"أنا صدقاً مش فاهمها"... أردنيون يستغربون عدم تجاوب الحكومة مع حملة "بكفي اعتقالات"

الخميس 12 ديسمبر 201901:52 م

أعاد ناشطون وحقوقيون أردنيون قبل أيام إحياء حملة بعنوان #بكفي_اعتقالات، وهي حملة إلكترونية تويترية تخاطب رئيس الحكومة الأردنية، الدكتور عمر الرزاز، الذي من المعروف أردنياً أنه "يحب تويتر".

لم تلتفت حكومة الرزاز، أو "حكومة تويتر" كما توصف من ناشطين، حتى اليوم لنداء وصراخات #بكفي_اعتقالات، الحملة التي تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في عهد الحكومة الحالية. عدم الاستجابة هذا، يكرّس مفهوم الوصاية التي تسير عليه الحكومة، وفق رأي الخبير الحقوقي الأردني محمود حشمة، في حديث لرصيف22.

فمبدأ الوصاية الأبوية، بحسب حشمة، والذي تسير عليه حكومة الرزاز، كأنها ترد على تغريدات الناشطين المطالبين بحرية المعتقلين السياسيين: "احكوا اللي بدكم إياه مش إنتوا اللي بتحكولنا شو نعمل"، نهج يصفه محمود بالـ"مش مفهوم".

وقد كفلت المادة 15 من الدستور الأردني والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه الأردن، الحق في حرية الرأي والتعبير.

فبين كل عبارة وأخرى يكرر كلمة: "أنا صدقاً مش فاهمها"، في سياق تعبيره عن العقلية التي تمارسها حكومة الرزاز، ذات الحكومة التي عُقدت عليها الآمال والأحلام بكونها حكومة "مدنية" ستؤدي إلى أردن مدني مدعّم بالحريات، وليس حكومة "عرفية" ديجيتالية، تمارس سياسة تكميم الأفواه.

ويستكمل محمود حشمة حديثه، تعليقاً على تعنّت تجاوب الحكومة الأردنية مع مطالبات الإفراج عن المعتقلين، قائلاً إنه يرجح، بل يكاد "يبصم بالعشرة"، بأنه لو كان ملف المعتقلين بيد الملك عبد الله الثاني، بالتأكيد سيستسخف فكرة اعتقال ناشطين لأنهم انتقدوه وسيقوم بالإفراج عنهم.

"ما يحدث في عهد هذه الحكومة أمر غير مسبوق"، يختم حشمة، فحتى اللحظة لم يستطع عقله أن يتقبل الطريقة الشبيهة بالخطف التي قُبض فيها على الناشط عبد الرحمن الشديفات.

"طريقة أشبه بالخطف"

يروي سراج الشديفات، شقيق المعتقل عبد الرحمن الشديفات، لرصيف22، حيث قال إنه، وخلال تواجد أخيه في مقابلة عمل في إحدى منظمات المجتمع المدني في محافظة المفرق، وبعد خروجه من المكان، تفاجأ بوجود ملثمين بلباس مدني حاصروا أخيه ووضعوا المسدس في ظهره، وأدخلوه حافلة مدنية كانت بانتظارهم.

طريقة أشبه بالخطف، بحسب سراج، ذلك أنه لم يتمّ إبلاغ ذوي عبد الرحمن عن مكان احتجازه حتى، وبعد البحث والتقصي الفردي تبين أنه تم احتجازه في مركز أمن وقائي في العاصمة عمان، ومن هناك إلى سجن "باب الهوا" المتواجد فيه حالياً، حيث مرّ أكثر من شهر على اعتقاله، وهو اليوم، كما يضيف أخاه سراج، في زنزانة تجمعه مع مجرمين جنائيين، مع عشرة أسرة وعشرين نزيل داخل نفس الزنزانة.

وأضاف سراج، أنه تم توجيه أربع تهم لأخيه الناشط في حراك بني حسن الإصلاحي، هي: إطالة اللسان على صاحب الجلالة، إطالة اللسان على صاحبة الجلالة، إثارة الفتنة التي من شأنها الإخلال بالنظام العام، وتقويض نظام الحكم.

يسخر رئيس لجنة الحريات النقابية، المحامي وليد العدوان، في حديث لرصيف22، من التهمة الأخيرة قائلاً: "من غير المنطقي أن يتم إسنادها إلى ناشطين حراكيين، فهذه التهمة بحق أشخاص تكون خلفهم دبابات وجيوش وطائرات يا جماعة!".

ويبين العدوان، ورداً على السؤال لماذا لا تعترف الحكومة الأردنية بوجود معتقلين سياسيين في الأردن؟ أنه بالأصل لا يوجد بالقانون الأردني مصطلح معتقل سياسي، والناشطون والحراكيون الذين يتم اعتقالهم هم موقوفون توقيفاً إدارياً أو من المدعي العام.

لكن أضاف: "طبيعة الجرم الذي يتم إسناده إلى الحراكيين تعطي انطباعاً أن قضيتهم سياسية، مثل تهمة تقويض نظام الحكم، بالتالي فإن مصطلح المعتقل السياسي موجود وفق العرف الدارج وليس القانون".

ويرى العدوان أن حملة اعتقال ناشطين سياسيين في عهد حكومة الرزاز هو مؤشر على سياسة القمع وتكميم الأفواه التي تمارسها: "الناس ضاجت وجاعت وحقها تطلع تعبير عن رأيها"، كما يختم.

وقد كفلت المادة 15 من الدستور الأردني والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه الأردن، الحق في حرية الرأي والتعبير.

لم تلتفت حكومة الرزاز، أو "حكومة تويتر" كما توصف من ناشطين أردنيين، حتى اليوم لنداء وصراخات #بكفي_اعتقالات، الحملة التي تطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في عهد الحكومة الحالية

لماذا لا تعترف الحكومة الأردنية بوجود معتقلين سياسيين في الأردن؟ يجيب رئيس لجنة الحريات النقابية لرصيف22: "لأنه لا يوجد في القانون الأردني مصطلح معتقل سياسي، والناشطون والحراكيون الذين يتم اعتقالهم هم موقوفون توقيفاً إدارياً أو من المدعي العام"

"حرية الرأي من البديهيات"

وكان وسم #بكفي_اعتقالات قد تصدر يوم الثلاثاء الماضي على تويتر، وهي ليست المرة الأولى في ذلك، ومن تغريدات المشاركين ما قاله صاحب حساب "الضاري": "باعتقادي من أهم أسباب سقوط قيم المجتمعات وعمرانها بمجمله هو إخراس أصوات أبنائها، نستذكر مقولة سيدنا #عمر_بن_الخطاب عندما قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمراً بسيفه"



كذلك ما نشره أنس البطوش، عبر حسابه: "حرية الرأي من البديهيات، اتفهم أن الشتم والسب والتجنّي هو من الجرائم الإلكترونية وأمره مختلف عن الرأي وحريته، لذلك #الحرية هي مطلب عاجل لكل معتقلي الرأي وبدل اعتقالهم يجب محاورتهم، الرأي يقابله رأي آخر وليس قيد وقضبان".



فيما نشر المغرد علي الطراونة تغريدة، جاء فيها: "العقليات القاصرة في الدولة بعد أن وقفت عاجزة عن إيجاد حلول لمشكلة تطبيقات VPN التي حالت دون ممارسة الدولة لهوايتها في تكميم الأفواه وقمع الحريات، جاءت آخر الحلول في مثل هكذا إعلانات طفولية لم يفهم هؤلاء إننا في عصر لا يناسبه إجراءات الستينات وصوت الإعلام الأوحد".



ووفقاُ لسراج الشديفات، يصل عدد المعتقلين السياسيين في عهد الحكومة الحالية 55 معتقلاً، لكن الكثير من أهاليهم يخافون الإعلان عن ذلك. ومن بينهم خمسة معتقلين مضربين عن الطعام هم: عبد الله الخلايلة، هشام السراحين، نعيم المشاقبة، سويلم المشاقبة، وعبد الرحمن الشديفات.



وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، احتجزت السلطات الأردنية مؤيد المجالي (47 عاماً)، وهو موظف في وزارة العدل وباحث مستقل، كان يبحث في ممتلكات الدولة المسجلة باسم الملك، بعد أن قدم في يوليو/تموز طلباً للحصول على المعلومات من مكتب رئيس الوزراء، وتم رفض الطلب.

وقال أحد أفراد أسرته لـمنظمة هيومن رايتس ووتش، إنه في 13 أكتوبر/تشرين الأول، فتش عناصر شرطة "البحث الجنائي" الأردني منزله، وصادروا أجهزته الإلكترونية، واعتقلوه. نقلته السلطات في اليوم التالي إلى المدعي العام، الذي اتهمه بـ "إطالة اللسان والافتراء على جلالة الملك"، و"إثارة النعرات والحض على النزاع"، بسبب مقال نُشر على موقع إخباري محلي حول طلبه وأبحاثه.

وكانت هيومان رايتس ووتش، وفي بيان صادر عنها في الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الماضي، قد قالت إن السلطات الأردنية تسعى إلى الحد من مظاهرات العام 2019 على سياسات التقشف، عن طريق استهداف قادة المظاهرات والمشاركين وغيرهم من المنتقدين، بالمضايقة والاعتقال.

كما اعتبرت أنه تواجه معظم المحتجزين اتهامات تتعلق بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر مشاركتهم في المظاهرات أو انتقاد قيادة البلاد، ويحظر قانون العقوبات الأردني "إطالة اللسان" على الملك أو الملكة، أو ولي العهد، أو أحد "أوصياء العرش". كما تتهم السلطات نشطاء آخرين بـ "التحريض على تقويض نظام الحكم"، وهي جريمة تصنف على أنها إرهابية، وتخضع لاختصاص "محكمة أمن الدولة". ينبغي للسلطات الأردنية وقف استخدام أحكام جزائية غامضة للحد من حرية التعبير، والإفراج عن أي محتجز بسبب التعبير السلمي عن آرائه، بحسب المنظمة.

حسب تقدير الناشطين، فإن العاصفة الإلكترونية #بكفي_اعتقالات قد فشلت، على الرغم من  أن رياحها هبت في مواقع التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء الماضي، كسابقاتها من العواصف، التي يبدو أن حدتها لا تصل أبواب قصور المسؤولين العتيدة، وكما استكمل الشاعر عمرو بن معد يكرب بيت القصيد: "لو نار نفخت بها أضاءت... ولكن أن تنفخ بالرماد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard