"عمو في غدا عندهم؟"... فقراء يزورون بيوت العزاء لسدّ جوعهم في الأردن

الاثنين 27 يناير 202005:56 م

بخجل واستحياء وجهد لا بأس منه، حاول ذلك الغريب، بكل ما أوتي من حذر، أن يدرأ شبهات الموجودين في بيت العزاء داخل صيوان الرجال، بأنه وأبناءه الثلاثة، لا تربطهم أي قرابة ولا معرفة بالمتوفى الذي أقيم ذلك العزاء لأجله.

ورغم كل محاولات ذلك الشخص، وفق القصة التي رواها المواطن عبد الجبار العزام لي، وأنا أعد هذا التقرير، إلا أن الرجل الغريب لم يفلح بإخفاء أن الهدف الذي جاء لأجله إلى بيت عزاء ابن عم عبد الجبار، هو التناول من المنسف الذي قُدِّم للمعزين عن روح المتوفى في عمان.

ذلك الغريب، ورغم أن ما قام به سلوك "غير مألوف"، إلا أنه كما يقول عبد الجبار في حديث لرصيف22: "لا يجعلني أستهجن فعلته، بأنه حضر العزاء حتى يتناول هو وأبناؤه طعاماً، من الممكن أنهم منذ وقت طويل لم يذوقوه، بل ما أستهجنه هو الحال الذي وصل إليه مواطنون أردنيون من الفقر والعوز والاشتياق لطعم الرز واللحم".

القصة التي يرويها عبد الجبار، هي إحدى القصص التي كثر الحديث عنها مؤخراً في بيوت أردنية، حيث أصبحت هناك شبه عادة، بارتياد فقراء بيوت عزاء لا يعرفون أحداً فيها، لغاية تناول وجبات غذاء تقدم خلال الثلاثة أيام في بيت العزاء، كفرصة أو كملجأ لسد جوعهم.

"ما كان بعيداً عنا أصبح قريباً وبيننا وفي وطننا"، يقول عبد الجبار، حيث مثل تلك القصص، بحسب قوله، كنا نسمع عنها في دول عربية تعيش فيها طبقات تحت خط الفقر، لكنها اليوم باتت بيننا وفي بيوت عزاء أردنيين.

ويعيد في حديثه عن ذلك الغريب الذي دخل بيت عزاء قريبه المتوفى، أنه وعندما دخل بصحبة أبنائه، بدا على هيئته وأحذية أبنائه أنه فقير جداً، لكن ووفق تحليله، لربما كان قدومه بمثابة التجربة الأولى لديه في اللجوء إلى بيت عزاء شخص لا يعرفه، لكنه يعرف جيداً أن أبناءه اشتاقوا لطعم اللحم والأرز في المنسف.

ذلك التحليل جاء بناء على التوتر الذي بدا واضحاً، كما يقول عبد الجبار على الشخص الغريب، حيث كان يتلفت في كل الجهات خوفاً من أن "يلقطه" أحد من الموجودين، حتى أنه وأثناء تناوله وأبنائه الطعام، بدأ يعرق رغم برودة الطقس، لكن بعد مضي وقت اختفى هذا التوتر وانتهى بانتهاء تناولهم وجبة المنسف بين صفوف الموجودين من المعزين، تلاها شرب فنجان من القهوة السادة، ثم بعد فترة بسيطة، خرج ماسكاً أيدي أبنائه وهم يحملون حبات تمر من العزاء.

"المحزن أن توتر ذلك الشخص هو الذي جعلنا نشك بأن غاية مجيئه هو تناول الطعام"، يقول عبد الجبار، الذي تأكد من صحة شكه عندما خرج ذلك الرجل وأبناؤه، وبدأ أقاربه يسألون بعضهم: 'حدا بعرفه؟'، وكانت الإجابة بالإجماع 'لا'".

مؤخراً هنالك قصص كثر الحديث عنها في بيوت أردنية، حيث أصبحت هناك شبه عادة، بارتياد فقراء بيوت عزاء لا يعرفون أحداً فيها، لغاية تناول وجبات غذاء تقدم خلال الثلاثة أيام في بيت العزاء، كفرصة أو كملجأ لسد جوعهم

عمو بدك تروح على العزا؟ 

"عمو في غدا؟"، سأل طفل المواطن وائل البرغوثي، وهو يتحدث معي عن تجربة حصلت معه قبل حوالي ثلاثة أسابيع، ويضيف في حديث لرصيف22: "كنت على مقربة من بيتي عائداً من صلاة العصر، أوقفني طفلان، أعمارهما أقل من عشر سنوات، وبدا عليهما الارتباك في إلقاء التحية، ولم يبدُ عليهما أنهما متسولان، أحد الطفلين حدثني باستحياء وبصوت مرتجف وعيناه في الأرض، والطفل الآخر أدار وجهه وسألني: عمو بدك تروح على العزا؟".

ويتابع: "بصراحة العزاء الذي تحدثا عنه كان في منطقتي، لكن لم أكن أعلم عنه شيئاً، ولا أعرف من هو الميت، ولكن حتى لا تقتل النخوة والواجب عند الأطفال اضطررت للكذب وقلت له: إن شاء الله عمو رح أروح بعد المغرب، فسألني الطفل وهو شبه مرتعد وبخجل، عمو في غدا؟ وهنا قلت له: ممكن لماذا تسأل؟ قال: عمو عشان أنادي أهلي لأننه صارلنا يومين ما أكلنا!".

هذه التجربة يبدو أنها أثرت بوائل البرغوثي جداً، حيث نشرها على حسابه على تويتر، ومن ضمن التعليقات التي وصلته: "هيدي حكومة الهبطة مش النهضة، الله يعين العالم، ولله نصف العالم حالها ببكي معدومين محرومين جوعانين بردانين مرضانين شحادين، شو في بعد الله يسترنا من الأعظم يا رب".


يجدن في بيوت العزاء مصدراً لسد جوعهن

في حديث مع مريم العالول، وهي موظفة في إحدى شركات تجهيز أعراس وبيوت عزاء، قالت لي إنه حتى في أقسام النساء في بيوت عزاء، سواء في مناطق عمان الشرقية أو الغريبة، بات يظهر مؤخراً قدوم نساء من الطبقة الفقيرة إلى بيوت عزاء لا يعرفن أصحابها، لتناول طعام الغداء أو العشاء.

فمن المتعارف عليه، كما تضيف مريم، أنه وخلال الثلاثة أيام العزاء، تقدم وجبات دسمة للغداء أو العشاء، وأحياناً وفي اليوم الأخير من العزاء يتم تقديم الحلويات، هذه الأطعمة التي من الواضح أنه من الصعب تأمين مكوناتها الغذائية بالنسبة للنساء الغريبات، اللواتي يجدن في بيوت العزاء مصدراً لسد جوعهن وجوع أولادهن.

وتضيف: "أذكر مرة دخلت سيدة يبدو أنها خمسينية، لبيت عزاء، كنا كشركة مسؤولين عن التجهيزات اللوجيستية فيه، جاءت ومعها فتاة بعمر طالبات الجامعة، في نفس وقت وضع سدور المنسف على الطاولات".

وتتابع: "وأثناء تناول تلك السيدة وابنتها الطعام سألتها نسوة موجودات في العزاء، إذا ما كانت تقرب للشخص المتوفى وأجابتاها وبكل صدق، أنهن سمعن عن العزاء في الحي فقدمن لتأدية الواجب وتناول الطعام".

الأمر الذي أثّر بأصحاب العزاء، فقامت ابنة المتوفى، وبعد أن انتهت فقرة الغداء، بإعطائهن بواقي الطعام، وأصرت عليهن بالقدوم باقي أيام العزاء.

"إن كل المؤشرات تشير إلى تزايد مستويات الفقر بشكل ملموس في الأردن، وجزء كبير من المواطنين الأردنيين أصبحوا مصنفين كفقراء، حتى لو لم تعترف بهم الأرقام الرسمية"... يقول الخبير في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أحمد عوض

لا استغراب من الحال الذي وصله الفقراء

أما الخبير في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أحمد عوض، فلا يستغرب، كما بدا في حديثه معي، الحال الذي وصل إليه فقراء أردنيون يقصدون بيوت عزاء لا يعرفون أصحابها من أجل سد جوعهم، فوفق وجهة نظره، إن كل المؤشرات الرسمية وغير الرسمية، تشير إلى تزايد مستويات الفقر بشكل ملموس في الأردن، وجزء كبير من المواطنين الأردنيين أصبحوا مصنفين كفقراء، حتى لو لم تعترف بهم الأرقام الرسمية.

ويضيف: "هذه الأرقام التي ما تزال الحكومة الأردنية تتجنب الإعلان عنها وفق مطالبات نيابية وشعبية، حيث وفي أواخر العام الماضي، أعلن رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، أن نسبة الفقر المطلق تقدر بـ 15.7%، وهو ما اعتبره خبراء بأنها أرقام غير واقعية وبعيدة عن الحقيقة".

ووفقاً لمصادر عديدة، فإنه "وبعد 2010 لم يعلن عن أي أرقام عن الفقر، رغم تنفيذ مسح دخل ونفقات الأسرة عام 2013-2014، إلا أن خطة التحفيز الاقتصادي المعلنة من قبل الحكومة السابقة، كانت قد عرّجت على أن نسبة الفقر تقدر بـ 20 % في 2016 بناء على هذا المسح، ما يثير تساؤلات حول تراجع أرقام الفقر بحوالي 4.3 نقطة".

كما وأن قد أنهت دائرة الإحصاءات العامة مسح نفقات ودخل الأسرة الأردنية 2017-2018، في منتصف العام 2018، ووفقاً لوسائل إعلام أردنية، اكتفت الدائرة بإعلان بعض المؤشرات، دون إعلان النسب النهائية لأرقام الفقر في الأردن.

وقد أشارت أرقام مسح دخل ونفقات الأسرة للعام 2017-2018 إلى أن 6% من الأسر الأردنية يقدر متوسط إنفاقها بحوالي 441 ديناراً شهرياً، وهي العائلات التي تصنّف ضمن "الأشد فقراً"، وتشكل نسبة 10% من سكان الأردن.

وهذا ما يؤكده أحمد عوض، والذي يبين أن المواطن الأردني الذي لا يستطيع أن ينفق 100 دينار في الشهر هو مواطن فقير، مشيراً إلى أن التفاوت الاجتماعي بين الطبقات في الأردن في ازدياد واتساع، الأمر الذي يترتب عليه تزايد في احتياجات الأسر والأفراد، للحصول على أي مصدر من الممكن أن يخفف من عوزهم، كاللجوء إلى المناسبات وتناول الوجبات التي تقدم فيها.

وأضاف: "نعم بالفعل، القصص التي كنا نسمع عنها وتحدث في بلدان أخرى عن الفقر كنا نشعر أنها بعيدة عنا، لكنها باتت قريبة جداً وبيننا في الأردن".

وختم حديثه قائلاً: "الفقر والحاجة يؤديان إلى ابتكار حلول، مثلما يفعل فقراء اليوم، لسد جوعهم، بالذهاب إلى بيوت العزاء لتناول ما يقدّم من أطباق".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard