سور الأزبكية في مصر ... المشي الخطر على حافة الثقافة

الثلاثاء 28 يناير 202002:31 م

الكثير من الكتب القديمة التي لم تعد تطبع، روايات حديثة بنسخ شعبية كما يفضل أن يسميها باعتها الذين يغرونكم باقتنائها مستخدمين سلاح السّعر المخفَّض عن النسخ الأصلية للأعمال التي يبيعونها، عشرات المكتبات التي تلتصق ببعضها في منطقة ضيقة لا تتجاوز ممرّات عدة أقيمت على طرف حديقة "الأزبكية" الشهيرة قرب ميدان "العتبة" وسط القاهرة، في المنطقة التي يطلق عليها اسم "سور الأزبكية"، والتي يعرفها المهتمّون بالكتب النادرة، والباحثين عن المعرفة بأقلّ الأثمان.

لا يوجد تاريخ دقيق لبداية هذا السوق الثقافي الشعبي، إلا أنه يرجح أن يكون قد بدأ بذوره منذ أيام الخديوي اسماعيل الذي عاد من فرنسا مذهولاً بحضارتها، ليقرّر أن يعيد بناء أجزاء من العاصمة القاهرة على طرازها، ليقع اختياره على منطقة الأزبكية القديمة، والتي يعود تاريخها إلى الأمير المملوكي عز الدين يزبك، الذي جمّلها وبنا فيها حديقة تحوي بركة الأزبكية، حتى أمر الخديوي اسماعيل بردمِها، منشئاً مكانها دار الأوبرا القديمة احتفالاً بافتتاح قناة السويس، مكلفاً المهندس الفرنسي ديشان بإنشاء حديقة كبيرة سمّيت بالأزبكية.

حظيت هذه المنطقة باهتمام باعة الكتب الجوّالين الذين كانوا يقصدون المقاهي الكثيرة التي تنتشر هناك ليبيعوا المثقفين ما يحملونه من كتب، وأشهرها مقهى "متاتيا" الذي كان مقصداً للكتاب والمثقفين في المنطقة ومنهم جمال الدين الأفغاني وأديب إسحق الصحفي، ومحمود سامي البارودي، ومحمد عبده وغيرهم، متخذين من سور الحديقة مكاناً لاستراحتهم.

أما البداية الحقيقية لسوق الأزبكية الثقافي فكانت عام 1933 حينما استأجر أحد باعة الكتب ويدعى المعلم أحمد الحكيم كشكاً من البلدية مقابل 240 قرشاً شهرياً، ونشر بضاعته من الكتب على جزء من سور الأزبكية، مطلقاً فكرة مكتبات السّور التي توسّعت وتقنّنت خلال السنوات التالية، لتصل إلى ما هي عليه اليوم.

اللجوء الثقافي... تجربة شخصية!

حين وصلتُ من سوريا لم أستطع أن أحمل معي شيئاً من مكتبتي إلى مصر؛ مكتبتي التي ربما أصبحت حطاماً بسبب الحرب. و كأيّ لاجئ لا يحمل من بلاده سوى الهموم التي كانت تسيطر على كلّ شيء في حياتنا المادية والمعنوية، بحثتُ عما يسدّ شغفي دون أن يؤثر على مقدرتي الاقتصادية، ليدلّني الأصحابُ على سور الأزبكية الذي كان ولأكثر من ثلاث سنوات ملجأي الثقافي في مصر، حيث أبهرتني العناوين الكثيرة والتي كان جلُّها ممنوعاً في بلدي سوريا، فضلاً عن الأسعار التي كانت مناسبة لما أقدر عليه.

حظيت هذه المنطقة باهتمام باعة الكتب الجوّالين الذين كانوا يقصدون المقاهي الكثيرة، وأشهرها مقهى "متاتيا" الذي كان مقصداً للكتاب والمثقفين في المنطقة ومنهم جمال الدين الأفغاني وأديب إسحق الصحفي

بدأتُ أتعرّف على السوق، واصطحبتُ كلَّ من يهتمّ بالثقافة من أبناء بلدي اللاجئين إلى مصر وإلى سور الأزبكية؛ ذلك المكان الذي أصبح في ما بعد مقصداً لنا نبتاع منه الكتب القديمة التي لا نقدر على شراء طبعاتها الجديدة.

نوادر السوق الثقافية

لا تستغربوا كثيراً إن عثرتم أثناء تجولكم في سوق سور الأزبكية على مخطوط قديم، أو كتاب نادر لم تكونوا تجدونه خارج هذا المكان؛ فمكتبات سور الأزبكية مليئة بالكنوز التي قد يكون باعتها أنفسهم لا يعرفون قيمتها الثقافية، فضلاً عن أسعارها الزهيدة التي لا يمكن أن تقارَن بتلك القيمة التي تحملها.

كذلك فإنكم قد تجدون طبعات نادرة لبعض الكتب، كما حدث مع أحمد علي (26 سنة)، وهو من الروّاد الدائمين لسور الأزبيكة، والذي وجد طبع نادرة لكتاب ألف ليلة وليلة يعود إلى أكثر من 100 سنة ماضية، اقتناها بنحو من 150 جنيهاً، منذ أربع سنوات، مشيراً إلى أن الذي يبحث في سوق السور قد يجد الكثير من النوادر.

ويؤكد احمد أن بعض الكتب في سوق سور الأزبكية قد يصل عمرها لمائة سنة، إلا أن الأمر يحتاج إلى بحث ووقت وجهد، معتبراً أن هذا السوق القديم للكتب، كنزٌ يمتلئ بالنوادر التي يجب الإبحار في عالمها والاطّلاع عليها.

أرض الباحثين الخصيبة

هل تبحثون عن كتب طبية، أم رسائل دكتوراه وماجستير، أم أبحاث كبيرة في كافة الشؤون العلمية؟ إذا كنتم من المهتمين بكلّ هذا فليس عليكم سوى زيارة سور الأزبكية.

أما البداية الحقيقية لسوق الأزبكية الثقافي فكانت عام 1933 حينما استأجر أحد باعة الكتب، ويدعى المعلم أحمد الحكيم، كشكاً من البلدية مقابل 240 قرشاً شهرياً، ونشر بضاعته من الكتب على جزء من سور الأزبكية

هناك ستجدون ما تبحثون عنه، فالعديد من المكتبات اتخذت طريقاً متخصصاً في بيع هذه النوعية من الكتب، قديمها وجديدها، كما يؤكد أحمد حسين (45 عاماً)، الذي يعمل منذ أكثر من عشرين عاماً في سوق الكتب هذا في المنطقة، مؤكداً أنهم يحاولون تلبية احتياجات السوق من هذه الرسائل والكتب العلمية بأسعار معقولة، حيث يقصدهم الباحثون من طلاب الجامعات المصريين والعرب والأسيوين والأفارقة الدارسين في مصر، والباحثين عن دراسات محددة، أدبية، وعلمية، ودينية.

هذا ما يؤكد عليه أحمد جمال (33 عاماً)، باحث يحضر رسالة ماجستير في الفقه الإسلامي بجامعة الأزهر، مشيراً إلى أنه يقصد هذا السوق دوماً باحثاً دراسات في مجاله، متوسعاً في أحيان كثيرة إلى مجالات أخرى، مؤكداً أن سوق سور الأزبكية هو أفضل رافد له وللكثير من الباحثين مثله، حيث يوفّر الكثير من الكتب التي قد لا يجدها في أيّ مكان آخر، وإن وجدت فإنها ستكون بأضعاف الثّمن.

ما يؤخذ على سور الأزبكية

لأن ما يخرج منه الملائكة يمكن أن يولد شيطاناً أيضاً، فإن سور الأزبكية يعيش اليوم حالة يرثى لها، من سيطرة مافيات التزوير الثقافي عليه؛ آلاف الكتب الجديدة بطبعات مزورة تغطي السوق، وتطغى على نفائسه من الكتب القديمة وأمّهات الكتب، حيث يقول القارئ عبد الرحمن الحسيني (23 سنة)، وهو مسؤول مبيعات في دار الشروق للنشر، بأن الباحث في سوق الأزبكية للكتب اليوم، سيُصدم بالعدد الكبير للعناوين المزورة، والتي تطبع دون الرجوع لدور النشر عن طريق مافيات خاصة تزور الكتب لتبيعها بأسعار تنافس النسخ الأصلية.

وذلك ما قد يشدّ القراء الذين لا يدركون مدى الضّرر الذي يصيب دور النشر من هذه العملية، مؤكداً أن السّور، ورغم محاولات الشرفاء للحفاظ على مهمّته في حفظ الكتب القديمة والإتجار بها، إلا أنه يعاني اليوم من سيطرة سارقي الكتب ومزوريها، مشيراً إلى أنّ هذا التزوير يضرّ بالقارئ ويضرّ بصانعة الكتب.

ويعتقد عبد الرحمن أن هذا يتعدّى فكرة الثقافة ليكون مشياً خطراً على حافّتها، حيث يسيء المزورون إلى المثقفين من خلال بيعهم ما هو مزوّر، ويسيء القارئ لكاتبه المفضل من خلال شراء كتابه مزوراً، مؤكداً أن الأمر لا بدّ له من نهاية ليعود سور الأزبكية إلى وضعه الطبيعيّ كأهمّ الأرصفة الثقافية الشعبية في العالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard