"كلكم عارفين وساكتين"... هل تحمي أندية مصر أمهات اللاعبين من الابتزاز الجنسي؟

الاثنين 20 يناير 202005:56 م

وقفت هويدا، الأم الشابة، تراقب ابنها الوحيد وهو يمر باختبارات الناشئين لكرة القدم، والتي أجريت في نادي بارز في القاهرة، اقترب منها أحد الذين شاهدوها، ولكن لسبب آخر.

هويدا، سيدة في بداية عقدها الرابع من العمر، لطالما حلمت لابنها ياسر بمستقبل في عالم الساحرة المستديرة.

أثناء تواجدها في النادي، تودّدت لها إحدى الأمهات، ونصحتها بأن "تمشِّي حالها"، وعندما أبدت استغرابها، أجابت: " الموضوع بسيط، قعدة لطيفة في كافية أو مكالمة ناعمة مش هتخسري حاجة، بعد ابنك ما يخلص الاختبار روحي كلمي المدرب بتاعه بس، واديله رقمك"، بحسب حديث هويدا لرصيف22.

الحديث عن تعرض أمهات وزوجات للتحرش لتسهيل الحصول على عضوية أحد النوادي، أو لإلحاق أبنائهم في إحدى الألعاب، لايزال يثير جدلاً في الشارع المصري، ويميل مسؤولو الأندية لمطالبتهنّ باتخاذ الإجراءات القانونية، ويقولون إن بعضهن يتخيلن ذلك لعدم تفوق أبنائهن، وإثبات جدارتهنّ في الالتحاق بالنادي.

"كل النادي عارف وساكت"

"منى.ع"، والدة لأحد اللاعبين في أحد الأندية، تقول لرصيف22: "مافيش أشهر من المدرب 'ش.ص'، والمدرب 'م.ص' في علاقاته مع والدات اللاعبين هنا في قطاعات الناشئين بالنادي، أمهات كتير اشتكوا على غروب النادي عبر تطبيق واتس أب، من رسائل وتحرّش المدربين، النادي كله عارف قصصهم في التودد للأمهات، وكان مفروض مجلس الإدارة ياخد موقف من زمان، محدش من الإدارة حاول يسمعنا، لو هتكلم على فضائح المدربين فهي كتير جداً رشوة وجنس وسمسرة وبلاوي".

محمد فضل الله، خبير اللوائح والقوانين الرياضية الدولية، وعضو المؤتمر الدولي لمكافحة الفساد الرياضي، يقول لرصيف22 أن الابتزاز الجنسي في الرياضات المصرية "كارثي"، ويطالب الاتحاد المصري لكرة القدم باعتماد "الكود الأخلاقي" مثلما هو متبع في "الفيفا"

أمدتنا سيدة أخرى وأم لأحد اللاعبين في فرق الناشئين بأحد الأندية -رفضت الكشف عن اسمها- بمحادثة بينها وبين المدرب "س.ص"، يحاول فيها استغلالها جنسياً، يزعجها ليلاً برسائل تحرش، ويبعث لها صوراً عارية لبعض النجمات والمشاهير، بحجة أنه يرى هذا الفستان لائقاً على جسدها الفاتن، وأنها لا تقل جمالاً ورشاقة عن هؤلاء النجمات.

ينفي بشدة محمد عادل فتحي، عضو مجلس المقاولون العرب، وجود هذه الوقائع في ناديه، بحسب تصريح لرصيف22، ويشدد على أن ناديه يلتزم بالمعايير الأخلاقية التي يتربى عليها النشء، ولا يمكن أن يلتزم الصمت تجاه مثل هذه الوقائع، مؤكداً أن إدارة القطاع الرياضي بالنادي لم تثبت هذه التهمة على أي مدرب.

ابتزاز جنسي في لعبة أخرى

في نادي آخر، تحكي "ص.ط" (39 عاماً)،  أن مدرب نجلها "ح.ع" تحرش بها تليفونيا، وأنه يريد منها علاقة جنسية، نظير تصعيد نجلها وتوفير فرصة احتراف بالخارج لإكسابه الخبرات.

تقول السيدة أن مدرب نجلها اقترب منها، وبدأ يسألها عن أحوالها، وعندما أخبرته أنها مطلقة، أعطته رقم هاتفها بحسن نية لإبلاغها بأي مشكلة مع نجلها، وحينما أجرى أول اتصال بها في الرابعة فجراً، للحديث معها عن حياتها وكيف تتحمل الوحدة وهي بهذا الجمال، المحادثة كانت واضحة لدرجة لم تحتج معها الأم إلى ذكاء من نوع خاص لكشف مغزاها، فأغلقت السيدة هاتفها بسرعة.

تقول الأم (ص.ط) لرصيف22: "المدرب شعر بالصدمة من إعراضي عن نزواته، فقرر الانتقام، وأوصى بعدها بأسبوعين باستبعاد نجلي من الفريق بداعي تراجع مستواه الفني وعدم التزامه بالتدريبات، رغم أنه كان في تميز والتزام متزايدين، ولما فطنت لسبب طرد ابني من الفريق، ذهبت أشكى حالي لرئيس النادي، الذي رفض مقابلتي، فكتبت شكوى وسلمتها للمدير التنفيذي ولم ينظر فيها رغم مرور أشهر طويلة على الواقعة".

وقد شدد مسؤول في هذا النادي لرصيف22 أن بعض هذه الشكاوى والبلاغات تأتي من منطلق انتقامي من بعض الأمهات اللواتي يتعرض أبناؤهن لمعايير تقييم صارمة، تقذف بهم خارج أسوار النادي.

عقوبات على متحرشين

وتعتبر واقعة مدرب الكاراتيه الشهيرة بنادي بلدية المحلة، والتي أحدثت جدلاً صاخباً في مصر هي الأقوى، حيث قام المدرب باستغلال صالة الألعاب القتالية في ممارسة الجنس مع أمهات اللاعبين، وتصوير أكثر من 50 فيديو إباحي، تم تداولهم على مواقع واسعة الانتشار.

القضية التي شغلت الرأي العام، وصاحبتها دعوى قضائية من نائب برلماني بحل النادي الجماهيري في محافظة الغربية، حملت رقم 49106 لسنة 68 قضائية، حركت الماء الراكد وأيقظت مسؤولي النادي من غفلتهم، وحرروا محضراً بقسم أول المحلة الكبرى، برقم 3975 لسنة 2014 إداري، لغلق الصالة وإيقاف المدرب وإحالته للتحقيق.

وقد تقرر إيقاف وبعدها إسقاط عضوية أحد أعضاء مجلس إدارة نادي الأهلي، مهند مجدي، بعدما حرَّر محمد فاروق، عضو بالنادي وزوجته هدى عادل، محضراً ضد عضو مجلس إدارة النادي، حمل رقم 2228 إداري مدينة الشيخ زايد لعام 2017، يتهمانه فيه بالتحرش الجسدي بالزوجة، لكن مجلس نادي الأهلي أجرى تحقيقاً موسعاً، انتهي بإسقاط عضوية مجدي من النادي، بحسب صحف محلية.

"المدرب شعر بالصدمة من إعراضي عن نزواته، فقرر الانتقام، وأوصى بعدها بأسبوعين باستبعاد نجلي من الفريق بداعي تراجع مستواه الفني وعدم التزامه بالتدريبات،ذهبت أشكى حالي لرئيس النادي، الذي رفض مقابلتي"

وفي واقعة مشابهة في 2016، قرر الاتحاد الدولي للمصارعة إيقاف المدربين "م. ك" و"ى.م" باتحاد المصارعة المصري مدى الحياة، بعد اتهامهما بالتحرش بإحدى الفتيات الأجنبيات، في بطولة العالم التي أقيمت بجورجيا.

غياب "الكود الأخلاقي" في مصر

في ظل عدم التحقق من وقائع التحرش والابتزاز بأمهات اللاعبين في بعض الأندية، حيث بعضهن لم تحرر محضراً رسمياً، واكتفين بالشكوى داخل إدارات النادي، التي لايزال ينفي مسؤولوها وقوع تلك الحالات، ويُشدَّدون على اتخاذهم إجراءات رادعة في حال ثبتت حالة واحدة، مما يقودنا إلى سؤال هام: هل اللوائح الداخلية للأندية الرياضية في مصر كافية لردع حالات التحرش والابتزاز؟

محمد فضل الله، خبير اللوائح والقوانين الرياضية الدولية، وعضو المؤتمر الدولي لمكافحة الفساد الرياضي، يكشف لرصيف22 أن الاتحادات الرياضية في مصر لا تعتمد "الكود الأخلاقي" في لوائحها حتى الآن، ويطالب الاتحاد المصري لكرة القدم، وجميع الاتحادات في مختلف الألعاب والرياضات الأخرى، بوضع "كود أخلاقي" مثلما هو متبع في الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية، حتى يتم الحد من هذه الظاهرة، في ظل القوانين الرادعة والعقوبات التي تصل إلى الإيقاف مدى الحياة، لكل من تثبت عليه تهمة الابتزاز والتحرش الجنسي.

"الاتحادات الرياضية في مصر لا تعتمد "الكود الأخلاقي" في لوائحها حتى الآن".

ويضيف خبير القوانين الرياضية لرصيف22: "الفيفا لا تتهاون في قضايا الابتزاز والتحرش الجنسي، آخر هذه الوقائع كانت قضية التحرش بلاعبات منتخب أفغانستان لكرة القدم العام الماضي، خلال معسكرهن بدولة الأردن ومحاولة مسؤولي البعثة من اتحاد أفغانستان ممارسة الجنس مع اللاعبات وابتزازهن، لكن الفيفا أوقف رئيس الاتحاد وعدداً من المسؤولين، وأجرى تحقيقات في القضية على نطاق واسع، وهي الإجراءات التي تنقصنا في الاتحادات المصرية لجميع الألعاب في مثل هذه الوقائع".

ويصف فضل الله ظاهرة الابتزاز الجنسي في قطاع الرياضة في مصر بـ"الكارثي"، ويعتبرها الوجه القبيح للرياضة بشكل عام، لأن الأصل في الرياضة أنها قائمة على الأخلاق، فكيف يتم تدريب النشء بدنياً ولا يتم تدريبهم أخلاقياً، قائلاً: "فاقد الشيء لا يعطيه، الرياضة في مصر بحاجة ماسة لتفعيل كود الأخلاق للحفاظ على الأهداف النبيلة المكتسبة من ممارسة الرياضة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard