الملحدون في سوريا... نتاج عنف العصبيات الدينية وصراعات المشايخ السياسية

الثلاثاء 23 يوليو 201905:52 م

كما كان المشهد الطائفي سبباً في تعميق الاصطفافات في المجتمع السوري وإغراقه في القضايا ذات الطابع الديني، كان له أيضاً دور كبير في نشوء نزعات أخرى لادينية لم تعد تجد في الدين ما نص عليه من سلام وتآخٍ ومحبة، ولم تعد تقنعها التفسيرات الغيبية عن ماهية الخلق والوجود.

وتشكل الفئة العمرية الشابة العدد الأكبر من المشككين في الثوابت الدينية، وتتنوع خياراتها بين اللاأدرية والربوبية وصولاً إلى الإلحاد الخالص.

صراعات المشايخ السياسية تطيح بالدين

"لو أنني أكملت في طريق التدين وحضور الدروس الدينية لكنت الآن قاتلاً أو مقتولاً"... بعبارته هذه يختصر مروان، الشاب الثلاثيني الشامي الأصل، شكل الدرب الذي كان محتملاً أن يسلكه بداية عام 2011، إذ كان يقطن وقتذاك بالقرب من ساحة العباسيين، محط أنظار الفصائل المسلحة، كونها تصل حي جوبر الذي كانت تسيطر عليه بمدينة دمشق.

لم يشكك مروان بالله منذ البداية، فقد أسلم له قبل أن يبدأ تسميته بـ"الوهم" لاحقاً، وكان لمحطات حياته التي شكلت كتلة تراكمية من نقد المفاهيم الدينية الموروثة الأثر الأكبر في هذا التحول الجديد.

نشأ مروان على تعاليم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في جامع الإيمان في دمشق، وكانت تبث في نفسه الروحانية والإيمان، كون الشيخ الراحل كان يركز في معظم دروسه على شرح ما جاء في كتابيه "كبرى اليقينيات الكونية" و"الجهاد في الإسلام"، وتقديم أدلة دينية للرد على كل ما يُثار حول الإسلام من مآخذ وشبهات تتهمه بأنه يحلل القتل ويرغم غير المسلمين على الدخول فيه.

ولما كانت أجهزة الأمن السورية تتحكم بما يقال في خطب الجوامع، وتولي مساحة واسعة فيها لنشر إسلام يحرّم الخروج على الحاكم، راحت في الوقت نفسه تُعقَد في المنازل بعيداً عن الرقابة الأمنية دروسٌ تحمل فكراً مخالفاً لما يتم الترويج له عن الإسلام "المنضبط أمنياً".

حضر مروان واحداً من الدروس التي كان يعقدها أحد مشايخ منطقة جوبر قبل نشوب الاحتجاجات، حمل في ثناياه حزماً ضد المظالم التي كانت تقع على السوريين، من اعتقالات ومحاربتهم في لقمة عيشهم لصالح تغوّل فئة من الضباط والمسؤولين، وتفسيراً حاداً لبعض الآيات القرآنية لم يكن قد سمعه من البوطي.

كل ذلك كان كفيلاً بأن يحول المرء إلى "وحش"، برأي مروان الذي يقول: "أذكر أنني سمعت في ذلك الدرس أن مَن لا يؤمن برسالة محمد وما جاء فيها، فهو من الكفار، استناداً إلى آية {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، كما أن فتاوى ابن تيمية المتعلقة بالنصيرية كانت حاضرة بقوة".

وكان تعدد توجهات المشايخ السياسية من بين الأسباب التي جعلت مروان، المنتمي إلى الطائفة السنية، يعيد التفكير في انتمائه للإسلام.

وعندما وصلت الأمور إلى الاقتتال بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة، اشتعل الخلاف بين البوطي ومحمد راتب النابلسي وغيرهما من المشايخ على تفسير ما يجري في سوريا، فهو مؤامرة من الخارج بإدارة أمريكية إسرائيلية كما قال الأول، وثورة شعب ضد القمع والاستبداد كما قال الأخير الذي للمناسبة كانت دروسه الدينية تغزو صباحات السوريين في الميكرو باصات وسيارات الأجرة قبل أن يعلن موقفه المؤيد للثورة السورية عام 2012.

بعد تصاعد العنف في سوريا بدأ مروان يطرح أسئلة عن الطرف الذي يُمثّل الحق خاصة وأن الأطراف المتقاتلة يدّعي كل منها دفاعه عن الحق، وبات ينتظر أية إشارة أو تدخل من الله لوقف الاقتتال، على اعتبار أن المفهوم الديني الذي تلقاه كان يقتضي أن {اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وأنه "الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ والحَقُّ القُدُّوسُ".

لكن التأويلات الدينية التي تميزت بكثرة المعاني المُفَسِرة للنص أو المستنبطة منه، جعلت مروان يتجه نحو التفكير الجدلي البعيد عن انحيازات المشايخ.

واستطاع في مرحلة لاحقة من عام 2014، بعدما بدأ بالاطلاع على علوم وثقافات أخرى بعيدة عن المنظور الديني، أن يتخلص من شعور الذنب الذي كان يرافقه، حتى أن الصلاة لم تعد تمثل له تلك القدسية التي كانت عليها، واعتزل فرائض الإسلام وأركانه، لاقتناعه بأن ما ورد في القرآن ليس مُنزلاً، وأن الله مجرد وسيلة لتحقيق غايات سلطوية، ومن الأفضل له أن يكون حراً في استكشاف الكون والبحث عن إجابات منطقية.

بين الشرائع والروحانيات

ليس اختلاف مواقف المشايخ السياسية في سوريا وحده ما أدى إلى التمرد الفكري والخروج عن السلطة الدينية التي عمل نظام البعث على ترسيخها بالقوانين وانتشار المدارس والمعاهد الشرعية، بل اختلافهم حتى في تفسير أحكام الأمور الحياتية التي تعج بها الخطب والفتاوى من تحليل وتحريم.

بعض هؤلاء المشايخ يجتهد في تطبيق أساليب لغوية جديدة في محاولة لإيجاد تفسير عصري للقرآن، وبعضهم الآخر يُعرف بتشدده الفقهي والتوجه المحافظ للمذاهب الأربعة، الأمر الذي يتسبب بتشتت ذهني لكثير من المؤمنين بالإسلام وتشدد في الأفكار والانتماء للهوية الدينية.

نشأ مروان على تعاليم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في جامع الإيمان في دمشق قبل أن يصف الله بـ"الوهم"... مروان واحد من أولئك الذين دفعتهم الطائفية وتسيّس المشايخ إلى الابتعاد عن الدين نحو الإلحاد

تغيرت قناعات عمرو عندما شارك في التظاهرات السلمية في منطقة قدسيا في ريف دمشق. صار يرفض أجوبة شيخ الحضرة مثل "الله عالم بكل شيء، وله حكمة من كل ما يجري". لم يقتنع بأن ثمة حكمة نبيلة من قتل الكثير من الأبرياء

بألم فائق، يستذكر عمرو ديب، وهو  من ريف دمشق تخرج من كلية العلوم ويقيم في ألمانيا حالياً، نفوره من شقيقته الكبرى ومحاولة إقناعها بارتداء الحجاب لتنبهه إلى أن ثمة "مفاتن للمرأة"، علماً أنه لم يكن قد ناهز عمر البلوغ حينها.

يبلغ عمرو الآن السابعة والعشرين من عمره ولا يزال يُحمّل مسؤولية الأذى النفسي الذي لا يزال يعاني منه، بسبب الفتور الذي أصاب علاقته بشقيقته، للدروس التي كان يواظب على حضورها.

كانت الدروس في معهد الأسد لتحفيظ القرآن قد رسّخت في ذهن عمرو مفاهيم آيتي {الرِجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} و{ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}، حتى أنه تبنى في مرحلة المراهقة مشروع هداية الفتيات "السافرات" كما كان يسميهن بدافع أن فعلته هذه ستُعلي شأنه عند الله.

اختلطت الأمور على عمرو وبدأت مرحلة التشتت الذهني، عندما حرّم عليه شيخ المعهد العمل نادلاً في أحد المطاعم، لأن النقود التي تأتي من عمل كهذا ليست حلالاً، كما حرّم عليه وعلى أصدقائه التفكير بالجنس وممارسة العادة السرية، استناداً إلى أحد أحاديث النبي محمد "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ".

وبما أن عمرو لم يلتزم تعاليم شيخه، تولّد لديه شعور داخلي بالذنب لارتكاب ما يعتبره الإسلام من المحرمات، لكنه بدأ البحث عن تفسير آخر يخفف عنه عذاب الضمير، فوجد ما يصفه بالتفسير الروحاني عند واحد من مجالس الحضرة التي كانت تقيم جلسات الذكر والأناشيد وتركز على أن يفعل المرء ما يشاء شريطة ألا يؤذي أحداً.

"كنت أشعر بالراحة النفسية في هذه المجالس، وكان مشايخها يؤمنون بأن الله يختار خيرتهم، ويباركه بقدرات خاصة، فيصبح عالماً بالغيب وصانعاً للمعجزات"، يقول عمرو معلقاً: "صدّقتُ ذلك في البداية، نظراً لما كنت أشعر به من تسارع في نبضات قلبي ورعشة في جسدي، عندما كان الشيخ المختار يزورني في أحلامي".

تغيرت قناعات عمرو عندما شارك في التظاهرات السلمية في منطقة قدسيا في ريف دمشق مرات عدة، وصار يرفض أجوبة شيخ الحضرة مثل "الله عالم بكل شيء، وله حكمة من كل ما يجري"، ولم يعد يقتنع بأن ثمة حكمة نبيلة من قتل الكثير من الأبرياء.

ومع تسلح المتظاهرين، وظهور شعار "يا قائدنا يا عرعور"، مع بزوغ "نجومية" الداعية عدنان العرعور في سنوات الثورة الأولى، ابتعد عمرو عن الحراك الشعبي لرفضه تغيير النظام بالسلاح، وبدأ بالانسلاخ تدريجياً عن الالتزامات الدينية التي كانت تؤثر بشكل مباشر في سلوكه اليومي.

شكّل ذهابه إلى لبنان والتعرف على بيئة أكثر انفتاحاً، والعمل لاحقاً في منتجع عائد لعائلة شيعية في منطقة الجنوب، نقطة تحول في توسع إدراكه ووعيه.

لم يهتم عمرو حينذاك بما إذا كان عمله يتطابق مع التفسيرات الشرعية، وأدرك أن تصوراته عن الشيعة لم تكن في مكانها، فهم كما يقول: "يختلفون عن السُنة في تفسير كثير من الأحداث الدينية، لكنني لم أجد عندهم ما يدفع إلى اتهامهم بالكفر، كما كان يشيع بين أبناء جلدتي من الطائفة السُنية، أو أنهم يدفعون النقود في سبيل تشييع الآخرين".

ساعدته تجربة السفر التي أوصلته إلى ألمانيا، وما ترسب في ذهنه من مخزون ديني متناقض بين المفهوم الشرائعي والروحاني على التحرر من التابوهات والمحرمات الدينية، وأصبح يعتبر الله "ديكتاتوراً" سيؤدي تطبيق تعاليمه الواردة في القرآن إلى الكبت والانقياد العاطفي الأعمى من دون إعمال العقل والمنطق.

الطائفية طريق إلى الإلحاد

لطالما تغنى السوريون بأن الحي الواحد يضم سكاناً من انتماءات دينية متنوعة، وأن أحداً لم يكن يهتم بمعرفة ما يدين به الآخر، وإلى الآن تردد غالبية الشعب السوري عبارتي "اللحمة الوطنية" و"نحنا ما عنا طائفية"، على الرغم مما يدور خلسة، من أحاديث طائفية عن تصورات كل طائفة إسلامية عن الأخرى، وعن الاختلافات بين المسيحيين والمسلمين.

دفع الاختلاف المذهبي بين طوائف الإسلام إلى نسج روايات تزيد الفرقة بينها. فالسُنة بنظر الشيعة لا يؤتمن لهم جانب ويميلون حيث تميل مصالحهم، والعلويون برأي السنة ليسوا جزءاً من الإسلام لعدم التزامهم بالصوم والصلاة وتخلي نسائهم عن الحجاب، ويزيد من المآخذ عليهم أنهم الطائفة الأقلية التي تحكم سوريا منذ خمسين عاماً.

في المقابل، يصر العلويون على أن مذهبهم مكروه من السنة، في حين أن الشيعة بنظر السنة يحرّفون القرآن، ويكرهون الصحابة ولهم بدعهم الخاصة، وتربطهم بالعلويين ولاءات سياسية.

هذه الروايات التي تعود جذورها إلى التنشئة الفكرية المدعومة بمزاعم دينية موثقة، جعلت أسامة، مدرب التنمية البشرية من مدينة حمص، المولود من أب شيعي وأم سنية، يخوض بحثاً محموماً ليعرف أياً منهما هو الصحيح. وبما أن العلوية والدرزية من الطوائف الأقلية في سوريا، لم يكن يعتقد أن الصواب يكمن في أي منهما.

كان أسامة في تلك الفترة في عز تدينه، وقد حصل على إجازة في التجويد، وواظب سنوات طويلة على حضور دروس تحفيظ القرآن ودراسة أصول الفقه وعلم التوحيد والكلام على المذهبين السني والشيعي.

كان أسامة تواقاً للعثور على الحقيقة في كُتب السنة والشيعة لكنه بالقدر نفسه كان ينبذ الدين الإسلامي كلية، ويشق طريقه نحو الإلحاد، وقد تأكد من ثبات توجهه الإلحادي عندما مرضت أمه بالسرطان، فلم يصلِّ حينها إلى الله لتتماثل إلى الشفاء. حينها أدرك أن إلحاده ليس من النوع المبني على الامتثال العاطفي المصاحب للحزن أو الموت.

كانت حادثة غدير خم واحدة من الحوادث التي جعلت أسامة يتوقف ملياً عندها، فالسنة والشيعة يجتمعون على ما ورد عنها من نصوص ويشتد خلافهما في تفسيرها، كذلك الأمر في قصة فاطمة الزهراء وما تثيره من سجالات بين المذهبين، وبرأيه "هذه الاختلافات لا تستحق الطائفية المشتعلة في القلوب، وما ينشب من أجلها من حروب، وتقدم خدمة مجانية للأنظمة السياسية لتكون لجاماً تقود به الشعوب".

الانطلاق من شوفينية دينية

تنسحب اللغة الطائفية أيضاً على ما تُظهره غالبية المسيحيين من عدم تقبل للإسلام وما جاء فيه.

وينطلق المسيحيون من شوفينية دينية مفادها أن المسيح نشر رسالته من دون أن يسفك قطرة دم واحدة، على عكس محمد الذي أمر بشن الغزوات لنشر الإسلام وركز على زيجاته المتعددة التي تتنافى برأيهم مع ما تحمله النبوة من قدسية تسمو فوق الرغبات الجسدية.

وساهم بعض قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من التشريع الإسلامي في تفاقم إحساس عدم الإنصاف بينهم وبين المسلمين، فتوزعوا بين تيار يشيع خطاب المودة بين أبناء الديانتين، وآخر عقائدي يقول إن محمد تأثر بالهرطقة الأريوسية بعد لقائه الراهب بحيرا. 

الفروق العميقة بين الإسلام والمسيحية وما تحمله من رفض للآخر، جعلت طوني ينحو نحو الربوبية، معتبراً أن الأديان صناعة بشرية، وأن المسيح معلم حكيم، رافضاً فكرة الألوهية والمعجزات.

كان طوني واحداً من أفراد هذه الدائرة التي تشكل الكنيسة نواتها الأساسية. لم يكن متديناً في بادئ الأمر، فهو من مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، والقاعدة الدينية فيها "ليست عميقة" حسب وصفه. بيد أن انتقاله مع عائلته للاستقرار في دمشق، وانضمامه إلى كنيسة الزيتون في باب شرقي، بدّلا من توجهاته. وأصبح ملتزماً الصوم والصلاة، وما تتضمنه العقيدة المسيحية من إيمان بالآب والابن والروح القدس.

وبما أن قناعة طوني بالدين المسيحي جاءت بناءً على ما فرضته البيئة المحيطة به، كان كثيراً ما يصطدم بنزعات أصدقائه التعصبية التي لمسها أثناء انخراطه في نقاشات دينية، ومرد ذلك إلى الجدل بين المسيحيين والمسلمين لإثبات الأصح بينهما، في ظل ما تحويه كتبهم من تناقضات شديدة، أبرزها الاختلاف القائم على صلب المسيح وقيامته، وعلى أن طريق الجنة في المسيحية يتلخص بقول المسيح "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا"، في حين يرى المسلمون أن "الدِّين عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ".

هذه الفروق العميقة بين الدينين وما تحمله من رفض للآخر، جعلت طوني ينحو نحو الربوبية، معتبراً أن الأديان صناعة بشرية، وأن المسيح معلم حكيم، رافضاً فكرة الألوهية والمعجزات، فـ"القلوب المفتوحة والعقول المتحررة أشد نفعاً للإنسانية من عقول وقلوب متحجرة بفعل عقائد متصلبة"، وفق قوله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard