ساحة تجمع كلّ تناقضات المجتمع... عن السّير في بور سعيد الجزائرية

الجمعة 7 فبراير 202004:04 م

التجوّل في ساحة "بور سعيد" الشهيرة في الجزائر, بعد منتصف اللّيل, ليس كالتجوّل بين أزقتها الضيقة وشوارعها المزدحمة في النهار. كانت الساعة تُشير إلى التاسعة ليلاً. البرد قارس، وأولى قطرات المطر تتناثر على المكان، تُعطينا رغبة كبيرة في التجوال رُغم أن الكثير نصحَنا بعدم خوض هذه التجربة ليلاً، لأنها ستكون مُخيفة ومُرعبة, لكونها ساحة يجتمع فيها "شباب السّوء" في اللّيل.


جلستُ تحت شجرةٍ أنتظر أخي الذي يكبرني بسنة واحدة, لنذهب إلى الصيدلية لاقتناء دواء مفقود لوالدتي. كنت أتفرج على منظر المارّة. الكلُّ كانوا منشغلين بالبحث عن زاوية ليقضوا فيها ليلتهم. فُتحت عمارة مُلتصقة بمحكمة "سيدي إمحمد" أو محكمة "عبان رمضان"، كما يُصطلحُ عليها. كانت سيدة جزائرية في الأربعينيات من العمر, ذات وجه مخدّد أسمر وقاسٍ, تطغى عليه سمة البؤس ولعنة الفقر. تفترش رفقة رضيعها وبناتها الاثنتين الرصيفَ في مشهد مُحزن ومؤثر لا يُفارق مُخيلتي. وغير بعيد عنها, كان مُشرّد تائه يبحثُ عن أنيس، لكنه لم يجد سوى الفراغ في الشارع المظلم الذي كان يعمّه الصمت, فخلد إلى النوم على "كرتون"، وغطّى وجهه بصفحات جريدة تركها مواطنٌ آخر قرأها في النهار, وتخلى عنها، ربّما لأنه كان يُدرك أنها ستُلبّي حاجة أحدهم ليلاً.

وأنتم تتجوّلون في هذه الساحة الشهيرة التي تجمع بين كلّ متناقضات المجتمع الجزائري, ستتناهي إلى مسامعكم في الليل أصواتُ تلاطم أمواج البحر الأبيض المتوسط, فللساحة جاذبية خاصة لإطلالتها على البحر ولقُربها من المسرح الوطني الجزائري (محي الدين بشطارزي)؛ فهنا يجلس الشعراء، وينزوي المثقفون، ويلتقي العُشاق ليتبادلوا مشاعرهم الرومانسية نهاراً دُون خوف من المُلاحقة المجتمعية.


ساحة للبسطاء وقبلة للاجئين

ذُكرت حديقة "بور سعيد" في روايات وخواطر الأدباء والكتاب والشُعراء، وسُمّيت بهذا الاسم نسبة لقُربها من أقدم ميناء في الجزائر. و"بور سعيد" هو اسمٌ مكوّن من كلمة "بور" أي الميناء، و"سعيد" الذي هو اسم أحد حُكّام مصر. ويعود أصل تسميتها إلى اللجنة الدولية التي تكوّنت من كلٍّ من إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وإسبانيا وبيد مونت، حيث قّررت هذه اللجنة في الاجتماع الذي عقد في عام 1855م اختيار اسم "بور سعيد" للسّاحة الشبيهة بمدينة مصرية ذات الاسم نفسه، وتقع عند مدخل قناة السويس.


هنا يجلس الشعراء، وينزوي المثقفون، ويلتقي العُشاق ليتبادلوا مشاعرهم الرومانسية نهاراً دُون خوف من المُلاحقة المجتمعية

وتحتلُ الساحة موقعاً إستراتيجياً مُهماً, فهي تتوسط محطة القطار ومحطة الحافلات, وغير بعيد عنها وبالتحديد في ساحة "الشهداء" تقع محطة ميترو، إضافة إلى مواقف سيارات الأجرة.

فلا صوت يعلو فوق صوت الضجيج الناتج عن اختلاط أصوات السّيارات وصوت صافرات البواخر المنبعثة من البحر الأبيض المتوسط، ناهيكم عن صيحات طائر النّورس أو ما يُسمى بـ"قرصان البحر"، وصرخات الترويج التي يُطلقها باعة العُملة الصعبة الذي يُحيطون بالسّاحة لاصطياد فرائسهم القادمين من مُختلف محافظات الوطن، لاقتناء العملة الصعبة منها, فهي تكتنز موازنة كبيرة تفوق 4 مليارات دولار, وما تخفيه ممرّاتها العتيقة أعظم, فتتحول في النهار إلى قبلة للسّاسة والوزراء ورجال الأعمال لصّرف الدّولار واليورو.


الزّخم الشعبي لا يتوقف في هذه الساحة التي تشهدُ حركة غير عادية. وصانعو الحركة من مختلف الفئات؛ يُصادفكم بُسطاء ترتسم على وجوههم ملامحُ البؤس والفقر, منهم من يشتغل على إصلاح الساعات اليدوية، ومنهم من يبيع النظارات الشمسية، بينما يبيع آخرين حلويات للصغار وآخرون يبيعون ألبسة وإكسسوارات تقليدية, يفترشون الرّصيف طيلة اليوم غير آبهين بدرجة الحرارة المرتفعة أو زخات المطر الباردة التي تمتزج ببرودة البحر المتوسط, ولا يهُمُهُم سوى كسب قوت يومهم.

من مُفارقات ساحة "بور سعيد" أنها تحولت في السّنوات الأخيرة إلى قبلة للاجئين النازحين من مختلف البلدان على غرار اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم الحرب، وأيضاً النازحين من بلدان إفريقية أخرى

كذلك تُعتبر هذه الساحةُ ملجأ للمتقاعدين، وملاذاً للهاربين من هُموم الدُّنيا وأوجاعها؛ فكثيرون يتّخذونها مُستقرّاً لهم, يعيشون على هامش الحياة, يرون أنفسهم أقلّ من الناس, لا يأبهون بأزمة "الحليب" التي تصنع الحدث في الجزائر حالياً، ولا بتدنّي القدرة الشرائية. تلحظونهم شاردي الذّهن، يتألمون لحاضرهم ومستقبلهم, ليتوجهوا في حدود منتصف النهار إلى المطاعم الشّعبية التي تشتهر بها الساحة لاقتناء ما يسُدُّ رمقهم.

ومن مُفارقات ساحة "بور سعيد" أنها تحولت في السّنوات الأخيرة إلى قبلة للاجئين النازحين من مختلف البلدان على غرار اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم الحرب، وأيضاً النازحين من بلدان إفريقية أخرى.


علاقة السّاحة بمصر

لساحة "بور سعيد" التي تُعتبر المنطقة الفاصلة بين بلدية القصبة وبلدية الجزائر الوسطى, علاقة بمصر ورئيسها الراحل جمال عبد الناصر؛ فبعد الزيارة التي قام بها عبد الناصر إلى الجزائر بتاريخ 4 مايو/أيار 1963, قرّر الرئيس الجزائري آنذاك، أحمد بن بلة, تسمية الساحة بهذا الاسم، والتي صُنّفت ضمن القصبة من قبل اليونسكو، كموقع تراث عالمي ثقافي, وسط احتفالات حضرها نواب رئيس الجمهورية والوزراء في الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا, وقام بن بلة بتدشنيها بحضور أسماء ثورية وسياسيّين بارزين، تخليداً للنّضال المشترك الذي يجمع بين البلدين ضدّ الاحتلال الإسرائيلي.

وقد زار السّاحةُ شعراء وفنانون بارزون على غرار الشاعر الراحل فؤاد نجم الذي مكث في الجزائر لفترة معينة بعد زواجه من الممثلة الجزائرية "صونيا", فكان هذا الأخير يرتشف قهوته في مقهى "طونطونفيل"، حيث يلتقي جموعُ الفنانين عشيةَ كلِّ مهرجان فنّي. ومن بين الذين مرّوا من الساحة أيضاً الفنانة المصرية سميحة أيوب، والممثلة سوسن بدر، والمؤلفة والممثلة وفاء الحكيم، إضافة إلى الفنان المصري الكبير يوسف وهبي.

قد زار السّاحةُ شعراء وفنانون بارزون على غرار الشاعر فؤاد نجم الذي مكث في الجزائر لفترة

وتضفي المهرجانات الثقافية التي تُنظَّمُ بين الحين والآخر في المسرح الوطني محي الدين بشطارزي, لمسة خاصة على الساحة التي تعجّ حينها بكبار المسؤولين الذين يتوافدون تباعاً من أجل التمتّع بما سيُعرض على خشبة المسرح.


وقد سُمّي المسرح بهذا الاسم نسبة إلى محي الدين بشطارزي، واحد من القامات الفنية الكبيرة التي أرّخت وأسّست المسرح الجزائري. شارك مع طلبة المدارس الإسلامية في تمثيل عدة مسرحيات، ومثّل رفقة الممثل الجزائري "علالو" في مسرحيات قصيرة هزلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard