذ عام 2003 على حياتنا"، يضيف القاسم.

#الكمامة_موعيب

ولحث المتظاهرين على ارتداء الكمامة للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا، أطلق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وسم #الكمامة_موعيب، واستجاب العراقيون معه وزاد إقبال المواطنين على شراء الكمامات من الصيدليات.

ولكن، "للأسف ارتفع سعر الكمامات في الصيدليات الطبية الأهلية بعد أن أعلنت السلطات الصحية تسجيل أول إصابة بالفيروس"، حسبما يؤكد القاسم.

متظاهرات في بغداد

وفي ظل غلاء أسعار الكمامات الواقية، لجأ العراقيون إلى وسائل مبتكرة كعادتهم للتغلب على جشع التجار، إذ قام بعضهم بخياطة الكمامات في محال الخياطة الخاصة، وتوزيعها مجاناً على المتظاهرين في ساحات التظاهر.

"كورونا لن يخيفنا"

المتظاهر عثمان جار الله (22 عاماً)، من بغداد، يقول لرصيف22: "لم يؤثر انتشار فيروس كورونا على مواصلتي الحضور باستمرار إلى ساحات التظاهر، ونتبع إجراءات السلامة الصحيحة للوقاية من الإصابة، سيما أن هناك حملات تثقيفية يقوم بها المتظاهرون في ساحات التحرير وبقية أماكن التظاهرات".

"فيروس كورونا ليس أخطر من الحكومة. هناك إصرار من قبلنا جميعاً على البقاء في ساحات الاعتصام، والأعداد تتزايد يوماً بعد يوم"، يضيف.

ويتابع: "قبل الذهاب إلى ساحات التظاهر، ألبس الكمامة وأقوم بالتعقيم والفحص الدوري لدرجة حرارتي. إضافة إلى ذلك، بجهود ذاتية قمنا بتخصيص أماكن لتعقيم المتظاهرين لتجنب الإصابة بالفيروس، إضافة إلى لبس الكمامات والتعقيم والفحص الدوري لدرجة الحرارة".

ما قاله عثمان يؤكده حديث زهراء أحمد (22 عاماً)، وهي متظاهرة من بغداد. تقول: "طالما هناك وعي صحي لدى المتظاهرين، فلا داعي للخوف من كورونا، ولن يؤثر على خروجنا إلى ساحات التظاهر. فقط نحن ملتزمون بالإرشادات الطبية التي لا يجب التهاون فيها".

زهراء أحمد

"القناص والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والطائفية بحد ذاتها كانت أخطر علينا من الفيروس، ومع ذلك لم تقلل من همتنا وعزيمتنا"، تقول زهراء وتضيف: "كورونا لن يرجعني إلى المنزل، فقط زاد ضغط أهالينا علينا لأخذ الحذر أكثر".

وعن دعوة الصدر لوقف التظاهرات، أكدت زهراء: "جميعنا يعلم بما قام به الصدر من قمع مفرط للمتظاهرين". تشير إلى لقائه الأخير على شاشة قناة الشرقية عندما قال: المتظاهرون أبنائي وأنظر إليهم بعين العطف"، وتسأل: "هل يمكن للصدر أن يقنعنا بأنه فعلاً ينظر إلينا بعين العطف؟ مستحيل".

زهراء أحمد مع أصدقائها في بغداد

مطالب جديدة في الساحات

بعدما سجَّل العراق أول إصابة بالكورونا في 24 شباط/ فبراير، لمواطن إيراني دخل العراق قبل قرار منع دخول الإيرانيين إلى البلاد، طالب العراقيون بإغلاق المنافذ الحدودية وإيقاف الرحلات الجوية.

اعتصم متظاهرون أمام مطار النجف في اليوم نفسه، لمنع السفر من وإلى الدول التي سجلت الإصابة، سيما إيران. وفي محافظة البصرة، تظاهر المواطنون على الطريق المؤدي إلى منفذ الشلامجة الرابط مع إيران، خشية دخول مسافرين قد يكونوا حاملين للفيروس إلى العراق.

"أطلب من الحكومة العراقية الحالية أن تنظر إلى موضوع كورونا بجدية والابتعاد عن التهاون بأرواحنا وأن تلتزم بإغلاق المطارات وتوفير العناية الطبية في المستشفيات"، تقول زهراء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard