"قلبي قلبك"... هل تصلح مجموعة فيسبوك ما صنعته الحرب في نفوس السوريين؟

الثلاثاء 11 فبراير 202010:27 ص

"أعاني كآبة مزمنة"، "أشعر وكأنني مصابة بانعدام التركيز"، "أعتقد بأنني مدمن على الطعام وخاصة السكر، ولا يمكنني التوقف عن الأكل"، "أفكر بالانتحار بشكل جدي"، "ما عدت أجد أي معنى للحياة".

عشرات المشكلات والاضطرابات النفسية والاجتماعية التي لم أتخيل بأن يجتمع أصحابها في مكان افتراضي واحد، وخلال أيام قليلة، ليبوحوا لبعضهم البعض بما فعلته بهم الحرب الدائرة في بلادهم سوريا منذ حوالي تسع سنوات، وكأنهم كانوا في انتظار هذه المساحة على أحر من الجمر، لتبعد عنهم شبح أن يضطروا للمعاناة وهم وحيدون.

"قلبي قلبك" هو اسم تلك المساحة التي ظهرت مؤخراً على موقع فيسبوك، بمبادرة من ناشطة نسوية سورية تعيش في العاصمة الألمانية، برلين، حين شعرت بحاجتها وحاجة آلاف السوريين في مختلف بقاع الأرض للتعاضد وإن بشكل افتراضي، في مواجهة ما فرضته عليهم الحرب من عزلة ووحدة وكآبة، فوصل عدد أعضائها لأكثر من عشرة آلاف، وعدد منشوراتها اليومية لما يقارب مئة وخمسين.

منشورات وقضايا متنوعة

المحرك الأساسي لإنشاء المجموعة، وفق ما تقوله مؤسستها دينا أبو الحسن، لرصيف22، كان وفاة عدة شباب سوريين في أوروبا بأزمات قلبية مفاجئة. لم تستطع دينا الوقوف متفرجة وهي تشعر بأن الموضوع مسها بشكل شخصي، مع إصابتها أيضاً بأزمة قلبية مفاجئة منذ حوالي عام.

وتتابع: "كنت محظوظة حينها لأن صديقتي أسعفتني، لكنني لم أتوقف عن التفكير بهؤلاء الشبان الصغار وكيف عانوا في لحظاتهم الأخيرة وهم وحيدون دون عائلة أو أصدقاء". وتقدر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وجود أكثر من 5.6 مليون لاجئ سوري في بلدان الجوار وأوروبا وغيرها من أصقاع العالم.

بذلك، عمدت دينا (50 عاماً) لتأسيس مجموعة فيسبوك أطلقت عليها اسم "قلبي قلبك"، وكأنها تريد لها أن تكون مكاناً يجمع قلوب السوريين ويواسيها في أحزانها، ويجنبها الإصابة بأي مرض قد يوقفها عن النبض.

"بعد وفاة أكثر من شاب من زينة شبابنا، بسبب النوبات القلبية أو المعاناة من الوحدة والعزلة في الغربة، أنشأنا هذه المجموعة كي لا يكون أحد منا وحيداً أو يشعر بالعزلة في غربته. لنساعد بعضنا ولنخفف على قلوب بعضنا ونحميها من الوجع، بغض النظر عن مكان تواجدنا، نحن هنا لنسمع ونحكي مع بعضنا البعض"، كتبت دينا في وصف المجموعة.

عشرات المشكلات والاضطرابات النفسية والاجتماعية التي لم أتخيل بأن يجتمع أصحابها في مكان افتراضي واحد، ليبوحوا لبعضهم البعض بما فعلته بهم الحرب الدائرة في بلادهم سوريا، وكأنهم كانوا في انتظار هذه المساحة على أحر من الجمر، لتبعد عنهم شبح أن يضطروا للمعاناة وهم وحيدون

وبعد أيام قليلة، انتشرت المجموعة بين آلاف السوريين وأيضاً العديد من غير السوريين الناطقين باللغة العربية، فانضموا إليها وبدأوا بالحديث عبرها عما يصادفونه من مشكلات في حياتهم اليومية، وتحوّلت خلال زمن قصير إلى منصتهم الرئيسية للفضفضة والتفريغ النفسي، وحتى طلب المساعدة والاستشارات على كافة الأصعدة.

وتتنوع منشورات المجموعة، بين تجارب ذاتية يرغب أصحابها بمشاركتها مع بقية الأعضاء، وقصص حياة كاملة يروي أصحابها ما مروا به خلال سنوات الحرب، وأخرى تشرح عن المعاناة الحالية، كصعوبة الاندماج في المجتمعات الجديدة، الأمر الذي يتطلب تعلم لغات واكتساب مهارات لم يتقنها السوريون قبلاً في بلادهم، ما يؤدي لتأخرهم في الدراسة والعمل عن أقرانهم، وتختص بعض المنشورات بتقديم النصائح والمساعدة، أو توصيات بقراءة كتب أو حضور وثائقيات معينة قد تكون مفيدة لأعضاء المجموعة.

"هو المشروع الإنساني الأهم حتى اليوم بالنسبة للسوريين"، "هذه المجموعة ثورة بحد ذاتها"، "هي المرة الأولى التي ألمس فيها كل هذا التعاضد بين السوريين"... هكذا يصف عدد من أعضاء "قلبي قلبك" هذا المشروع الوليد، وكأنهم كانوا في انتظاره ليفرغوا ما بجعبتهم من حكايا لم يعد أحد مهتماً بالاستماع إليها.

كما يسعى أعضاء المجموعة لنقل هذا المشروع إلى أرض الواقع، عن طريق عقد لقاءات فعلية في مدن أوروبية، على رأسها برلين وباريس ولندن، بهدف التعرف على بعضهم البعض، وتقديم مساعدات فعلية خاصة لأولئك الذين يعيشون وحيدين دون عائلاتهم. "لا حدود لنا سوى السماء"، تقول دينا متفائلة بقدرة المجموعة على احتضان الشباب السوري وتخفيف وطأة الغربة عنهم.

نحن مليئون بالغضب

هذا التفاعل الكبير والإيجابي على مجموعة "قلبي قلبك" لم يمنع بعض حالات الانقسام والتنمر بين أعضائها، "نحن مليئون بالغضب، وهو بانتظار أي فرصة كي يخرج وينصب على الآخرين"، تتحدث دينا أبو الحسن عن تلك الحالات، حيث يختلف تفاعل الأعضاء مع منشورات قد تثير رضا البعض وحفيظة البعض الآخر.

وتعزو دينا ذلك للانقسامات الكبيرة التي شهدها المجتمع السوري على كافة الأصعدة في السنوات الأخيرة، "فكل سوري مقتنع برأيه على حساب آراء الآخرين الذين يعتقد بأنهم على خطأ ويطالبهم بمناصرته"، وتضيف، بأن ميل السوريين للسخرية من واقعهم وظروفهم المأساوية لم يعد مقتصراً على أنفسهم فقط، وإنما بات منصباً حتى على مشكلات الآخرين التي أصبح كل شخص يراها غير مهمة مقارنة مع معاناته الذاتية.

"يؤلمني ذلك، وأرى ضرورة وجود آليات علاج للتخلص من هذا الغضب المكبوت داخلنا تجاه بعضنا البعض"، تقول دينا مشيرة إلى اضطرارها فرض بعض القوانين في المجموعة بمساعدة عدد من المديرين المتطوعين، بهدف متابعة الشكاوى والحفاظ على المجموعة كمساحة آمنة ومريحة خالية من حالات التنمر والإقصاء قدر الإمكان.

المحرك الأساسي لإنشاء المجموعة، وفق ما تقوله مؤسستها دينا أبو الحسن، لرصيف22، كان وفاة عدة شباب سوريين في أوروبا بأزمات قلبية مفاجئة. لم تستطع دينا الوقوف متفرجة وهي تشعر بأن الموضوع مسها بشكل شخصي، مع إصابتها أيضاً بأزمة قلبية مفاجئة منذ حوالي عام

هل يمكن لمجموعة فيسبوك المساعدة؟

إضافة لكل ذلك، تضم مجموعة "قلبي قلبك" أطباء ومعالجين نفسيين عرفوا عن أنفسهم لبقية الأعضاء، عارضين تقديم خدمات واستشارات نفسية لمن يشعر بالحاجة لها.

"قد تكون هذه الخطوة من أهم نتائج المجموعة، فنحن كأصدقاء ومعارف لن نكون قادرين على مساعدة حالات محددة بالشكل الصحيح، وهنا يأتي دور الأخصائيين"، تشير دينا أبو الحسن في حديثها.

من هؤلاء الأخصائيين الطبيب النفسي مهيار الخشروم، المقيم في ألمانيا، والذي انضم للمجموعة مباشرة بعد تأسيسها، في محاولة للمشاركة بدعم السوريين في أوروبا، نظراً لقلة عدد الأطباء النفسيين الناطقين بالعربية فيها، في مقابل الحاجة الكبيرة لهم.

وفي حديث لرصيف22، يصنف مهيار المشكلات التي يعاني منها اللاجئون السوريون، وعلى رأسها اضطراب بعد الصدمة الناتج عن التجارب الصعبة التي اختبروها، سواء أثناء الحرب أو خلال رحلة اللجوء، والاكتئاب والقلق والذهان والإدمان. وتأخذ هذه الأمراض خصوصية معينة لدى السوريين، برأي الطبيب، نتيجة التجارب المريرة التي عاشوها حتى ما قبل سنوات الحرب، والتي تترافق مع شعور عام بالخذلان من كل الأطراف، وفقدان الثقة بمعظم القيم الإنسانية.

مشكلات أخرى تتمثل في الانقسامات الكبيرة التي باتت سمة عامة للسوريين في كل مكان، وعلى مستويات مختلفة، كالآراء والمواقف السياسية والقضايا الحساسة، مثل المثلية الجنسية والعابرين/ات جنسياً، وهي أمور لا يقبل سوريون كثر حتى اليوم أي حوار مفتوح حولها، وباتت تؤثر على اجتماعهم وعملهم المشترك مع بعضهم.

إضافة لذلك، يشير مهيار إلى صعوبة مهمة الاندماج التي وقعت على عاتق اللاجئين، بما فيها تعلم لغة جديدة وفهم أسس وقوانين مجتمعات اللجوء، والتكيف مع متطلبات الحياة، والعمل في مجتمعات رأسمالية معقدة مختلفة عن مجتمعهم الأهلي المغلق إلى حد كبير، ويتابع: "بذلك تلعب الوحدة ومشاعر الغربة والخوف من المستقبل والشوق للأهل دوراً كبيراً في الحياة النفسية للاجئين السوريين".

ومنذ تأسيس المجموعة، تواصل عدد من أعضائها مع مهيار لطرح أسئلة أو طلب استشارات حول جرعات دوائية أو التأكد من تشخيص معين، وهنا يرى أهمية الاعتراف بوجود المشكلة النفسية والتحرر من الوصمة الاجتماعية المرافقة لها والتواصل مع أحد الأخصائيين لعلاجها، "وهذا واحد من أهم الإنجازات التي ساهمت المجموعة بحدوثها" كما يقول.

مع ذلك، لا يعتقد مهيار بأن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تقديم المساعدة لمن يعانون من مشاكل نفسية حقيقية، ويضيف: "الموضوع أعقد من مجرد التواصل عن طريق الرسائل. لا يلغي ذلك وجود أسئلة يمكن الرد عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل التثقيف النفسي والمعلومات حول الأمراض وسبل العلاج والأماكن التي تقدم المساعدات الطبية".

ويضيف الطبيب، بأنه رأى من خلال المجموعة بأن العون النفسي الذي يحتاجه المرضى السوريون موجود بأفضل حالاته عند سوريين آخرين، فهم قادرون على فهم معاناة بعضهم البعض تماماً، ومساعدة بعضهم مباشرة وبنفس اللغة والمنطق الذي يفهمونه جميعاً. بذلك، يصف "قلبي قلبك" بأنها تجربة جميلة، لكن يجب إخضاعها للنقد والعمل على تطويرها وعدم الخوف من الدخول في نقاشات حول مواضيع حساسة، "فما حدث من تغيير كبير في سوريا يجب أن ينعكس على فكر وسلوك السوريين أنفسهم"، وفق اعتقاده.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard