"شعبان ومعاناة واحدة"... أردنيون يتمنّون احتجاجات كاللبنانية

الجمعة 25 أكتوبر 201908:54 م

أحداث كثيرة وإن طال تكرارها، تثبت أن تقسيمات "سايكس بيكو" عبارة عن كذبة ترفض شعوب "بلاد الشام"، أو "سوريا الطبيعية"، تصديقها، ومن هذه الشعوب، الأردني بالطبع.

جرت العادة أن يظهر دحض "وهم" سايكس بيكو جلياً في الشارع الأردني، عندما تشتعل الأحداث في الساحة الفلسطينية، حيث يلحظ المتتبع أن كل ما يحدث في الشارع الفلسطيني، مثل المجازر في غزة والحراك المستمر في ساحات المسجد الأقصى، يكون صداه عالياً على المستوى الشعبي الأردني، من وحي مبدأ يسير عليه الأردنيون، أن الشعب الفلسطيني والشعب الأردني "شعب واحد مش شعبين" كما يرددون.

لكن وما أن اندلعت صيحات الثورة اللبنانية منذ أيام، حتى ظهرت صورة ليست بالنمطية المعتادة في علاقة الشعبين الأردني والفلسطيني، صورة يحسّ من يراقبها أنه بالفعل كل ما يمس بلاد الشام بكافة تقسيماته كفيل بأن ينغز قلب كل أردني، وكفيل أيضاً أن يتم التعامل معه بعين الاهتمام وقلب الوطني، الوطني جداً.

من غير الإنصاف ألا تتم قراءة مشهد التفاعل الشعبي الأردني مع أحداث الثورة اللبنانية، ومن غير العدل ألا تتجه عيون الإعلام العربي إلى حجم هذا التفاعل الذي يتزامن مع هموم معيشية وسياسية يعيشها الأردنيون، لكن رغم كل ذلك آثروا وضع همومهم على الرف وتوجيه حواسهم لمراقبة مشهد الحراك اللبناني.

ليست المحطات الإخبارية اللبنانية التي تسمع أصوات مذيعيها في عمارات وبيوت الأردنيين وأنت ذاهب إلى العمل، وقبل ساعات النوم، هي فقط مثال على حجم التفاعل الأردني مع الحراك اللبناني، إنما أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي التي تضجّ بمنشورات تدعم أصوات المتظاهرين اللبنانيين، وتشد على مطلبهم #كلن_يعني_كلن.

كل ذلك لا يكشف الحسّ القومي العروبي لدى الأردنيين فقط، ولا يؤكد على حجم الحسّ العاطفي لدى هذا الشعب الذي يتفاعل مع جميع الحراكات والثورات العربية، إنما يكشف أيضاً مدى احتمالية وجود عدوى في الأفق، بأن تمتد الثورة التي تحدث في لبنان إلى الشارع الأردني.

محاولة خجولة جرّبها ناشطون أردنيون مساء يوم الخميس، الرابع والعشرين من تشرين أول/ أكتوبر 2019، عندما بلغ السيل الزبى من شدّة تفاعلهم مع الحدث اللبناني، فخرجوا إلى ساحة الدوار الرابع، تلك الساحة التي أصبحت رمزاً ومكاناً وعنواناً للحراك الشعبي الأردني منذ إسقاط الحكومة الأردنية السابقة، محاولة وإن كانت خجولة وفشلت في حشد الكثيرين دعماً لها، حتى أن لائحة المطالب كانت غائبة عنها، إلا أنها لم تلغ احتمالية هبوب رياح التغيير اللبنانية إلى الأردن.

المحاولة الخجولة كانت تلبية لنداء تصدّر تويتر قبل أيام قليلة من قبل ناشطين أردنيين أسموه #قلم_قايم (وباللهجة الأردنية هي قربة بمعناها إلى كلن يعني كلن) محاكاة لوسم اللبنانيين #كلن_يعني_كلن، اعتصام #قلم_قايم وقربه إلى الفشل في أول ظهور له لم يحبط من عزيمة أردنيين باحتمالية نجاحه لاحقاً.

الخبيرة الحقوقية هديل عبد العزيز، نشرت أكثر من تغريدة على صفحتها تعليقاً على #قلم_قايم، ومن بين ما غرّدته: "أسوأ ما فعلته حكومة الرزاز هو قتل الأمل عند الناس... الأمل بالتغيير، الأمل بأن صوت المواطنين يحدث أثراً، وما حصل خلال العام الماضي أكد للشعب أن التغيير أصعب مما يعتقد وأن الخلل متجذر والفساد أعمق".

الناشط معتصم السعدي وفي حديث له مع رصيف22، وتعليقاً على احتماليات العدوى يقول: "برأيي احتمالية العدوى من الحراك اللبناني أكبر من غيره من الحراك وثورات الشعوب التي تحدث في بلدان عربية أخرى، ذلك لتقارب الشعبين جغرافياً وإقليمياً، فضلاً عن تقاربهما في المعاناة من الفساد المتشابه بين البلدين أيضاً، إضافة إلى حصر موارد الدولة بيد فئة معينة من الشعب كما يحدث عنا".

ولا ينكر الناشط السعدي عامل القومية العربية لدى الأردنيين التي تجعلهم ينحازون للحراك اللبناني أكثر من حراك شعوب عربية أخرى، ويقول: "الشعب الأردني قومي بالفطرة، وينظر إلى دول بلاد الشام جميعاً بأنها شعب واحد متشابه بالعادات والتقاليد، والمعاناة أيضاً مع وجود بعض الفروقات الدخيلة التي صنعها الاستعمار".

ويختم: "أنا كشخص عاشرت اللبنانيين بالغربة وسكنت معهم، وصدقيني هم أكثر الشعوب التي بتشبهنا بالفعل بعد الشعب الفلسطيني".

الناشط من "حراك الرابع" معتز ربيحات، وفي حديث مع رصيف22، يعلّق على احتمالية العدوى اللبنانية في الأردن بقوله: "الحراك الأردني متواجد منذ أكثر من عام، لكن ما يحدث في لبنان زاد من منسوب الحماس لدينا وأعاد إحياء المطالب الشعبية من جديد، ولا شك بأن ما نشاهده في لبنان مؤخراً علّمنا الكثير، وعلّمنا أن إرادة الشعب هي الأقوى عندما يكون يداً واحدة بصرف النظر عن الاختلافات في المعتقد أو الدين.

ويضيف ربيحات: "لا شك أن تفاعلنا مع الحراك اللبناني أكثر مما هو عليه مع دول عربية أخرى، ربما يعود ذلك إلى خصوصية بلاد الشام وتشابهها في المعاناة والهموم، حتى أن مطالب اللبنانيين تشبه مطالبنا مثل محاربة الفساد والبطالة وارتفاع الأسعار".

لكن في المقابل أعرب ربيحات عن أمله ألا يقتصر التشابه اللبناني والأردني في المطالب فقط، بل أيضاً أن تنتقل العدوى من الإعلام اللبناني إلى الإعلام الأردني، بحيث يكون صوتاً للشعب ومطالبه، كما هو الحال في لبنان.

وختم بـ: "أتمنى أن تتحقق مطالب اللبنانيين، وأقول لهم: انتوا بتحكوا #كلن_يعني_كلن وإحنا بنحكي #قلم_قايم".

ليست المحطات الإخبارية اللبنانية التي تسمع أصوات مذيعيها في بيوت الأردنيين، هي فقط مثال على حجم التفاعل الأردني مع الحراك اللبناني، إنما أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي التي تضجّ بمنشورات تدعم أصوات المتظاهرين اللبنانيين

لم يكن لمبادرة #قلم_قايم تأثير واضح في أول ظهور لها، يعود ذلك لعدة أسباب، ربما أهمهما عدم تأطيرها تحت تنظيم محدد أو حتى مطالب واضحة، وربما أيضاً بعض الهتافات التي خرجت وغردت خارج السرب وخارج الهم الشعبي

لم يكن لمبادرة #قلم_قايم تأثير واضح في أول ظهور لها على الأرض يوم الخميس، يعود ذلك لعدة أسباب، ربما أهمهما عدم تأطيرها تحت تنظيم محدد أو حتى مطالب واضحة، وربما أيضاً بعض الهتافات التي خرجت وغردت خارج السرب وخارج الهم الشعبي، تلك التي تجاوزت "الخط الأحمر" في المعايير العامّة، و"مسّت مؤسسة العرش".

فالمراقب للحراك الأردني منذ أكثر من ثمانية أعوام وصل لحقيقة ثابتة، أن كل ما يمس مؤسسة العرش، ممثلة بالعاهل الأردني وعائلته، من هتافات، مصيره الفشل، وحالة الرعب من تجاوز "السقف" هي التي تقلل من احتمالية نجاح أي حراك في الأفق، حتى #قلم_قايم.

نعم، آثر الأردنيون وضع همومهم على الرف ومتابعة أحداث الثورة اللبنانية، ربما لأن صفة الإيثار صفة أصيلة لدى الأردنيين، وربما أيضاً "بفشوا قلوبهم" من خلال أصوات المتظاهرين اللبنانيين، فالحال واحد وبلاد الشام "واحدة".

باللبناني يقولون: كلن يعني كلن، وبالأردني يقولون: قلم قايم. تختلف الوجوه واللهجة أيضاً، لكن الشعبين "مطلبهن/م" واحد يندرج أسفل شعار يلخص كل الهتافات وجميع اللافتات في ساحات الحراكات وهو: "خبز... حرية... عدالة اجتماعية"، ذات الشعار الذي حمله أردنيون في اليوم الأول من ولادة حراكه في العام 2001.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard