"مدينة الزومبي والاكتئاب والتلوث"... شباب تركوا القاهرة بلا عودة

الثلاثاء 18 فبراير 202006:39 م

"أنا من بلاد أسمنت.. مزروعة فوق أسفلت.. بطبعها قاهرة.. تقتلك بالعمد"، هكذا وصف الشاعر المصري الشاب، ضياء عبد الرحمن، القاهرة، أكبر عاصمة في الوطن العربي، وهو حال كثير من الشباب المصري والأسر الصغيرة، الذين فروا منها، رغم ما توفره من فرص العمل، والترقي الوظيفي، والاجتماعي مقارنة بغيرها من مدن الأقاليم والسواحل.

و الحقيقة أن القاهرة منذ سنوات تُصنَّف بأنها إحدى أكبر مدن العالم من حيث نسبة التلوث، كما تداولت كثيراً وسائل إعلام محلية وعربية، نقلاً عن تقرير منظمة الصحة العالمة الذي نشرته مجلة "فوربس" الأمريكية، أواخر العام 2018، بعنوان "القاهرة المدينة الأكثر تلوثاً في العالم"، وذكر التقرير "أن قلة الأمطار في القاهرة، والمناخ الحار، وشوارع المرور الضيقة، تؤدي إلى احتجاز الملوثات في الهواء فوق المدينة، ما يؤثر على رئة المصريين ونظام القلب والأوعية الدموية، ويسبب السكتة الدماغية وأمراض القلب وسرطان الرئة وأمراض انسداد الرئة المزمنة والتهابات الجهاز التنفسي، بما في ذلك الالتهاب الرئوي".

وهو ما أشارت إليه أيضاً  "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، في تقرير مطول عن التلوث في مصر بعنوان: "حقائق ومعلومات عن التلوث في مصر"، كان هذا السبب المباشر الذي دفع شاباً مثل روماني نبيل (36 عاماً)، للهروب من القاهرة، والبحث عن ملاذ آخر نظيف، حفاظاً على رئتيه التي لم تعد تحتمل تلوث القاهرة، وأمراضها التنفسية، لا سيما وأن روماني، حسب قوله، يعاني من ضيق في التنفس ولا يتحمل الدخان وعوادم السيارات أو الأتربة.

يقول روماني لرصيف22: " كانت مدينة الغردقة هي الأنسب لظروفي الصحية بعد أكثر من 10 سنوات قضيتها في القاهرة للعمل والاستقرار بها".

ويشدِّد روماني على أنه ليس الوحيد الذي اختار الغردقة، المدينة الساحلية للعيش والاستقرار فيها هرباً من تلوث القاهرة، مشيراً إلى تزايد أعداد الأسر الصغيرة، خصوصاً من الشباب، الذين استقروا في الغردقة، ولا يفكرون في العودة للقاهرة إلا للزيارات السريعة، التي يصفها نبيل بأنها زيارات كافية للشعور بالانقباض والاكتئاب، يسرع بعدها فوراً للعودة إلى الغردقة.

يقول روماني بعد أن ترك العاصمة بسبب مشاكل متعلقة بالتنفس، والاكتئاب: " أنا عمري 31 عاماً، أعيش في نويبع منذ ست سنوات، وطلِّقتُ القاهرة التي تربيت فيها طلاقاً لا رجعة فيه"

مصطفى رأفت هو الآخر قد قرر  الهجرة من القاهرة بشكل نهائي بسبب تجربته مع مرض الاكتئاب، واستقر في مدينة نويبع في محافظة جنوب سيناء المصرية.

يحكي رأفت لرصيف22 عن تجربته تلك قائلاً: " أنا عمري 31 عاماً، أعيش في نويبع منذ ست سنوات، بعد أكثر من 25 عاماً في القاهرة، منذ الميلاد والنشأة والتعليم، لكني طلقت القاهرة طلاقاً لا رجعة فيه".

"نويبع جنة الله على الأرض"

ويتحدث رأفت عن التغيرات التي شملته نفسياً واجتماعياً: "أنا دلوقتي واحد تاني خالص، عمري ما كنت أتخيل كل التغيير ده. مجال عملي اتغير، العلاقات أصبحت صحية أكثر، طريقة العيش والتفكير تبدلت تماماً، أصبحت إنسان آخر أحبه، ولا أشعر معه بالقرف، كما كان سابقاً في القاهرة".

رأفت، بعد تخرجه من كلية العلوم، عمل بمعمل شهير للتحاليل في القاهرة، واستطاع تحقيق النجاح في مدة قصيرة، لكن هذا لم يكن كافياً لإرضاء نفسيته وطمأنتها، ويقول: " كنت أشعر أن القاهرة مدينة زومبي، كرهت شوارعها ومواصلاتها وهوائها وسرعتها الجنونية، لم أعد أتحمل كل ذلك الضجيج والصراع، في العمل والشارع والبيت. في أسبوع واحد اتخذت القرار حتى لو عشت في الصحراء، ولم أكن أعرف أن الصحراء فعلاً كانت في انتظاري وكانت هي العلاج".

ينصح رأفت كل من يريد الحياة بلا أمراض أو ضغوطات تؤدي إلى الانتحار أو الجلطات، بالهروب من القاهرة.

وينصح رأفت كل من يريد الحياة بلا أمراض أو ضغوطات تؤدي إلى الانتحار أو الجلطات، بالهروب من القاهرة.

لم تكن التجربة سهلة، كما يؤكد صاحبها، فالحياة في "دهب" و "نويبع" ليست كلها على البحر وبـ"الشورت" كما يختزلها البعض، يقول: "الحياة هنا صعبة أيضاً، فالإحساس بالوحدة أحياناً يبقى أصعب من أي إحساس آخر، كذلك البعد عن الأهل والأحبة أمر صعب، والاعتماد على النفس تماماً في كل شيء. قد يأتي يوم لا أجد فيه ثمن السجائر. وأيام أخرى أعيش كالملك".

ويعتبر رأفت نويبع  "جنة الله على الأرض"، لاسيما للذين هم مثله، كما يصف نفسه، الذين لا يبحثون عن صراعات في العمل، للترقي والحصول على الحوافز والامتيازات التي تحول العمل إلى مكان بغيض لا يتحمله إنسان هدفه أن يعيش في سلام.

"عدت لجذوري في النوبة"

قد يكون للسياسة علاقة أيضاً بقرار الابتعاد عن القاهرة، كما حدث مع مازن علاء الدين (32 سنة)، الذي عاش في القاهرة طوال طفولته، وعندما سنحت له الفرصة في مرحلة الجامعة، للعودة إلى جذوره في الجنوب، وتحديداً محافظة أسوان، لم يتوان في اقتناصها، لكنه بعد انتهاء الدراسة الجامعية، عاد مضطراً للقاهرة للعمل والإقامة فيها ثانية.

يقول مازن لرصيف22: "أغلب محافظات الصعيد مصممة لتكون طاردة لأبنائها، لا فرص عمل ولا خدمات ولا أي اهتمام، لذلك رغم أن أجمل أيام حياتي قضيتها في أسوان، إلا أن أكل العيش والبحث عن تحقيق الذات جعلني أعود إلى القاهرة حتى إشعار آخر".

2016 كان عام الحسم بالنسبة لمازن، فقد كان مشاركاً في "قافلة العودة النوبية"، التي كانت تدعو إلى وقف بيع الأراضي النوبية، مثل "توشكى"، في المزاد العلني، ضمن مشروع المليون ونصف فدان الحكومي، وعودة توطين النوبيين في قراهم القديمة. ومنذ ذلك اليوم ومازن قرر الإقامة في أسوان. يقول: "لم تحقق القافلة النتائج المرجوة منها، لكنني فكرت أن إقامتي في أسوان هي خطوة كبيرة لتحقيق حلم العودة إلى النوبة"، مشيراً إلى أنه ليس من المنطقي أن يدافع عن قضية يفصل بينه وبينها أكثر من ألف كيلو متر، ولم يكن ضميره مرتاحاً لذلك، إلا أن مكتسبات العيش في أسوان كانت أكبر مما تصوره، كما يصف، خصوصاً على حالته النفسية ومعرفته بكل كبيرة وصغيرة في بلاده التي لم يكن يعرفها إلا كزائر ومغترب.

يقول مازن: "عدت لجذوري التي كنت مشتتاً لاقتلاعي منها، عدت لاستخدام لهجتي ولغتي وثقافتي، وألعن القاهرة بأيامها وسنينها ولا يمكن العودة لها ثانية".

"عدتُ لجذوري التي كنت مُشتَّتاً لاقتلاعي منها، عدتُ لاستخدام لهجتي ولغتي وثقافتي، وألعنُ القاهرة بأيامها وسنينها ولا يمكن العودة لها ثانية" يقول مازن بعد عودته إلى أسوان

"جايلك يا أحمد يا عدوية"، هكذا صرخ الفنان يحيي الفخراني، في مشهد قراره العودة إلى القاهرة في فيلم "خرج ولم يعد"، للمخرج المصري الراحل محمد خان، قبل أن يعود مسرعاً إلى حبيبته الفلاحة ويمسك معها "حبل الجاموسة" في مشهد بديع يختتم به خان فيلمه، الذي كان يعتبر أولى الدعوات السينمائية الصريحة بالدعوة للخروج من القاهرة التي تقتل أهلها بالأمراض.

"لن أرجع للقاهرة أبداً"

هذا الفيلم كان يطارد أحلام إلهام الجمال، الصحفية والكاتبة المصرية الشابة، كانت تحلم مثل بطل الفيلم بالهروب من القاهرة، والبحث عن مكان آخر لبداية جديدة كلية.

قررت الجمال الخروج من القاهرة، والظروف ساعدتها على ذلك، تقول لرصيف22: "كنت أنتظر إشارة ما، أو حتى ربع فرصة للبعد عن القاهرة، في وقت كانت فيه كل طاقتي نفدت في صراعات العمل والحياة والتجارب، وإما الهروب أو الاعتكاف في المنزل وغلق باب حجرتي عليّ. فقد تعرفت على زوجي وسط كل تلك الظروف، ووجدته يعرض عليّ الإقامة في مدينة دمياط بعد الزواج. وعلمت أنني لو ترددت وقتها وأصررت على الزواج والعيش في القاهرة، لن أكون سعيدة، وها أنا بعد خمس سنوات في دمياط، أعيش أسعد أيامي بصحبة زوجي وبنتيّ الاثنتين".

وعن الفارق بين حياتها في القاهرة ودمياط تقول: "دمياط مدينة ساحلية صغيرة، فهي أصغر محافظة بعد بور سعيد، ويختلف جوها وطبيعة سكانها عن القاهرة تماماً، فهي هادئة تماماً وهواؤها نقي وكل الناس تعرف بعضها، خلاف القاهرة التي لا يعرف سكان نفس العمارة بعضهم البعض".

وتضحك إلهام بمجرد سؤالها عن امكانية العودة للقاهرة والعيش فيها مرة أخرى، وتجيب: "أهو ده اللي مش ممكن أبداً على رأي الست".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard