حلبة مصارعة الثيران في وهران... بصمة الإرث الإسباني في عاصمة الغرب الجزائري

الخميس 9 يناير 202003:03 م

وهران مدينة يحضر فيها أثر التواجد الإسباني الذي دام طيلة ثلاثة قرون من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر، و تواصل الحضور الإسباني طيلة المرحلة الاستعمارية الفرنسية؛ فمن بين المستوطنين الأوروبيين كانت نسبة الإسبان معتبرة، و كانت الجزائر أيضاً وجهة الهاربين من دكتاتورية فرانكو.

كلّ ذلك امتدّ، وترك توقيعه في الطبخ وفي الموسيقى،  وفي بعض التعبيرات المتداولة، خاصة بين بعض الفئات كالصيادين. و كان الشيوخ في أحياء وهران كـ"سيدي الهواري" يتكلمون الإسبانية بطلاقة.

ومن أهمّ المواقع الأثرية المحيلة إلى الإرث الإسباني هي حلبة مصارعة الثيران أو "لاكوريدا"، و هي مصارعة اقترنت بإسبانيا اقتراناً كبيراً، نجدها حتّى في نصوص أدبية كبعض أشعار الشاعر الكبير غارسيا لوركا الذي كتب قصيدة "مرثية إلى أخناثيو سانشيز ميخياس"، و هي عن صديقه مصارع الثيران أخناثيو سانشيز ميخياس؛ ومما ورد فيها: "سيمرّ زمن طويل/ قبل أن يولد... إن وُلد/ أندلس نبيل هكذا/ مفعم بالمغامرة هكذا".

حلبة وهران هي الوحيدة جزائرياً، ولا يوجد لها مثيل باستثناء حلبة كانت في طنجة المغربية، وتمّ توقيف نشاطها بعد انتهاء الحماية

حلبة وهران هي الوحيدة جزائرياً، ولا يوجد لها مثيل باستثناء حلبة كانت في طنجة المغربية، وتمّ توقيف نشاطها بعد انتهاء الحماية. الحلبة تمّ إنجازها عام 1906 من قبَل السلطة الاستعمارية الفرنسية، وتقع في الجهة الغربية للمدينة. وقد سمّي المكان القريب منه بالطورو ـ المحيل إلى الثور في اللغتين الفرنسية و الإسبانيةـ، وهو من الأحياء الشعبية التي عَرفت زخماً فنياً، و من دروبه انطلق ملك الراي حاج بْراهيم خالد المعروف بـ"الشاب خالد".

الحلبة بدأت بقدرة استيعاب 4 آلاف متفرّج. ثمّ عقب تجديد في سنة 1954 ارتفعت النسبة إلى 10 آلاف متفرج. وبعد استرجاع الاستقلال ضمر دور الفضاء، والتفتت السلطات المحلية إليها، فتمّ إدراجها ضمن برنامج ترميم سنة 1986، ولكن لم يتمّ التفعيل. واحتضنت الحلبة في سنة 1987 بعض الفعاليات في إطار فعالية سُمّيت "موسم سيدي الهواري"، ثمّ استولى عليها الغياب حتى سنة 2009 حين كُلّف مكتبُ دراسات بإنجاز مشروع، ورصدت ميزانية، وتمّ وضع مخطّط، ولم يتحقق المنشود.

ومؤخراً عاد الحديث، وفتح الفضاء في نشاط أدبي خاص برواية الكاتب واسيني الأعرج، "الغجر يحبون أيضا"، وهي رواية مستوحاة من ذلك الفضاء؛ روايةُ علاقة بين مصارع ثيران يسمّى خوسي أورانو ومغنية غجرية اسمها أنجيلينا أموندين

ومؤخراً عاد الحديث، وفتح الفضاء في نشاط أدبي خاص برواية الكاتب واسيني الأعرج، "الغجر يحبون أيضا"،  وهي رواية مستوحاة من ذلك الفضاء؛ روايةُ علاقة بين مصارع ثيران يسمّى خوسي أورانو ومغنية غجرية اسمها أنجيلينا أموندين. كان اللقاء بينهما أمام الحلبة، فارتبطا بعلاقة وكانت نهايتهما مأساوية؛ خوسي انتهى وهو يواجه الثور، أما أنجلينا فذهبت ضحية رصاصِ منظّمة الجيش السرّي "لواس" التي اقترفت الكثير من العمليات الإرهابية في السنين الأخيرة للثورة.

رواية واسيني كانت استعادة لما كان يميّز وهران من خصوبة و إخصاب الاختلاف، ما كان من تفاعل تهجيني سبق للكاتبة فاطمة بخاي استعراضه في رواية صدرت في تسعينيات القرن الماضي بعنوان "سكاليرا" وهو اسم جزء من حيّ سيدي الهواري.

يذكر واسيني الأعرج الحلبة في مقال نُشر في جريدة الجمهورية الجزائرية الصادر يوم  04-02-2019، فيقول: "كان يسمّى (كوريدا دي لمويرتي) الوحيد في الجزائر وأفريقيا من هذا النوع؛ فقد تمّ وضع حجر الأساس لهذا الملعب في 1908، وتمّ تدشينه بعرض كبير وساحر سنة 1910، هزّ أعماق العشرة آلاف متفرج في ذلك الصيف الوهراني الساخن، وكان لملعب مصارعة الثيران جمهور كبير مكوّن من الأوروبيين وبعض العرب من سكان وهران في سنوات قليلة وشهرة سريعة.."

ويتابع الروائي: "كونت كوريدا جمهوراً عاشقاً لهذه الرياضة القاسية والدموية كما يقول البعض. ويردّ عليهم عشّاق مصارعة الثيران: وهل الملاكمة أقلّ دموية؟ كان عشّاق هذه الرياضة يأتون من بعيد لعيشوا أكثر اللحظات إثارة في (كوريدا دي لامويرتي) لأنها شهدت حوادث كثيرة أدّت إلى جرح المتادور جراحات بالغة، أدّت في الكثير من الأحيان إلى وفاته. يصف أحد الذين حضروا حفل التدشين في كوريدا وهران في 17 جويلية 1910."

الحلبة تعتبر بموقعها و معماريتها فضاءً مشحوناً بالبهاء ومتوفر على شروط تسمح بتأهيله لكي يتحوّل إلى موقع متعدد الوظائف والأدوار. موقع جاذب لوفود السياح، وفضاء ملائم لاحتضان حفلات موسيقية وأمسيات شعرية وعروض مختلفة، وفضاء معزّز لما صاحب الحراك الشعبي منذ 22 فبراير/ شباط المنصرم من تحوّل الساحات العمومية إلى ساحات النقاش العمومي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard