شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"دفنت عائلتي بأكملها في قبر واحد"... من مشهدية الغوطة الشرقية إلى واقع إدلب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الجمعة 21 فبراير 202002:18 م

هذا العام، تكون قد مرّت تسع سنوات على بدء الحرب السورية. خلال هذه الفترة، قُتل وجُرح وتيتّم وترمّل مئات الآلاف من الناس. يتخطى اليوم عدد النازحين السوريين داخل وطنهم الملايين، بينما فاق عدد اللاجئين خارج بلدهم الخمسة ملايين، على الرغم من إغلاق البلدان المجاورة لحدودها أمامهم بشكل متزايد، تاركةً إياهم يائسين ومحاصرين في الجانب السوري، بين الجدران والأسوار وحقول الألغام. وكما في الأرض كذلك في البحر، أعداد لا تحصى من الجثث الغارقة في قاع البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة.

الأرقام وحدها لا تروي القصص، ففي حين تأتي الإحصاءات من سوريا مجزّأة، تبقى القصص الإنسانية الأوفى في رسم صورة أوضح عن المعاناة وصراع البقاء.

أهداف لا أبطال

بين عامي 2012 و2015، أجريت مقابلات عدَّة مع نحو 60 طبيباً يعملون في المستشفيات التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود في سوريا، وأنا أجهل أسماءهم الحقيقية حتى الساعة؛ فتجريم العمل الطبي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة داخل البلد الذي مزّقته الحرب، جعل من هؤلاء الأطباء أهدافاً لا أبطالاً، فقد تعرّض بعض الأطباء الذين تحدثت إليهم للقتل، فيما فرّ آخرون ونزح غيرهم قسراً داخل سوريا.

الأرقام وحدها لا تروي القصص، ففي حين تأتي الإحصاءات من سوريا مجزّأة، تبقى القصص الإنسانية الأوفى في رسم صورة أوضح عن المعاناة وصراع البقاء

تمحورت أحاديثنا في المقابلات حول المواضيع "المعتادة"، كالنقص المزمن في الإمدادات الطبية، القصف العنيف واستحالة تأمين سلامة المرضى كما المرافق والطواقم الطبية المهددة باستمرار. وجدت بعض المستشفيات المؤقتة مقراً لها في الأقبية تحت الأرض، ونشأت مستشفيات أخرى في مستودعات أو مبانٍ مهجورة، أو في تلك المهدّمة جزئياً، وكان من الطبيعي في حالات مماثلة، أن تنفد المواد الاستهلاكية، كالشاش، الخيطان، أكياس الدم ومواد التخدير العام.

تحدثنا عن العمليات الجراحية من دون تخدير، وعن أطفال جرحى وحيدين وصلوا المستشفى بدون ذويهم، وعن آخرين لم يتعافَ أهلهم من إصاباتهم، فكُتب لهؤلاء الصغار أن يتيتموا.

حدثني أحد الأطباء في الغوطة الشرقية عن أسرته قائلاً: "دفنت عائلتي بأكملها في قبر واحد".

تبقى القصص الإنسانية شاهد عيان على المعاناة وصراع البقاء، والفن الذي يروي هذه القصص، مقالاً، كتاباً أو فيلماً، لا يكتفي بمحاكاة الحياة، بل ويحميها أيضاً من اللامبالاة والتقاعس

الحياة خارج جدران المستشفى

في إحدى المكالمات، استرسل طبيب من منطقة في ريف حمص في الحديث طوال عشر دقائق، عن مدى افتقاده للخضروات الطازجة، وبالأخص الطماطم الكرزية. طبيب أسنان، كان جرّاحاً وشاعراً على حد سواء، وآخر كان صيدلياً وطباخاً ماهراً، إلا أنه عجز عن إيجاد معظم مكونات الطعام التي كان يتوق إليها ويشتهيها. وفي الغوطة الشرقية المحاصرة، عمل أطباء أيضاً كميكانيكيين ومبتكرين، إذ دفع نقص الوقود هؤلاء إلى بناء محركات التربين، فأنتجوا الكهرباء من المياه الجارية لتستمر مستشفياتهم بالعمل. أخبرني الأطباء أيضاً بمخاطر عبور نقاط التفتيش محمَّلين بالأدوية والإمدادات الطبية، عبور غالباً ما كان مميتاً.

يمعن النزاع في احتدامه في سوريا ومعه تتدهور الحالات الإنسانية. لم تسلم سوى مناطق معدودة من النزاع وحملات الحصار والقصف التي شهدتها كل من حلب والرقة والغوطة الشرقية، ويتكرر المشهد اليوم في إدلب، شمال غرب البلد، لتتحول معه هذه المدينة إلى أحدث مقر للنزوح والموت.

تبقى القصص الإنسانية شاهد عيان على المعاناة وصراع البقاء، والفن الذي يروي هذه القصص، مقالاً، كتاباً أو فيلماً، لا يكتفي بمحاكاة الحياة، بل ويحميها أيضاً من اللامبالاة والتقاعس.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard