لا أريد أن تكون حياتي مملة في مدينة مزدحمة... هؤلاء تركوا القاهرة وعادوا إلى الجذور

MAIN_CairoLiving

الجمعة 22 مارس 201901:10 م

في العام 1984، عرض لأول مرة فيلم المخرج محمد خان "خرج ولم يعد"، الذي يحكي عن عطية "يحيى الفخراني" الذي ذهب إلى القرية للتصرف في ميراثه، لكنه أغرم بالقرية والحياة هناك، ولم يعد للمدينة. بعدها بعامين، خرج مجدي "حسين فهمي" أيضاً لبيع أرض ورثها، في فيلم حسين كمال "آه يا بلد آه"، لكنه بقي في البرلس بجانب أرض أبيه.

دعوتان سينمائيتان متتاليتان في منتصف العقد الثامن من القرن العشرين لترك المدينة والارتحال إلى القرية، أو العودة للجذور، ليستا الوحيدتين وإن كانتا الأشهر. فالمدينة التي لا يعرف سكانها بعضهم بعضاً، هواؤها ملوث وشوارعها تكاد لا تتحرك على الرغم من سرعة إيقاع الحياة فيها وسكانها غرباء مهما مكثوا فيها من أعوام. وعلى الرغم من ذلك، ما زالت الهجرات إلى المدينة تتزايد عاماً بعد عام، غير أنه في السنوات القليلة السابقة، بدأت بعض الأسر والعائلات في الهروب من القاهرة للأطراف: سيناء والبحر الأحمر. فماذا تغير؟

"جنة" تذهب إلى الجنة

عام 2016، نشرت المدونة جنة عادل، طبيبة أسنان، 30 سنة، مقالاً تحكي فيه عن هجرتها من القاهرة إلى دهب. وتقول جنة إنها كانت قد اتفقت مع صديقها أن تكون دهب هي وجهتهما بعد التقاعد، لكن، بعد مرور شهور على هذا الاتفاق، تركت صديقها وعملها، ودخلت في دوامة من "السلف" والاستدانة وعدم القدرة على تحمل الحياة في القاهرة، لذلك قررت الذهاب لـ"دهب" للعمل كمتطوعة في "كامب" مقابل السكن والطعام.

تحكي جنة عن أن الحياة في دهب موفرة للغاية، خصوصاً فيما يتعلق بالسكن والانتقالات. حكاية جنة لم تكن الأولى، لكنها كانت إحدى أشهر الحكايات نظراً لوضع جنة كمدونة، وهو الأمر الذي جعل تجربتها محط أنظار الكثيرين، لكن بالطبع، هناك من سبقها ومن لحق بها.

المدينة عيون حزينة ما بتعرف تنام

ربما كانت كلمات أغنية "مدي إيدك" للمطرب محمد منير، والصادرة ضمن ألبوم "بنتولد" عام 1978، هي الأكثر تعبيراً عن حال الصحفي محمد محروس، 31 سنة، الذي ترك الحياة في القاهرة في عام 2012 وعاد إلى مدينته الأم، الأقصر.

محروس الذي درس الإعلام في جامعة الأزهر وتخرج فيها عام 2009 يقول لرصيف22 إن الحياة في القاهرة صعبة للغاية في كل شيء، السكن والأكل والمواصلات، لذلك لم يستطع تحمل الحياة وإيقاعها في القاهرة.

يضيف أنه عمل في إحدى المؤسسات الصحفية في القاهرة، وبطبيعة الحال وطبقاً لكون مصر دولة مركزية، فإن الصحفي الذي يبحث عن مستقبل مهني أفضل عليه أن يبقى في القاهرة، حتى تتاح له فرص الترقي والتقدم في المهنة، لكنه أنهى هذه الجملة ببساطة "لكن الشغل مش كل حاجة في الحياة، ومش هضحي بحياتي عشان الشغل".

والتضحية بالحياة من وجهة نظر محروس هي إكمال حياته في القاهرة، وتحمل كل هذا الزحام والتلوث والضوضاء، إذ يضيف أن الحياة في الأقصر أكثر هدوءاً، و"رتمها على حد تعبيره" أهدأ وأكثر استقراراً، كما أن اليوم يبدو أطول، أما في القاهرة، فإن "يومك كله شغل ومواصلات" ومع التكرار يصبح الوضع قاتلاً.

ويضيف محروس أنه لم يندم ولو للحظة واحدة على تركه للقاهرة، لكن كل ما يحزنه في بعض الأوقات الصداقات التي كونها، لكنه الآن قريب من أصدقاء الطفولة، وبين أهله.

أعرف أن الفرص بالنسبة للصحفي ستكون أفضل في القاهرة، لكني أعيش مرة واحدة، ولا أريد أن تكون حياتي مملة في مدينة مزدحمة

محبة بعد عداوة

على الرغم من أنه ذهب للعمل في الخارج في عام 2010، إلا أن أسرة محمد الهواري، 36 سنة، محاسب، كانت لا تزال تقيم في القاهرة أثناء غيابه. لكن منذ حوالي 4 سنوات، قرر الرحيل من القاهرة والعودة إلى الفيوم، أو بعبارة أدق، قرر تغيير مستقر العائلة في مصر.

ويخبرنا الهواري في حديثه أن بقاءه في القاهرة كان إجبارياً بسبب العمل، لكنه لم يكن يحب المدينة. لذلك، قرر أنه لن يستقر بها حتى في أثناء فترات إقامته في مصر للإجازة.

ويتشابه ما قاله الهواري مع الآخرين في أن القاهرة "زحمة" على عكس الفيوم، كما أن "الناس" هناك مختلفون تماماً عن سكان القاهرة، وبسؤاله عن أهم ما يميز أهل بلدته قال: كلنا عارفين بعض.

لكن زوجته السيدة فاطمة، 35 سنة، رئيسة مجلس إدارة إحدى الجمعيات الخيرية، قالت إنها تركت القاهرة مجبرة، فهي على الرغم من أن أبويها من الفيوم إلا أنها ولدت بالقاهرة وعاشت بها كل حياتها، وكونها تستخدم كرسياً متحركاً، فإن الحياة في القاهرة كانت أفضل بالنسبة لها في البداية. نظراً لتوفر الخدمات والأسواق التجارية الكبرى التي توفر لها احتياجاتها في مكان واحد.

أدى تغير نمط حياة فاطمة إلى إصابتها بالشعور بالاكتئاب في البداية، لكن مع تأقلمها مع الوضع، وانخراطها في العمل التطوعي، شعرت بأن الوضع في الفيوم أفضل بكثير من نظيره في القاهرة، بل إنها أصبحت تردد ما يقوله زوجها من أن الحياة في الفيوم أبسط وأهدأ وأقل ازدحاماً من القاهرة، بل تضيف أيضاً أن الحياة في القاهرة أغلى وتضع على كواهل سكانها الكثير من الأعباء والالتزامات.

وتوضح فاطمة أنها وزوجها افتتحا "جاليري" ومزرعة في الفيوم، وأصبحت حياتهما أفضل كثيراً مما كانت عليه في القاهرة.

الحال من بعضه

الانطباع الأول الذي يتبادر لنظر وذهن كل من يغادر القاهرة ويتجه إلى المحافظات الأخرى هو الهدوء والسيولة المرورية والحياة الأقل تلوثاً.

لكن "ب. و" الصحفي البالغ من العمر 28، والذي رفض ذكر اسمه يقول لنا إنه ترك القاهرة لأسباب مشابهة لتلك، لكن الواقع صدمه بشدة.

فالحياة في القاهرة طبقاً له مكلفة للغاية خصوصاً إذا كنت مغترباً، لذلك عليك أن تعمل في أكثر من مكان لتتحمل نفقات الحياة. ويصف "ب" بيئة الحياة في القاهرة بأنها "غير ملائمة للعيشة إطلاقاً"، مضيفاً أنه ترك القاهرة لأنها "مكان سيئ"، خصوصاً أنه في آخر أيام إقامته بها شعر بأنه وحيد معزول، ولم يجد سوى قريته في المنيا وأهله هناك للوقوف بجانبه، خصوصاً أن العمل في القاهرة، طبقاً له، لا يجدي على المستوى المادي نظراً لارتفاع تكاليف المعيشة، بل يرى أنه يخسر وقتاً وجهداً بلا طائل.

إذا حد بيسألني انت منين بقول شرماوي، رزقي هنا وعيالي اتربوا هنا، أنا حتى علمتهم يقولوا للناس اللي بتسألهم انتوا منين ويقولوا إحنا من شرم الشيخ

لكن عودته لجذوره في المنيا لم تؤت ثمارها التي كان يتمناها، إذ يقول "أعيش في قرية قريبة جداً من المركز، ولذلك فهي ممتلئة بعيوب القاهرة والقرى البعيدة عن المراكز، وخالية من المميزات. فهي مزدحمة وهواؤها ملوث، ليس كتلوث القاهرة بالطبع لكنه ليس نقياً كما يظن الناس، وهي مع ذلك فقيرة ولا تتمتع بالكثير من الخدمات".

بل إنها فوق ذلك لا تتمتع بالانفتاح على الآخرين الذي تتمتع به القاهرة على حد تعبيره.

الرزق يحب الخفية

"كرب أسرة، لا تتخذ قراراتك بدافع رغبتك الشخصية، بل تتخذ قراراتك وفقاً لما فيه مصلحة عائلتك". هكذا استهل "خ. ص"، 54 سنة، صاحب مشروع سياحي في شرم الشيخ، كلامه، ليشرح لنا أسباب تركه للقاهرة والاتجاه للمحافظة الحدودية.

يقول "خ" الذي رفض الإفصاح عن اسمه أنه بعد العودة من العمل في إحدى دول الخليج، قرر ألا يعمل في أي مؤسسة، وأن يتجه للعمل الخاص. لكن القاهرة كانت مكتظة للغاية بالسكان والمشاريع. وفي تلك الفترة، كان النشاط السياحي في مصر وخاصة في شرم الشيخ متوهجاً. لذلك فكر في إنشاء مشروع سياحي هناك.

ويضيف أنه عاش فترة قصيرة في شرم الشيخ في بداية الألفية الثالثة، كانت كافية للتعلق بها والشعور بالراحة، ما دفعه لاستقدام زوجته وأبنائه للعيش بها والاستقرار هناك، حتى بعد أن قل عدد السائحين وضعف الإقبال على شرم الشيخ، لم يفكر في العودة إلى القاهرة مطلقاً، فقد اعتاد الحياة الهادئة غير المزدحمة، والجو النقي ومنظر البحر، بل إنه "بحسب كلامه" لا يفكر في العودة إلى القاهرة في يوم من الأيام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard