من الطائفية والنزعات المناطقية إلى المتّة والدراما... 10 قضايا تحكم علاقة السوريين ببعضهم

الخميس 12 مارس 202002:14 م

يشترك أفراد أي مجتمع أو بلد ما بمجموعة محددات وأسس تشكل لهم قيماً وسمات جمعية تساعد على فهمهم أو التعرف عليهم، إلا أن ذلك لا يستبعد بالضرورة بروز إشكاليات لا تحسم فكرة كونه كياناً نهائياً متجانساً.

جمعنا في بحثنا هذا خمسة موضوعات اجتماعية تُظهر السوريين ضمن ما يشبه حالة عامة، وخمسة أخرى شِقَاقية تحكم إلى حدٍ بعيد شكل العلاقات بينهم، بعيداً عن أي تأويل أيديولوجي أو سياسي غير مباشر أو عن ربط لهذه الموضوعات بحدث أو موقف أو مرحلة من تاريخ البلاد.

خمس إشكاليات تقسم السوريين

الطائفية أولها

أفصحت تحولات وأحداث عدة منذ بداية الثورة عام 2011 وإلى اليوم، أن السوريين يمتلكون من الطائفية ما احتيج لإدارة النزاع في بلادهم، وهو ما ينكص المقولة الشهيرة حول علمانية المجتمع السوري، باعتبار أن التوجه اليساري والعلماني غلب على المشهد السياسي السوري خلال القرن الماضي.

هناك نظريتين حول الطائفية في سوريا، حسب الباحث السوري ورئيس رابطة المواطنة الدكتور حسان عباس: "الأولى تقول إن الطائفية مقيمة في سوريا ثقافياً واجتماعياً وأن نظام البعث قمع شعور الانتماء الطائفي، وهناك نظرية  تعتبر أن البعث هو من صنع الطائفية في سوريا وساهم بتكريسها".

يوضح عباس لرصيف22 رأيه قائلاً: "أعتقد أن المقاربة الأخيرة غير دقيقة، إذ لم يكن المجتمع السوري يوماً بعيداً عن الطائفية التي تقيم عداوة مع الآخر، فلطالما انتشرت بين الطوائف صور تشيطن طوائف أخرى كالقول إن للدروز وللعلويين أذناب. كما أننا لا نزال نسمع حتى اليوم عن جرائم قتل تطال أشخاصاً تزوجوا من غير مللهم والذي يعد مُحرماً لدى غالبية السوريين، وفي أفضل الأحوال الغالبية المتسامحة ستهتم بالتعرف على خلفيتك الطائفية لتحدّد كيفية تعاملها معك".

لا تأتي الاستثارة المناطقية هنا بوصفها عصبية للمجتمع الديني أو العرقي الذي تمايزت من خلاله، وإنما تتعلق أكثر بالانتماء إلى الثقافة العامة ونمط الحياة.

بحسب عباس، "تنتمي الطائفية إلى مجموعة الثقافات الأولية التي تشكل أي مجتمع، والفخر بالانتماء للطائفة كثقافة أمر طبيعي وحميد وهذه تسمى طوائفية، لكن تحدث المشكلة الوطنية عندما يتحول الانتماء للثقافة إلى ثقافة الانتماء، وهنا تولد الطائفية الخطيرة، بغياب دولة المواطنة عندما تكون السلطة المركزية غير قادرة على حماية اتباعها، وبالتالي يعود هؤلاء للاحتماء بثقافاتهم الأولية والتشدد في الانتماء لها".

المناطقية

تشكل أحياء ومدن ومناطق سورية عدة ما يمكن تسميته بهوية مناطقية، قامت غالباً إما على تماثل ديني مذهبي يجمع سكان ذلك الحيّز كمحافظة السويداء التي صُبغت بأكملها بالهوية الدرزية الطامحة للفيدرالية في ظل الوقت الراهن، أو امتداد جغرافي كوادي النصارى، غربي حمص، ذي الهوية الحائرة بين نموذجي المسيحي السوري ومسيحيي جبل لبنان، أو قومي كعين العرب/كوباني الكردية.

إلى جانب ذلك، تكونت نزعات مناطقية عدة بعد قيام الثورة أعادت تقسيم مناطق سورية عدة. ولا تأتي الاستثارة المناطقية هنا بوصفها عصبية للمجتمع الديني أو العرقي الذي تمايزت من خلاله، وإنما تتعلق أكثر بالانتماء إلى الثقافة العامة ونمط الحياة الذي تشكل في تلك المنطقة.

في وادي النصارى، وهو امتداد جغرافي لأكثر من 30 قرية أرثوذكسية غربي حمص، تَشكّل كيان مناطقي متماسك، تُستثنى منه عرفياً سبعة قرى تقع إدارياً وتنظيمياُ ضمن الوادي غير أن سكانها ليسوا مسيحيين، فهم لا يعبّرون عن هوية المنطقة التي طرحت نفسها بقوة مع بداية الألفية الثانية وتحولها إلى واحدة من أهم مناطق سوريا السياحية التي تتمتع بالانفتاح والأمان، إلى جانب تحولها إلى مركز تعليمي واستثماري.

وكان الكشف عن المشروع لنقابة صيادلة حمص في المنطقة مؤخراً، كفيلاً بنقض ظاهرة الانفتاح الذي عُرف عن الوادي، واستثارة النزعة المناطقية لدى معظم الأهالي، حيث تعتزم النقابة بناء وحدات سكنية سياحية مع مسجد بجانب إحدى بلدات المنطقة التي لم يُسمع فيها الآذان من قبل.
وفي حين فشل كهنة الوادي والبطريرك يوحنا العاشر يازجي في منع المضي بالمشروع، حسب ما صرّح أحد الكهنة، لم يتبق للبعض سوى مواقع التواصل للتعبير عن استنكارهم.

يعتبر مايك ملوحي في تدوينة نشرها على موقع يدعى "عرب تايمز" وشاركه العشرات على فيسبوك أن هنالك "خوف من الفكر والعقل المسيحي السوري المتقدم ومحاولة تهجيره"، متهماً أعضاء مكتب نقابة بلدة الحولة بانتمائهم للفكر الوهابي.

وبخصوص الاتهام الأخير، يتحدّث ملوحي (دون ذكر مصدر) عن "قرار سعودي خليجي بدوي لاختراق المنطقة والتلاعب بديمغرافيتها" والتي اعتبر أنها "على مستوى عالٍ من التحضر والعلم يضاهي أكثر دول العالم العلمية تقدماً".

يتحدث ملوحي عن ذلك من دون ذكر أي جملة عن موقف روسيا التي يفترض كثيرون من أهالي المنطقة أن تواجدها اليوم في سوريا يحميهم ويحافظ عليهم.

ثقافة الريف وثقافة المدنية

إحدى أهم أشكال التمايز الاجتماعي في العالم هو ذاك الموجه ضد القادمين من الريف إلى المدينة، والملفت لدى أهالي المدن السورية أن الدمشقيين على سبيل المثال لا يبقون هذه المقاربة ضمن حدودها المكانية والزمانية، بل يمنعون مشاركة إرث مدينتهم لأجيال وأجيال، من خلال ما يُعرف بمقاربة "جوّا السور و برّا السور".

ويُقصد بهذه المقاربة استمرار التمييز بين أهل المدينة الأصليين الذين تسكن غالبيتهم داخل سور دمشق وبين القادمين من الغوطة وسهل حوران وأرياف سورية أخرى وبنوا خارج السور و"تشومنوا" منذ عقود، دون أن يصبحوا "شواماً" بنظر من هم داخل السور.

"يتم زرع الفكرة في رؤوس من يقيم داخل السور، وتظهر أكثر لدى الأجيال القديمة منها لدى الأجيال الجديدة الذين يستخدمونها على سبيل المزاح أو التنمر أكثر من الاعتقاد الفعلي بالتفوق الحضري"، حسب الصحافية ريم تكريتي.

وتتابع تكريتي قائلة: "بالرغم من كون حي الميدان بكل تفاصيله يشكل اليوم جزءاً من البيئة التقليدية لدمشق غير أنه ملغى ضمن مقاربة السور إذ يقع خارجه، وهناك العديد من الزيجات لا تحصل لأن الأهل يريدون عريساً أو عروساً شامية، ومعظم الأحيان لا يعمّق الشامي صداقاته مع أهالي الريف".

وسط ما تفرضه المدينة في سوريا من زهو وتغطرس وضغوطات ثقافية على أسلوب حياة الريفي، يرى عباس أن ما حدث في سوريا هو العكس تماماً، حيث تسير البلاد منذ عقود نحو ترييف المدن، والأخير بدأ برأيه مع الهجرة الكبيرة خلال أوائل القرن الماضي واشتدّ مع تحول السلطة في سوريا إلى العسكرة.

الطائفية، المناطقية، "برا السور وجوا السور" لدى الدمشقيين، الفوارق الثقافية بين الجزيرة والشام، صراع الأكبر والأقوى بين حلب ودمشق... خمس قضايا شِقاقِية تحكم شكل العلاقة بين السوريين    

يتابع عباس: "وجدت دراسة أنثروبولوجية حول هذه الظاهرة أن تحول السلطة في سوريا إلى سلطة عسكرية ساهم بشكل كبير في ترييف المدن، اذ أن أهالي الريف يميلون للانضمام إلى الجيش والمؤسسات الأمنية أكثر من أهالي المدن، بالمقابل قامت هذه السلطة الممثلة بعسكريين وأمنيين أغلبهم ريفيين بتعزيز تواجدها في المدن، الأمر الذي ساهم تلقائياً في فرض ثقافة الريفيين على أهالي المدن.

يعتقد عباس أن المرحلة الحالية تشهد أعلى درجات الترييف في سوريا، وذلك "إلى درجة صارت فيها الأغنية الشعبية وعلي الديك يمثلان الموسيقى السورية، وأصبحنا نرى الدمشقين على سبيل المثال يستمتعون ويتمايلون على أنغام هذه الموسيقى".

الجزيرة والشام

يكرس معظم سكان غرب سوريا فكرة الفوارق الثقافية والحضارية بينهم وبين سكان محافظات شرقي الفرات، وهي فوارق تُبنى غالباً على سرديات قومية وتاريخية كالسردية الآرامية باعتبار أن غربي الفرات تمثل بعراقتها بلاد الشام في حين أن معظم من يسكنون اليوم شرقي الفرات هم من القبائل العربية التي هاجرت إلى سوريا عبر فترات زمنية مختلفة.

وعدا الأغاني الشعبية والتراثية، لا يُلحظ ميل لدى سكان المحافظات الغربية للتعرف على "الثقافة الجزراوية"، بل هناك تكريس لنظرة دونية عن أهالي تلك المنطقة الذين يحظون بمستوى بتعليم جيد ونسب شهادات عليا كبيرة إلى جانب امتلاك قسم كبير منهم لرؤوس الأموال والأراضي الزراعية والماشية.

وهكذا، بدل أن تكون دلالة "ديري" أو "رقاوي" إشارة إلى المكان الذي ينتمي إليه الشخص، حُوّرت الدلالة في الشارع السوري إلى معنى سلبي، لتصوير شخص ذي مستوى ثقافي واجتماعي منخفض.

إلى جانب ذلك، يستبيح معظم السوريين إهانة فئات ومكونات سورية تعيش في المحافظات السورية واعتبارهم مثالاً للتدني الاجتماعي كالشوايا (بدو نصف رحل يسكنون أرياف الجزيرة السورية ويرعون الغنم)، والعرب (قبائل عربية يرعون الأبل والأغنام)، والنَوَر (الغجر)، فتُستخدم كلمتا "شاوي" و"نَوَري" مثلاً للذم والقدح.

"يرغبون بالاحتفاظ بصورة البدوي الذي يسكن الخيم، ويلبس الجلابية التي يعلقون عليها الكثير من الصفات، كانخفاض مستوى التعليم، والسذاجة والفقر والتسول"، تقول ابنة دير الزور والناشطة في المجتمع المدني ياسمين العاصي.

"كثيرون لا يخفون اندهاشهم حينما يعلمون أنني من دير الزور، يعلقون بابتسامة سمجة قائلين ′مو معقول! مو مبين عليك!′، على اعتبار أنهم يمنحونني امتيازاً يفرحني"، كما تقول العاصي معلقة أن "الأسلوب هو تكريس عصري وعلني لمشاعر العنصرية والاستعلاء التي يمتلكها البعض، حيث يجد المرء نفسه لطيفاً عندما يردد أمام شخص آخر أنه نزع عنه صفات وصوراً نمطية يحملها عن جماعته".

حلـب أم دمشق؟ نزاع الأقوى والأكبر

إلى جانب بعض الهويات التي لم يتسنَّ لها طرح نفسها ثقافياً بقوة ضمن سياق سوريا الحديثة، كالهوية الساحلية والجزاروية أو الهوية الدرزية في السويداء، هناك قطبان رئيسيان يُشكلان ويقسمان الهوية السورية ثقافياً: أولهما، التراث الدمشقي المركزي بما يتكئ عليه من أمجاد وسردية تاريخية لأعرق عاصمة في العالم، وتتأثر به مختلف المناطق السورية بينما يمتد تراثها الفعلي غالباً من حمص وصولاً إلى درعا وبعض المناطق في شمالي الأردن وفلسطين.

وثانيهما حلب، الملقبة بـ"أم الطرب" التي خرجت بفن القدود الأصيل الذي يُعتقد أنه أقدم شكل لحالة الطرب المعروفة في الموسيقى الشرقية، وهي "أم المطابخ في الشرق" فمطبخها هو الأشهى والأثرى في المنطقة، كما توازي في عراقتها وتاريخها العاصمة دمشق إذ تحتضن أقدم قلعة في العالم.

ويمتد تأثير حلب الثقافي من إدلب إلى حماه جنوباً وصولاً الى الرقة وباقي المحافظات الشرقية، بالإضافة إلى المدن والمناطق السورية التي ضمت إلى تركيا. كما اعتُبرت حلب، قبل الثورة السورية، العاصمة الاقتصادية وأكبر مدنها وفيها تركزت الصناعات وكبرى رؤوس الأموال.

ولطالما تركز النزاع بين أهالي المدينين على أي من المدينتين هي الأكبر والأقدم والأكثر تأثيراً في سوريا.

يُقال أيضاً، إن قابلت حلبياً خارج بلاده سيُعرّف عن نفسه بالفم الملآن أنه من حلب، أي أنه يستحضر هويته الحلبية قبل السورية، ربما كنوع من الرد حول تحجيم ثقافتهه ودورها الرئيسي في البلاد على مدى عقود من الزمن.

يرى الباحث والناشط في الشأن العام أنطون مقديس أن "المشكلة الرئيسية ليست في رغبة الحلبيين في إبراز هويتهم المختلفة وفرضها، وإنما في سياسات الحكومة المركزية التي اختزلت الهوية السورية في دمشق وتراثها الذي ضمّنته كل التاريخ والأمجاد والبطولات، في المقابل لم يُذع يوماً أغنية واحدة تغنّت بحلب".

يضيف مقديس قائلاً: "حلب ليست الوحيدة، إذ همّشت هذه السياسات ثقافات المدن والمناطق الأخرى، كما سمحت بتكرار صور نمطية استهزائية عنهم، فُعرف الحلبي برجل سمين يحب معدته وله لهجة ثقيلة ومضحكة ولُقب بـ′المعلاق′ أي كثير الكلام وثقيل الظل، والحمصي مجنون وفُكاهي، وأهالي الجزيرة جاهلين وبدو ولا تراث لهم سوى الدشداشة العربية، بينما الشامي سُطرت له البطولات والأصالة".

خمسة موضوعات يتماثل فيها السوريون

الأسماء

يقول الكاتب اللبناني حازم صاغية في مقال نشره حول تطور الأسماء في المنطقة "أنه "في ظل حكم البعث المديد لسوريا وتمدده إلى لبنان (...) جعلت تتكاثر بين السنة السوريين والطرابلسيين أسماء موغلة في التاريخ الإسلامي لا تقف عند حذيفة وصُهيب".

عند النظر في الواقع، نرى أن هذه التسميات تتعدى كونها جذابة للسوريين السنة فقط كما يذكر الكاتب، حيث تجلت أسماء من الجاهلية والإسلام منذ منتصف السبعينيات كعروة، وقيس، وأوس، وزيد، وصفوان، وصهيب، وعفراء، وبادية، ولبنى وغيرها في أوساط السوريين على اختلاف انتماءاتهم، حتى بين المسيحيين الذين اتجهوا إلى تسميات عربية وإسلامية بشكل لافت مع تحرير اللغة العربية من حاضنتي الإسلام والقرآن في أواخر القرن التاسع عشر وجعلها إرثها الأدبي والثقافي ملكاً للجميع.

ولا يبدو أن مبدأ العروبة لدى حزب البعث هو اللاعب الوحيد في أحداث التماهي في الأسماء لدى السوريين، حيث يُعتقد أنه مع استحواذ البعث على السلطة وفرض مبادئه على مختلف جوانب الحياة في البلاد، جرى ضغط على السوريين يقضي بعلمنة الحياة الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي دفع بكثيرين ممن لم يرغبوا بأسماء عربية وإسلامية قديمة إلى استيحاء تسميات حديثة ذات أصل عربي فتميزوا بتسميات مثل يزن، باسل، يامن، كنان، نورس، همسة، نسمة، سلافة، ميادة، تغريد وغيرها التي توحي لسامعيها بأنها تخص سوريين.

الأسماء العربية، ألفاظ وصيغ الود، شرب المتة، التعلق بالدراما السورية، النوستالجيا والوجدانيات... خمسة موضوعات اجتماعية يتماثل فيها السوريون ضمن ما يشبه حالة عامة

كل ما سبق لا يلغي حقيقة كون اسم محمد هو الاسم الأكثر انتشاراً في سوريا، وأن اسمي جورج والياس/إيلي هما الاكثر انتشاراً لدى المسيحيين الأرثوذكس، وأن للأكراد والسريان والشركس أسماءهم أيضاً، وأن قسم لا بأس به من السوريين القوميين الاجتماعيين ظل على أسماء أليسار وأدونيس وأوغاريت وسرجون.

ألفاظ وصيغ ود مشتركة

"خيّو"، "ما لك علي يمين"، "وحياة معزتك عندي"، "على عيني"، "على راسي من فوق" إلى جانب ألفاظ فصيحة توكيدية كـ"قسماً بالله، صدقاً، رأساً، وحتماً، وعموماً..."، وغيرها من مصطلحات الشارع السوري والتي نشأ أغلبها في إحدى المناطق، وحدث أن رغب السوريون بتداولها وتطبيعها.

ويٌعتقد أن أصل لفظة "خيّو" وهي تلطيف لـ"أخي" حلبي إذ يقولون هناك "يا خيّو" و"يا خيت"، ولعلها أكثر ما استحسنه السوريون واستخدموه في لغتهم اليومية كأحد أساليب الود أثناء مخاطبة الغير والتي يشتهرون بها في المنطقة العربية والعالم.

يعتقد عباس أن "مرور أكثر من 38 حضارة على المنطقة، فرض إلى حد بعيد على سكانها ابتكار أساليب خطابية تتودد في كل مرة إلى الآخر". وتنتشر هذه الألفاظ في منطقة بلاد الشام بشكل عام فنقول "يعطيك العافية"، "يخليلي ياك"، "يا عيني"، "يا قلبي"، "يا روحي" وأشهرها طبعاً "تقبرني"، إلا أن السوريين عُرفوا بأنهم أصحاب القاموس الأوفر بهذه المفردات، كما أن استخدمها بين فئة الشباب لا يزال حاضراً أكثر من بلدان مجاورة كلبنان.

شُرب المتّة

قد يتجاوز تقليد تناول منقوع أوراق الجيربا/المتة لدى السوريين تقليد الإنكليز الشهير في تناول الشاي الأحمر، إذ يمثل حاجة أساسية لدى كثيرين لا تُشبَع بلترين يومياً. وهو ما يفسر ضم مصرف سوريا المركزي المتة إلى لائحة السلع الأساسية المدعومة للاستيراد.

وحسب "المؤسسة الوطنية للمتة" الأرجنتينية، تلقى السوريون 34.5 ألف طن من المتة من أصل 43 ألف طن من صادرت المؤسسة، خلال عام 2018، ما يجعل سوريا أكبر مستورد للمتة في العالم.

برز تقليد تناول المتة في سوريا ولبنان مع عودة قسم من المهاجرين في أمريكا اللاتينية إلى بلدانهم في أوائل القرن الفائت، حيث بدأوا باستيراد أوراق المتة وتعبئتها وضخها في الأسواق المحلية التي استجابت بشكل مُلفت للعرض، لتتحول سوريا في ما بعد إلى البلد الوحيد خارج أمريكا اللاتينية الذي يتخذ فيه تناول المتّة طابعاً ثقافياً.

برز تقليد تناول المتّة في سوريا ولبنان مع عودة قسم من المهاجرين في أمريكا اللاتينية إلى بلدانهم في أوائل القرن الفائت، حيث بدأوا باستيراد أوراق المتّة وتعبئتها وضخها في الأسواق المحلية التي استجابت بشكل مُلفت للعرض.

"لم يعد تواجده مقتصراً على البيوت والمقاهي ولا في الرحلات والجلسات الخارجية، بل أصبحنا نرى كؤوس المتة في المكاتب والمحال التجارية وفي دوائر الدولة الرسمية"، يقول أحمد من درعا معرّفاً عن نفسه بأنه أحد عشاق المتّة.

ترتبط ثقافة شرب المتّة في سوريا بشكل عام بالبيئة القروية، كما يربطها السوريون بالصورة النمطية حول العلويين الذين يُكثرون من تناوله، كما ارتبطت بالدروز ولكن بتنميط أقل.

أخذ هذا التنميط بالتقلص تدريجياً خلال العقدين الأخريين مع عبور هذا التقليد إلى المدن السورية، وتحوّله من عادة قروية فلاحية إلى ما يشبه تقليد شعبي عابر لكل الطبقات الاجتماعي والمكونات، يساعد الشباب في الجلسات المسائية على محاربة الملل، ويؤنس كبار السن الذين يميلون إلى شربه لفوائده الصحية.

وبحسب عباس، يرتبط الإقبال الكبير على المتة بسياسة ترييف المدن السورية التي أشرنا إليها سابقاً.

التعلق بالدراما السورية

يصعب ألا ينال أي منتقد للدراما السورية أو أحد أعلامها كمّ استهجان بالغ من قبل جمهورها السوري الذي يلقبها بدراما الواقع، ويعتبر أنها أهم ما يتم إنتاجه وتصديره في سوريا، كما خصص لها هذا الجمهور عشرات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لرصدها واستذكار أعمالها، كما فوّقُها من خلال ميزتها "الواقعية" على باقي إنتاجات المنطقة بما فيها التركية التي دُبلجت بألسنة سوريين.

أحدثت الثورة في سوريا مما لا شك فيه شرخاً في أوساط متابعي الدراما السورية، الذين راحوا يتفاعلون مع مواقف النجوم المؤيدين للثورة وأولئك المعارضين لها، فضلاً عن بروز خلاف كبير حول تقييم الأعمال التي أخذت تتبنى وجهات نظر النظام وروايته لما يجري، مقابل تلك التي هاجمته. غير أن أكثر ما توافق السوريون عليه، بعد دراما 2011، هو الموقف الحانق على الدراما العربية المشتركة التي أخذت بالانتشار على حساب الأعمال المحلية بعد تضرر قطاع الإنتاج الدرامي سوري وفرض النمط المشترك من قبل المُنتِج العربي، ما أدى إلى اشتداد الانحياز إلى المُنتَج والممثل السوري، كما برزت بين المتابعين آراء تعتبر أن الأعمال المشتركة قد أفسدت الدراما السورية وأخرجتها من لباسها الذي يحاكي مشاكل المجتمع، وأخذ البعض ينسب نجاح أي عمل مشترك لتواجد نجوم سوريين فيه.

يرد الممثل والكاتب السوري إياد أبو الشامات في حديث لرصيف22 أسباب هذا التعلق الشديد والحماسة، لكون "المواطن السوري متعطش دوماً لأن يرى نفسه ومشاكله وقضاياه على الشاشة، في ظل ضعف الصحافة والسينما والنشر الأدبي في سوريا، فأودى به إلى تعليق كل أماله على الدراما باعتبارها المنبر الوحيد المتبقي لإيصال صوته، وازداد تعلقه بها لقربها من حياته اليومية، لذا تحول مدى واقعية أي عمل وقربه من المواطن معياراً لجودة أي عمل درمي لدى الجمهور".

يتابع أبو الشامات "في المقابل شعر المواطن السوري أن الدراما المشتركة تضيق له هذا المنبر، وأنها دراما اصطناعية لا تلامسه، وقد يكون له أحكاماً قاسية أحياناً، إلا أنه لا يمكننا في النهاية لوم أي جمهور على زوقه أو طريقة تفاعله".

نوستالجيا ووجدانيات

غالباً ما يشارك سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاعر الحنين لفترات سابقة من ماضيهم أو يذّكرون بمعلومات تثير الفخر عن تاريخ سوريا، ويستحضرون قصائد تُشيد بدمشق وسحرها، وحتى التغزل بأطعمة سورية معروفة، كالـ"المكدوس" الذي ينال قدراً كبيراً من التفاعل والحب على مواقع التواصل الاجتماعي كل عام خلال موسم تحضيره.

فيض الحنين هذا يوجه بأغلبه إلى دمشق "الشام" عصب الهوية السورية ومركزها، فنقرأ مراراً مناشير عن سحرها الشرقي وعن أزقتها العتيقة وعن ياسمينها الأبيض وعن مائها، وعن لحظات لا تُنسى فيها. وليس مستغرباً أن يشارك أشخاص من اللاذقية أو درعا أو دير الزور مناشير وجدانيات عن دمشق.

يرى عباس أن هذه المظاهر "ترتبط إلى حدٍ بعيد بحداثة التهجير فيما الحنين سمة رئيسة ترتبط بتهجير الشعوب"، لافتاً إلى أنه "يتضاءل مع الوقت ويبدأ الانسجام مع المحيط الجديد".

هناك من يرى أن قسماً من الشباب السوري بات يبحث عن هويته التي مزقتها الحرب ونتائجها ومزقت معها فرص التطلع إلى المستقبل والبحث عن الخلق والتمايز، في مقابل هامش ضئيل للتعبير عن الرأي في شؤون البلاد الراهنة، وبالتالي يجد الشخص نفسه محاصراً بالعودة إلى التاريخ واستعادة أجزاء وروايات منه يسعد بها، وتساعده في تشكيل صورة عن نفسه، أو ربما في إعادة تشكيل هويته من خلالها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard