المسرح العربي المعاصر في برلين مع "ق" للقراءات المسرحية

الخميس 5 مارس 202007:15 م

"ق" للقراءات المسرحية، مشروع فريد تطلقه مؤسسة برزخ "فن لأجل الثقافة"، بالتعاون مع دار الأدب في برلين. مع هذا المشروع أصبح لألمانيا نافذة مفتوحة على العالم العربي، خصوصاً بعد الثورات التي حدثت في العالم العربي منذ العام 2011 وحتى اليوم. إنها مناسبة للألمان ليتعرفوا على العالم العربي بشكل أفضل، فالفن والثقافة لا حدود لهما، وهي تلغي الحدود بين البشر، كما قال مؤسس برزخ ومدير المشروع، غسان حماش، أثناء المؤتمر الصحافي لإطلاق المشروع، في دار الأدب في 16 كانون الثاني /يناير المنصرم.

في حديث مع رصيف22 يقول غسان حماش، إن برزخ تأسست عام 2018 بغاية دعم الفن والفنانين العرب في بلدانهم وفي المهجر، وتقديم الفنون العربية بمختلف أنواعها في برلين وأوروبا، والعالم في المستقبل.

رغم أن القراءات المسرحية ليس جديدة، لكن الفريد في مشروع "ق" هو أن النصوص ستقدّم باللغتين العربية والألمانية في العرض نفسه، وهو بذلك يقدم المسرح العربي للجمهور الألماني بشكل جميل ومبتكر.


يقول غسان حماش إن "ق" هو المشروع الأول الضخم لبرزخ، وهو سلسلة قراءات مسرحية لستة نصوص كتبت ما بعد عام 2011، من قبل كتّاب وكاتبات جدد، منهم خريجون أكاديميون ومنهم لا، فمعيار الاختيار هو جودة النص. سيتم تقديم نصّ كل شهر، مع ممثلين عرب وألمان، بقيادة6 مخرجين عرب عملياً، الممثل الألماني سيقول النص بالألمانية، ويكون هناك ترجمة مكتوبة على الحائط بالعربية، والعكس بالنسبة للنص العربي.

برلين التي أصبحت محطة لعرب تركوا أوطانهم، تقدم مشروع مسرح عربي في برلين من قبل كتاب جدد ومخرجين عرب، وهو مشروع يستحق اهتماماً خاصاً لهذه الأسباب... 

يؤكد غسان حماش أن الهدف الأساسي للمشروع هو تقديم مسرح عربي في برلين من قبل كتاب جدد ومخرجين عرب، وتقديم هؤلاء المؤلفين بلغة ثانية مع ممثلين ألمان، والغاية الثانية هي إدخال هؤلاء الممثلين والمخرجين والكتّاب في السوق الثقافي الألماني. ويضيف حماش، أن هذه النصوص تتناول مسائل الاضطرابات الاجتماعية التي رافقت الربيع العربي منذ العام 2011، وهي نصوص تقدّم لأول مرة.

يريد غسان حماش إحضار المسرح العربي المعاصر الى برلين من خلال هذا المشروع، وتغيير الصورة النمطية السائدة عن اللاجئين العرب: "نحن منتجون ولدينا شيء نقدمه"، يشدد حماش. ويهدف مشروع "ق" الى إعطاء الجمهور الألماني فكرة عن الدراما العربية المعاصرة والتحديات التي تواجهها من رقابة وحرب وهجرة، أما التركيز فهو على المؤلفين الشباب لإعطائهم فرصة حقيقية لتقديم أعمالهم.

الافتتاح كان مع مسرحية "غرغرينا" من تأليف وديعة الفرزلي، وإخراج أنيس حمدون، عمل عن عائلة تنزح بسبب الحرب وتهجر من البيت الذي تسكنه، الى بيت آخر تستأجره في إحدى ضواحي دمشق. تواجه العائلة خلال هذه الرحلة عقبات وصعوبات العيش المادية والمعنوية، فيطرد الأب من عمله وتصبح الأم المعيل الوحيد للعائلة.

نجح العرض بالوصول الى الجمهور الألماني الذي استقبله بترحاب لمسناه من خلال تفاعل الجمهور وفضوله للتعرف بالمسرح العربي أكثر.

من جهة أخرى، كانت تجربة مهمة جداً للمسرحيين العرب، من مؤلفين ومخرجين وممثلين، بالتفاعل والعمل جنباً الى جنب مع المسرحيين الألمان، لتقديم عمل مشترك.

في حديثه مع رصيف22، أوضح مخرج "غرغرينا" أنيس حمدون، أنه يعمل مند ست سنوات ونصف في المسرح الألماني مع ممثلين ألمان، وهذه تجربته الأولى مع ممثلين عرب. وعن إدارة فريقين من الممثلين، ألماني وسوري، لتقديم عمل مشترك، يقول حمدون إن الأمر الأهم بالنسبة له كان خلق فريق عنده Harmony أو انسجام بالعمل معاً. ويضيف حمدون: "أثناء البروفات كانت لدينا ثلاث لغات، العربية، الألمانية والإنكليزية. الانسجام بين الفريقين كان أساسياً بالنسبة لي، ولذلك انتقيت الممثلين مع توقع أن ينسجموا معاً. هذا العمل كان متعة شخصية لي".

أما عن اختلاف طريقة عمل الممثلين السوريين والألمان، فيقول أنيس حمدون إنهم يأتون كلهم من مدارس مختلفة، لكن من وجهة نظره: "الممثل هو ممثل، سواء كان كورياً أو يابانياً أو عربياً أو ألمانياً، عندما يعمل، يعمل على النص كممثل. لكن لا شك بأن الممثل السوري ربما لديه ارتباط عاطفي بالقصة التي تتناول الحرب في سوريا".

يؤكد حمدون: "أحب أن أسمي العروض قراءات مشهديّة وليس قراءات فقط، وبالنسبة لقصة غرغرينا، لو غيرنا المكان والزمان وبدّلنا الأسماء السورية كان من الممكن أن تكون الحرب العالمية الثانية مثلاً. حالة الهلع والذعر التي يعيشها الإنسان تبقى نفسها. الحرب هي نفسها وتبعاتها النفسية على الأفراد تبقى نفسها، مع اختلاف التفاصيل السياسية والأحداث. الفهم الفكري والمعاناة هي كونية، إذ يمكن أن أقدم نفس العمل بالإنكليزية في أميركا، ومن الممكن أن أقول إنه جرى في دريسدن، في حرب الثلاثين عام التي حدثت بين 1618-1648".

ويضيف حمدون: "لقد استمتعت بالغش في هذا العمل، فالناس كانت تتوقع قراءة أبسط للمسرحية، لكنني قلت للممثلين لنضغط أنفسنا بثماني ساعات من البروفات في اليوم ونخرج بعرض مهم. لو لم تكن الأوراق بين أيديهم، لنسينا تماماً أنها مجرد قراءة مسرحية بعد أربعة أيام من التمرين فقط".

أكثر ما استمتع به المخرج حمدون في العمل مع فريقين من الممثلين الألمان والعرب، هو أنهم أصبحوا فريقاً واحداً. والعمل على موضوع نوبات الذعر وتفكيك العامل النفسي، وتحليل كيف نعمل نوبة ذعر جماعية لكل الممثلين، واستخدام نوبة الذعر كحل للشخصيات للانتقال بين اللغات، ليصبح الممثل الناطق بالألماني هو الظلّ، وليظهر الممثل السوري.

في لقاء لرصيف22 مع وديعة الفرزلي، مؤلفة العمل، قالت إن هذه التجربة قدمت لها الكثير، فعلى الصعيد الشخصي هذه القراءات تساعد المؤلف على تطوير النص: "فالكتابة لي وحدي تختلف عن الكتابة للجمهور".

أما النقطة الثانية المهمة بالنسبة لوديعة الفرزلي هي أن يقدّم النّص الى الجمهور، وأن تعرف ردة فعلهم، إن تأثروا بالنص أم لا: "معرفة كيفية استقبال الجمهور للنص مفيدة جداً بحال قدّم غرغرينا بعرض مسرحي متكامل في المستقبل، أصبح لديّ تصور أولي عن تلقي الجمهور للقصة، وهذا مهم في عملية الإنتاج المسرحي".

أما على مستوى المشروع ككل، فكان هناك عمل تشاركي مهمّ على حد تعبيرها، ليس العرض فقط بل البروفات التي تبادل فيها الممثلون العرب والألمان ثيمات الحرب ومشكلاتها، واستفادوا من خبرات بعضهم.

بالإضافة الى ذلك، ترى الفرزلي أن تجربة قراءة نصها أضافت لها أشياء مهمة كمؤلفة، تختص بالعمل على النصوص، مثل اختيار العبارات واختبار أدواتها في كتابة النص نفسه. تعطينا وديعة الفرزلي مثالاً من النص، حيث تقول الممثلة السورية أميرة: "أنا مدمنة على الرهان"، "كانت العبارة صعبة على الممثلة لتقولها، وهذا مؤشر بأن هذه اللغة ولو بدت طبيعية لنا ككتّاب، الممثل لا يقدر أن يقولها، وبالتالي هناك مشكلة باللغة بحدّ ذاتها، وهذا الاختبار مفيد جداً للمرات القادمة، إذ سآخذ بعين الاعتبار أن ما يكتب سيحكى على المسرح".

تؤكد المؤلفة وديعة الفرزلي أنها لا تعمل لتكون النتيجة ممتازة، بل لإنتاج نصوص مسرحية لتقدّم، ويمكن أن تكون النتيجة إيجابية أو سلبية، ولكن "المهم بالنسبة لي أن أخوض هذه التجربة وأن تشكل دافعاً لتطوير نفسي، وعملية الإنتاج من المهمّ أن أجربها".

كان لرصيف22 حديث أيضاً مع الممثل الألماني ماركوس هيرينغ، الذي مثّل دور الأب في غرغرينا، وهذا لقاؤه الأول بالمسرح العربي من خلال مشروع "ق". يقول ماركوس: "تعرفت الى أنيس حمدون منذ خمس سنوات وعملنا معاً، ولكنني لم أعرف المسرح العربي أبداً من قبل. هذا أول مشروع لي بالعربية والألمانية في الوقت نفسه، فقد قام بدور لاجئ إيراني من قبل، دور الأب أيضاً ولكن لم يكن هناك ممثلون عرب، كانت ثيمة ألمانية صرف".

كانت التجربة مختلفة تماماً بالنسبة لماركوس، لأنه فقط مع ممثلين ألمان فقط "يتحدث المرء عن الثيمة، ولكن لا أحد يعرف عن ماذا فعلاً، لا يحصل المرء على الإحساس. ومن المهم جداً نقل الإحساس للناس في المسرح"، ويضيف ماركوس: "أنيس ساعدني كثيراً لفهم دوري بشكل أفضل من خلال القصص التي يرويها، ومن خلال وجوده، بالإضافة لوجود الممثلين السوريين الذي ساعد كثيراً".

كان ماركوس مقنعاً بتجسيده لشخصية الرجل العربي ولو كان يتكلم بالألمانية، في هذا الإطار يقول ماركوس هيرينغ بأنه لم يحاول تجسيد شخصية رجل عربي بل أخذ الثيمة فقط: "يجب ألا ننسى أننا تمرنّا لمدة أربعة أيام فقط، لقد عملنا كثيراً بالفطرة. الجميل في هذه القطعة المسرحية أنها تجعلنا نرى أن الاختلافات ليست كبيرة كما نعتقد".

"نريد أن ندخل بشكل ندّي وجدي يعطي فكرة إيجابية للجمهور الألماني والأوروبي عن الثقافة العربية، فالفن والثقافة هي التي تغير الصورة النمطية والأحكام المسبقة"

كثيرة هي القراءات المسرحية، لكن المميز في هذا العرض بحسب غسان حماش، أنه عرض مسرحي متكامل خالٍ من السينوغرافيا، الاستثناء هو أن الممثل يمسك النص بيده ويقرأ من النص، لا ديكور ضخم، لا أزياء ولا مكياج ولا ديكور. إنه نمط جديد تجريبي للقراءات المسرحية لم يقدّم سابقاً، "فنحن أردنا أن نطور القراءات المسرحية بحيث لا تقتصر على ممثل يجلس وراء طاولة ويقرأ من النص، بل أن يمثل الشخصية ويعيشها ولكنه يحمل النص بيده".

يتمنى غسان حماش أن تحدث صدمة لدى الجمهور الألماني وأن يقدم هؤلاء الفنانين خارج زاوية اللجوء، بل أعمالهم هي التي تقدمهم كفنانين، ويتمنى أن يتعاطى الجمهور مع هذه العروض بمنحى نقدي وليس من باب الشفقة أو التعاطف، ويضيف حماش: "نريد أن ندخل بشكل ندّي وجدي يعطي فكرة إيجابية للجمهور الألماني والأوروبي عن الثقافة العربية، فالفن والثقافة هي التي تغير الصورة النمطية والأحكام المسبقة".

في 21 من شباط فبراير الجاري، تمت القراءة المسرحية الثانية بعنوان "غرق" من تأليف علاء الدين العالم، وإخراج حازم صالح. أربعة عروض أخرى ننتظرها في دار الأدب في برلين في الشهور القادمة: "فيلم عاطفي قصير "، تأليف وسيم الشرقي وإخراج وديعة الفرزلي، "الحقيبة"، تأليف أحمد مرعي وإخراج مضر رمضان، "وليمة عيد"، تأليف يوسف مسلم وإخراج هبة محرز، وآخر عرض سيكون في حزيران يونيو القادم، "هذه اللحظة بالذات"، تأليف منى مرعي وإخراج وهاد سليمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard