حرير... حكايات نسائية من نسيج النزوح

الخميس 23 يناير 202002:24 م

في مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر، ارتفع إنتاج خيط الحرير في برّ الشام، خاصة في جبل لبنان، وكانت العاملات في مصانع الغزل، وبعضهن من سورية، يشكلن نواة هذه الصناعة حينها. لم تكن قد رسمت الحدود بعد، ولم يكن التنقل بين البلدين هماً لسكان المنطقة. أما اليوم، فالحالة مختلفة، حكاية الزمن المعاصر ستخبرنا عنه مسرحية "حرير"، فالأحداث تجري في الزمن المعاصر، في ذلك المكان الذي كانت تتم فيه صناعة الحرير في الماضي، الآن لم يعد هناك سوى "أم حسن" التي تنتظر دود القز ليخرج من بيوضه، وحدها على أرضية مقدمة المسرح، تغزل وتدندن أغاني عاملات الحرير القديمات.



خلال العرض، تصل النساء تباعاً لهذا المكان الذي كان في مضى معمل غزل، يدخلن إلى المسرح عند "أم حسن" الواحدة تلو الأخرى، لسن أولئك العاملات الصانعات، بل هن نساء سوريا النازحات في لبنان، كلما تقدمت واحدة منهن إلى مقدمة المسرح بدأت برواية حكاياتها لأم حسن، ولمن سبقتها، وللجمهور في الصالة، وهذا ما يكوّن الحامل السردي لحكايات إحدى عشرة امرأة نازحة سورية في لبنان، التي يجمعها عرض "حرير"، ويقدمها في إطار مسرحي.

"حرير" هو عرض مسرحي تقدمه مجموعة من النساء السوريات النازحات إلى لبنان، بعد أن شاركن مع مؤسسة "العمل للأمل" في تدريبات لبناء القصة والعمل على عناصرها الأساسية، ومن ثم اندرجن في تدريبات على التخيل وبناء العالم القصصي، وصولاً إلى الوقوف على خشبة المسرح. وكما تنسج النساء الحرير بصبر، نسجن عالمهن وحكن حكاياتهن في هذا العرض.

ببنية دراماتورجية بسيطة وشاعرية، تؤسس سبباً للبوح وروي الحكايات، يقدم لنا عرض "حرير" نماذج واقعية من حكايات نساء النزوح السوري في لبنان، حكايات كتبنها بأنفسهن وقدمنها بأدائهن

هناك حكاية تلك المرأة التي تركها زوجها في لبنان وهاجر إلى ألمانيا منذ 4 سنوات، هي تعيش بحالة من الانتظار، فقدان الأمل والوحدة، منذ غادرها زوجها. لقد فقدت سابقاً عائلتها وأختها الصغرى، ولم يبق لها إلا زوجها الذي هاجر إلى أوروبا، وهو حين يرسل لها دعوةً للحاق به، يترك لها أمر تدبير المبلغ المالي اللازم لرحلة الهجرة والذي لا تملك منه شيئاً، فتعيش محبوسة في المخيم.

محمد الأسعد

حكايات عن سلطة الشاويش

الصبية "سلاف" تتقن الغناء، كان حلمها أن تصبح مغنية لكن مصيرها قادها إلى المخيم، ولتحظى بمعاملة خاصة من شاويش المخيم، وافقت على الزواج منه، وهي تعيش نتيجة هذا الخيار الإكراهي الاضطراري. تحضر حكايات عن سلطة الشاويش في المخيم في العديد من حكايات النساء السوريات النازحات: "5 سنين يتحكم بحياتنا، شو مناكل، وشو منلبس، وأصعب شي بيتحكم بولادنا قدام عيونا". وهناك تلك القصة التي أغرم فيها الشاويش وابنه بالمرأة نفسها، وراح يهددها بأن يشق لها الخيمة ويحجب عنها المساعدات، فاضطرت للخضوع لهما، ومن ثم أصابها الجنون.

النساء النازحات تائهات، يلجأن إلى قراءة الكف لمعرفة المستقبل، تصل الأم التي رفض أبناؤها إيواءها بعد وفاة والدهم، تحججوا بزوجاتهم مرة وبقدراتهم المالية مرة أخرى، فشعرت الأم أنها منبوذة وقررت الرحيل بعيداً عن أبنائها، تجول من مكان لآخر بحثاً عن الاطمئنان. تتكرر قصص النازحات اللواتي فقدن أزواجهن، أخوتهن وآباءهن. لذلك يتخلل رواية القصص في المسرحية أداء من الغناء "صوت أنثوي" والموسيقى "دف وبزق". هي الأغاني التي تعبر عن الشوق، اللوعة، الفراق والألم. لقد فُقد الرجال في الحرب وتحولت الأغاني إلى آهات. اختار صانعو المسرحية تقديم أغان متنوعة من التراث الغنائي النسائي في بلاد الشام، ليدمجوها بين الحكايات.

تجبر الثقافة والعادات المرأة على الزواج بالإكراه، بالترهيب من الوحدة، الحاجة إلى رجل، أو بخدعة ضرورة الحصول على أولاد: "الزوج والأولاد سند المرأة"، وها هي "شمسة قد فقدت سندها، زوجها المختفي قسراً، وكذلك "دارين" مات رجلها/ سندها، وقد هرب زوج "جيهان". بالطبع، لا ضمانة للمرأة إلا ذاتها، لكن نساء المسرحية خدعتهن الثقافة والعادات، هن مهجورات، أرامل، كما حال النساء في مجتمعات الحروب. أما اللواتي ما زلن في كنف الزوجية فيعشن بائسات. "هيام" التي تزوجت مبكراً، في الرابعة عشر من عمرها، تتعرض للضرب على يد زوجها، و"هبة ونجاة ولطيفة" ثلاث زوجات لرجل واحد، يمضين الوقت في الصراع والتحقير والنزاع بين بعضهن البعض، ليخفين مقدار اشمئزازهن وكرههن للزوج. فندرك أن الزواج المبكر، العنف الأسري وتعدد الزوجات، آلام تعايشها النساء النازحات.

حين تكتمل حكايات النساء الإحدى عشرة، يلقين في مشهد جماعي عند منتصف المسرح، أسئلة القلق عن المكان/ المأوى، ملل انتظار المستقبل، وتوهان المصير. هل يرحلن؟ هل يبقين في مكان النزوح، أم يرجعن إلى مكان الأصل؟ هل هناك مستقبل لهن في مكان آخر، أم أن هنا أفضل المتاح؟

بعضهن يحلمن بمكان جديد، أخريات يفضلن البقاء حذراً من التغيير، وحدها "أم حسن"، عاملة الحرير، تبثهن الطمأنينة ما أمكنها، ألأنها ماتزال المرأة العاملة؟

في نهاية المسرحية تنهض "أم حسن" لتسير من مقدمة المسرح إلى العمق، وهي تردد عبارة، كأنها مجاز عن حال المرأة في ثقافة المنطقة: "لما تخلص دودة القز من الغزل بيقتلوها، عشان ما تطلع من الشرنقة وتنزع خيوط الحرير"، هكذا تُقتل دودة القز بعد أن يؤخذ إنجازها، وهكذا تظهر حكايات المسرحية، كيف يدمر الظلم والنزوح حياة النساء السوريات.

محمد الأسعد

ببنية دراماتورجية بسيطة وشاعرية، تؤسس سبباً للبوح وروي الحكايات، يقدم لنا عرض "حرير" نماذج واقعية من حكايات نساء النزوح السوري في لبنان، حكايات كتبنها بأنفسهن وقدمنها بأدائهن، لذلك، يدمج هذا المشروع المسرحي بين استعمال المسرح في مجال التنمية، وإمكانية المسرح في سرد الحكايات، المؤشر الأفضل على الحياة الاجتماعية.

المؤديات: آلاء السيد، جيهان حميدي، خلود زهرة، دارين البنا، سلاف موسى، سمر عيسى، شمسة الكردي، فاتن نقشبندي، لطيفة بوخشريف، مها زركلي، نجاة البصيري، هبة السكري وهيام أبو رجب. الموسيقيّات: رغد ابراهيم، صفاء مقدح وهبة دحوس. كتابة: المجموعة. دراماتورجيا: علاء الدين العالم. سينوغرافيا وتصميم إضاءة: كرم أبو عياش. تدريب موسيقي: فرح قدّور. تنفيذ تقني: كرم أبو عياش، عبد الناصر فرهود. مساعد مدرب: آلاء السيد. إخراج: سارة زين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard