لن يفلح من ولّى أمره لمتسلط ونزعات قبلية... مشهد الإعلام في ليبيا

الأحد 26 يناير 202004:22 م

الاستقطاب السياسي والقيم المجتمعية والنزاع الرقمي… ثالوث تقوم عليه صناعة الإعلام في يومنا هذا، وداخل كل زاوية منه مجتمعات صغرى تنأى بنفسها عن الأخرى ولها من وسائل البروباغندا والأخبار المفبركة وعنصر البناء الأيديولوجي ما يكفي لخلق تأثير كامل.

ولإعلاميين كثر في هذا الثالوث سلاح، يستخدمونه أحياناً لشن هجوم أو لصده، ومنهم من يبقى رهن المنطقة الرمادية للنجاة إما بأفكار أو بمصلحة ما.

في ليبيا، يبدو المشهد الإعلامي رهينة غيتوهات رقمية، هي أقرب إلى سجون فكرية خلقها إعلاميون لأنفسهم وسوّروها بمجموعة من القيم الفردية والمسلّمات الشخصية التي تكون صادرة في الغالب عن خلفيات جهوية ومناطقية.

هذه السجون تُسيّرها جملة من الأعراف المجتمعية والأنماط مسبوقة الوضع من قبل صنّاع القرار، وهي نتاج طبيعي كذلك لعقلية بوليسية قديمة قائمة على التشكيك المباشر والاستهداف والملاحقة الدائمة.

نجد من هؤلاء، على سبيل المثال، الإعلامي محمد إمطلل الذي يطل عبر "قناة ليبيا الفضائية" من خلال برنامجه "الحكاي"، فيكرر في مناسبات مختلفة أسماء أفراد يقطنون في مدن الشرق الليبي أو يذكر ألقابهم، ويعتبرهم "قوة مضادة" لحكومته المحلية كما يحرض على الهواء مباشرة العامة على قتلهم واستهداف عائلاتهم وأطفالهم والأشخاص الموالين لهم.

وتفضل بعض القنوات هذا النوع من برامج "التوك شو" القائم على التجييش والبلبلة، طمعاً بحصد أكبر عدد من المشاهدات والمتابعة.

وبين وسائل الإعلام التي تغطي الأوضاع في ليبيا، تبدو تلك الليبية أكثر حيرة لجهة مواكبتها الأحداث اليومية، فهي تُدار عن طريق أفراد تحكمهم خلفيات معينة وصلات بالقوى المحلية، فضلاً عن الجانب القبلي الذي يُوظف سياسياً، في مؤشر خطير على أخلاقيات المهنة والبلاد.

وتحاول قنوات عديدة تعزيز هذا الجانب بشد العصب القبلي، فيظهر خطاب الكراهية المدفوع بتعصب قبلي على قنوات كـ"ليبيا 24" التي دائماً ما تخاطب القبائل كوسطاء محليين قادرين على إنهاء الصراع، ومن دونهم لا يمكن أن يحل السلام في ليبيا، متناسية الجهات الحكومية والتشريعية.

و بالرغم من أن قضايا المجتمع الليبي تعتبر مادة خام يُفترض أن تستفز الحس الصحافي بشكل عام، إلا أن عنصر المبادرة يكاد يكون شبه غائب عن المشهد الإعلامي الليبي.

وفي سياق تصعيد المواقف السياسية والعسكرية على الأرض، تحول الإعلام الليبي إلى أشبه بمنصات فئوية، وهو ما يشير إليه الصحافي محمد عبد السميع الذي يعمل لصالح عدة وكالات أخبار أجنبية ومحلية.

يكرر في مناسبات مختلفة أسماء أفراد يقطنون في مدن الشرق الليبي أو يذكر ألقابهم، ويعتبرهم "قوة مضادة" لحكومته المحلية كما يحرض على الهواء مباشرة العامة على قتلهم... مشهد الإعلام في ليبيا بين المصالح الفئوية والنزعات القبلية

"هناك طفرة إعلامية الآن في أوقات الحرب في ليبيا"، ينسبها عبد السميع إلى الخطاب التعبوي، والذي غالباً ما يكون متسرعاً لصالح مواكبة حلبة النزاع على الأرض.

"بعد إعلان حالات النفير القصوى، ظهرت مصادر إعلامية ورقمية جديدة كالحسابات الوهمية والتي يتابعها الآلاف وتنشر في الغالب أخباراً متضاربة المصدر وعلى رقعة جغرافية كبرى"، يقول عبد السميع مشيراً إلى صعوبة تصنيف هذا النوع من المصادر بكونه وكالة أنباء أو جهة إخبارية موثوقة ما دامت تلازمها صفة المجهول.

ويرى عبد السميع أن عدم وجود جهة رقابية على وسائل الإعلام في ليبيا سمح لتلك المنابر ببث أخبارها المفبركة والمسيسة لصالح جهات وأطراف معينة، بينما يُعتبر المقابل المادي الذي تقدمه القنوات الليبية التي تبث من خارج ليبيا مقارنة بالتلفزيون الحكومي عامل إغراء يجذب الكثير من الإعلاميين لها، بغض النظر عن المحتوى أو المادة المقدمة.

في الوقت الذي ينشغل فيه الإعلام الليبي بالحروب ونجاعة القادة السياسيين، تزداد حاجة المجتمع إلى جسر تواصل ممدود يعكس ما يدور حقيقة وراء الأبواب الموصدة والأفواه المكتومة والحقائق المخفية

في الوقت ذاته، يحافظ الإعلام الليبي على مفهوم كلاسيكي لقضايا الشارع والناس بشكل عام، ضمن منطقة الراحة ودائرة العرف الدوغمائي، فبمجرد تقديم "قناة 218" برامج عن جرائم الشرف وقضايا تبديل الأديان والإلحاد والاغتصاب الزوجي تمت مهاجمتها واتهامها بإثارة الفتن والمساهمة في تفشيها وانتشارها، وبالتالي كان الوأد المباشر بانتظار محاولة قناة إعلامية الخروج عن السياق الرائج.

من ناحية أخرى، تبقى البرامج الساخرة وسيلة احتجاج أو اتخاذ موقف من قضية ما، فالتحولات السياسية والدوافع على الأرض تساهم في خلق فضاءات جديدة.

وقد يكون برنامج "قوسطو" الذي ظهر لفترة قصيرة على "قناة ليبيا" عام 2015 قد عكس البعد المسؤول لدى مقدم البرامج كمواطن بمعزل عن دوره كبوق إعلامي. ومن بعده، كان هناك برنامج "المخزن" الذي تناول المشهد الليبي بشكل ساخر ومتفاعل مع الجمهور والذي ترك علامة فارقة لدى متابعيه.

في المحصلة، ما لم يتخلص الإعلام في ليبيا من ثقافة المجتمعات الصغرى المنغلقة على نفسها لن يكون هناك أي معنى لمفاهيم كحرية التعبير وحرية الصحافة ومضامين الانفتاح المنشود، وما إلى ذلك من مسميات لا تزال بعيدة عن المشهد الإعلامي الليبي.

اليوم، لا تمثل معظم وسائل الإعلام في ليبيا - إن لم تكن جميعها- قضايا الشارع، الراهنة والشائكة، ففي الوقت الذي تنشغل فيه المنصات الرقمية والقنوات بالحروب ونجاعة القادة السياسيين، تزداد حاجة المجتمع إلى جسر تواصل ممدود يعكس ما يدور حقيقة وراء الأبواب الموصدة والأفواه المكتومة والحقائق المخفية.

السبيل للخلاص من هذا يكون عبر شبكات الأمان التي لا بد للمجتمع أن يوفرها، فلا يمارس ضغطا أحادياً على المبادرين، لأن لا خوف على مجتمع يمثل الإعلام فيه الفئات الهشة قبل الفئات المتراصة ويكون صوته واضحاً بمفردات واقعية وصبغة من كل الألوان.

ببساطة، لن يفلح إعلام ولّى أمره لمتسلط، ولن يفلح مجتمع دون إعلام صدوح.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard