بعد "أسبوعين حافلين بالأحداث الاستثنائية"… ما الرسائل التي حملتها خطبة خامنئي؟

الجمعة 17 يناير 202002:42 م

للمرة الأولى منذ 8 سنوات، وللمرة الحادية عشرة منذ توليه قيادة البلاد، خطب القائد الأعلى للثورة الإيرانية علي الخامنئي في المصلين في وقت حساس تتوالى فيه الأزمات الداخلية والخارجية، مثيراً تساؤلات بشأن دلالة ذلك وبشأن الرسائل التي أراد البعث بها.

ووصف خامنئي، في خطبة الجمعة 17 كانون الثاني/يناير، الرد الصاروخي الإيراني على اغتيال أمريكا القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني باستهداف قاعدة عين الأسد التي تضم بعض القوات الأمريكية في العراق، وصف ذلك الرد بأنه "كسر لشوكة أمريكا وهيبتها واستكبارها" وبأنه كان "أحد أيام الله".

وتابع: "أسبوعان حافلان بالأحداث الاستثنائية مرا علينا نستخلص منهما العبر... إن الله تعالى وراء البعد المعنوي في تلك الأحداث والإرادة الإلهية تقف إلى جانب الشعب الإيراني".

وكان الجيش الأمريكي قد اغتال سليماني بضربة جوية أمريكية فجر 3 كانون الثاني/يناير، بعدما حطت طائرته في مطار بغداد. ورداً على ذلك أطلق الحرس الثوري، فجر 8 كانون الثاني/يناير، عدة صواريخ على قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في العراق.

كانت أولى خطب خامنئي عقب انتخاب مجلس الخبراء له، وتحديداً في مناسبة ذكرى أربعين سلفه روح الله الخميني.

وأصاب أحد الصواريخ طائرة أوكرانية بعد إقلاعها من المطار في طهران، مسفراً عن مقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 176 من عدة جنسيات.

وبعد يومين من الإنكار، اعترف الحرس الثوري بـ"الخطأ الذي لا يغتفر" على حد وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني، وهذا ما أثار استياء العديد من الإيرانيين وأدى إلى خروج تظاهرات شعبية وطلابية ضد "فساد السلطة وكذب المسؤولين وجرائم الحرس الثوري".

الطائرة الأوكرانية و"التغطية" على تشييع سليماني

ووصف خامنئي المحتجين على إسقاط الطائرة الأوكرانية والمهاجمين للحرس الثوري بأنهم "تابعون لإعلام العدو الخارجي" الذي اتهمه بالتركيز على حادث الطائرة للتغطية على "حب الشعب الإيراني الجارف ووفائه" لسليماني.

القائد الأعلى للثورة الإيرانية علي الخامنئي يلقي خطبة الجمعة الأولى منذ 8 سنوات، والمرة الـ11 منذ تعيينه… ما الرسائل التي أراد إطلاقها داخلياً وخارجياً؟

ورأى خامنئي أن "التشييع المليوني" لسليماني بعد 41 عاماً من "انتصار الثورة" بمنزلة "تجديد البيعة من الشعب الإيراني لنهج الإمام الخميني" وتعبير عن انحياز الشعب الإيراني إلى "خط الجهاد والمقاومة وليس كما يُصور البعض".

وتطرق خامنئي إلى حادث سقوط الطائرة الأوكرانية قائلاً: "قلوبنا تألمت لحادثة سقوط الطائرة الأوكرانية المنكوبة. الأعداء فرحوا بالحادث المأسوي وسعوا إلى تحميل الحرس الثوري المسؤولية. أراد الإعلام الأمريكي أن يُنسي الشعب الإيراني استشهاد سليماني بالتركيز على حادث الطائرة".

ثم أردف: "أعرب مجدداً عن مواساتي واعتبر نفسي شريكاً في العزاء بضحايا حادث الطائرة"، منوهاً بمتابعة التحقيقات في القضية وتجنب تكرارها.

وتعليقاً على تطورات ملف الاتفاق النووي الإيراني، هاجم خامنئي الدول الأوروبية الثلاث التي هددت بإرسال الملف إلى مجلس الأمن، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إذ "لا يمكن الوثوق بها" بحسب قوله، وهي نفسها التي دعمت نظام صدام حسين في العدوان على إيران، لافتاً إلى أنها "أصغر من أن تركع الشعب الإيراني، ولن تكون إلا في خدمة أمريكا وذيولاً لها".

جاء ذلك التعليق بعدما فعلت الدول الثلاث آلية تسوية النزاعات في الاتفاق النووي على نحو يرجح إعادة فرض الأمم المتحدة عقوبات ضد طهران.

دعوة للوحدة والمشاركة في الانتخابات

وعقب استعراض تطورات الأسبوعين الماضيين، دعا الخامنئي الشعب الإيراني إلى الاتحاد وتركيز همته "نحو مزيد من القوة والاقتدار"، مبرزاً أن القوة التي يطمح إليها النظام "لا تقتصر على القوة العسكرية وإنما على القوة الاقتصادية والعلمية".

ونبّه إلى أن إيران لم يبقَ لديها سبيل سوى أن تصبح "أكثر قوة"، متابعاً "لسنا ضد المفاوضات ولكن ليس من موقع الضعف".

وأضاف: "في المستقبل المنظور لن يستطيع أعداء الشعب الإيراني حتى تهديده"، مناشداً الإيرانيين المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة "لدفع الأعداء إلى اليأس من حياكة المؤامرات ضد الجمهورية الاسلامية".

خطبة عربية ورسائل خارجية

وفي خطبة ثانية باللغة العربية، ركز خامنئي على العلاقة بين العراق وإيران، موضحاً أن الشعب الإيراني شيّع "شهداء الضربة الأمريكية الجبانة والغادرة بمسيرات مليونية تماماً كما فعل الشعب العراقي في عدة مدن، فيما كان إعلام العدو يتهم إيران بإثارة حروب بالوكالة، وهي فرية كبرى أراد بها الإعلام أن يُنسي الشعب الإيراني شهداءه بالتركيز على حادث سقوط الطائرة".

وتابع: "لقد أُنفقت أموال ضخمة وجُند أشخاص في إيران ضد الشعب العراقي، كما شهد العراق ضخاً إعلامياً شيطانياً ضد إيران، غير أن اختلاط الدماء العراقية الإيرانية هزم هذه المحاولات الشيطانية".

وفي الختام، أكد أن "مصير المنطقة يتوقف على التحرر من الهيمنة الأمريكية". 

خامنئي حاول صرف الاهتمام عن حادث إسقاط الحرس الثوري للطائرة الأوكرانية، واتهم الإعلام الأجنبي المعادي بمحاولة حَرْف الأنظار عن التشييع المليوني لسليماني في العراق وإيران

ويعتقد بعض المحللين أن هدف صعود خامنئي المنبر للمرة الأولى بعد 8 سنوات هو تهدئة الاحتجاجات الشعبية ضد إسقاط الطائرة الأوكرانية.

غير أنهم لم يستبعدوا أن يكون "تقديم الدعم" للحرس الثوري ومحاولة رفع معنويات قادته وعناصره من أهدافه، لا سيما بعد تعرض الحرس الثوري لهجوم شديد خلال هذه الاحتجاجات الداخلية، بإظهاره ذراع "المقاومة بوجه الظلم" مثلما قال.

في سياق متصل، ذكرت وكالة "مهر" الإيرانية أن الحشود الغفيرة من جميع الفئات توافدوا صوب المصلى منذ ساعات الصباح الأولى "حاملين صور سليماني ولافتات كتبت عليها شعارات ‘أنا حارس ثوري‘، و‘الحرس الثوري فداء للشعب‘".

يُعتقد كذلك أن خامنئي أراد الدعوة إلى مشاركة فاعلة في الانتخابات التشريعية (المقررة في 21 شباط/فبراير المقبل) بعدما رفض مجلس صيانة الدستور العديد من المقترحات الإصلاحية وسط انتقادات وافرة من الشارع الإيراني.

أما خارجياً، فتركزت رسائل المرشد الأعلى على بيان "متانة" العلاقة مع العراق برغم الأحاديث عن رغبة إيرانية في توريط بغداد في حرب بالوكالة. علاوةً على الرد على التهديدات الأوروبية بشأن الملف النووي والتأكيد من جديد على أهمية مغادرة واشنطن المنطقة.

في أي مناسبات خطب سابقاً؟

تعد هذه المرة الحادية عشرة التي يقود فيها الخامنئي المصلين ويلقي خطبة الجمعة منذ توليه قيادة الثورة الإيرانية عام 1989.

وكان قد استهل هذه الخطب عقب انتخاب مجلس الخبراء له، وتحديداً في مناسبة ذكرى أربعين سلفه روح الله الخميني.

وعاد إلى منبر الجمعة عام 1991 مع اشتداد الانتفاضة الشعبانية في العراق، لا سيما الجنوب، وانصبت خطبته آنذاك على دعوة العراقيين إلى الاتحاد ضد نظام الرئيس صدام حسين.

آخر خطبة لخامنئي، عام 2012، قال مخاطباً أوباما: "خيار الحرب سيكون مكلفاً".

عام 1998، بعد تولي الرئيس الأسبق محمد خاتمي الرئاسة في إيران وإثارة الجدل بشأن مفاوضات يجريها النظام، خرج خامنئي لتوضيح ذلك.

غير أن عام 1999 حفل بشكل غير مسبوق بأربع خطب لخامنئي، بدأها بالتعليق على سلسلة حوادث اغتيال سياسية تورط فيها مسؤولو أمن. ورمت الثانية إلى تهدئة الغضب الشعبي للعنف الأمني ضد تظاهرات واسعة لطلاب جامعة طهران، وفي الثالثة تصدى لما وصفه بـ"الغزو الثقافي" لإيران منتقداً تعرض إحدى المجلات للإمام المهدي، الإمام الثاني عشر لدى الشيعة.

أما الخطبة الرابعة في هذا العام، فقد تزامنت مع نهاية عقد حكمه الأول، وخصصها للحديث عن المستجدات وأثرها على نظام الجمهورية الإسلامية.

وبعد 10 سنوات، عاد خامنئي إلى منبر الجمعة عام 2009 إثر تظاهرات غاضبة ومشككة في نتائج انتخابات الرئاسة التي فاز فيها حينذاك الرئيس محمود أحمدي نجاد.

وعام 2011، اتسمت خطبة خامنئي بالعمومية، إذ وجهها إلى الأمتين العربية والإسلامية باللغة العربية، مشجعاً فيها على "الصحوة الإسلامية" مع انطلاق ثورات الربيع العربي.



أما آخر خطبه فكانت عام 2012، وردّ فيها على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وتعليقه بأن "جميع الخيارات متاحة" للرد على البرنامج النووي الإيراني. وهدد خامنئي حينذاك بأن "خيار الحرب سيكون مكلفاً"، متطرقاً إلى الثورات العربية والصراع العربي الإسرائيلي وقضية تحرير فلسطين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard