"صفعة... انتقام؟"... كيف يُقرأ الهجوم الإيراني على قوات أمريكية في العراق؟

الأربعاء 8 يناير 202002:49 م

برغم اعتبار الإيرانيين الهجوم الصاروخي على قاعدتين تحتضنان وجوداً عسكرياً أمريكياً في العراق، فجر 8 كانون الثاني/يناير، "انتصاراً كبيراً" و"إحراجاً" لواشنطن، رجحت شواهد عدة أن إيران حرصت في هجومها على "حفظ ماء وجهها" ولم ترِد "تصعيد المواجهة المباشرة" مع واشنطن.

حمل هجوم "عملية الشهيد قاسم سليماني" رسائل مقصودةعدة، منها اختيار التوقيت نفسه الذي اغتيل فيه سليماني: الواحدة والنصف صباحاً، وبالأسلوب نفسه: ضربة جوية، وعلى الأرض نفسها: العراق وفق وكالة أنباء "فارس" الإيرانية.

ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين ومحللين اعتقادهم بأن إيران لم ترد "أن تصيب بدقة" القوات الأمريكية في العراق. واعتبر بعضهم أن الهجوم الإيراني كان هدفه "حفظ ماء الوجه" بعد التهديدات المستمرة من المسؤولين الإيرانيين على جميع المستويات بالانتقام لمقتل سليماني الذي قضى إثر ضربة أمريكية فجر 3 كانون الثاني/يناير. 

وأشاروا إلى أن القصف نفذ في وقت نوم القوات وفي أماكن "غير مأهولة" من القاعدتين.

واختارت السلطات الإيرانية أن تتمم مراسم دفن سليماني عقب الهجوم مباشرةً، إذ بث خبر "الانتقام" على المشيعين الذين تعالت أصواتهم بالتكبير. 

وذكر التلفزيون الإيراني: "أخذنا بثأره... الآن يمكنه أن يرقد بسلام".

وكان الحرس الثوري الإيراني قد أعلن "دك قاعدة عين الأسد الأمريكية في محافظة الأنبار العراقية بعشرات الصواريخ الباليستية، أرض أرض، ودوي انفجارات ضخمة".

وقال متحدث عسكري أمريكي للقيادة المركزية، المسؤولة عن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، إن عشرة صواريخ ضربت قاعدة عين الأسد الجوية، فيما أصاب صاروخ قاعدة عسكرية (حرير) في أربيل، وضلّت أربعة صواريخ الطريق إلى أهدافها خلال موجتين من الهجمات الصاروخية الإيرانية، استمرت كل منهما نحو الساعة.

وزعم التلفزيون الإيراني أن الهجوم الصاروخي أسفر عن مقتل 80 "إرهابياً أمريكياً" ، وإلحاق "أضرار جسيمة" بطائرات هليكوبتر وعتاد عسكري أمريكي.

غير أن ألمانيا والدنمارك والنرويج وبولندا نفت وقوع إصابات في صفوف قواتها في العراق. الأمر نفسه أعلنته القيادة العسكرية العراقية المشتركة.

أول هجوم مباشر وعلني

كذلك أفاد مسؤولون أمريكيون بأن التقييمات الأولية تظهر عدم وجود خسائر بشرية أو إصابات في صفوف القوات الأمريكية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر تويتر، إن "كل شيء على ما يرام"، وإن تقييم آثار الهجمات يجري حالياً. 

وأوضح البنتاغون أنه "خلال الأيام الأخيرة واستجابة للتهديدات الإيرانية، اتخذت وزارة الدفاع جميع التدابير المناسبة لحماية أفرادنا وشركائنا. كانت هذه القواعد في حالة تأهب قصوى".

لكن الحرس الثوري وصف الهجوم بـ"الانتصار الكبير"، واعتبرت وسائل الإعلام الإيرانية أنه يدخل البلاد التاريخ من أوسع أبوابه، باعتباره المرة الأولى التي تتجرأ دولة فيها على قصف أهداف أمريكية بشكل علني ومباشر، واصفةً ذلك بـ"الإهانة الكبرى لأمريكا".

وقالت وكالة "فارس" إن هذا الهجوم قد "يؤسس لمرحلة جديدة في الصراع بين طهران من جهة، والتحالف الأمريكي الصهيوني العربي الرجعي من الجهة الأخرى، لا تقوم على امتلاك السلاح، بل على إرادة من يحمل السلاح ويضغط على الزناد في اللحظة المناسبة".

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، أعرب معلقون عن اعتقادهم بأن إيران لم تهدف إلى "انتقام ساحق" لمقتل سليماني كما هددت مراراً، مستهجنين استخدامها صواريخ باليستية وعدم قصف قواعد أمريكية كتلك المنتشرة في قطر.

وبرر وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي، في تصريح للتلفزيون الرسمي، استخدام صواريخ "قصيرة المدى" خلال الهجوم حتى يكون "درساً لا يُنسى لأمريكا"، لافتاً إلى أن الرد الإيراني على أي انتقام أمريكي محتمل "سيكون متناسباً مع ما ستفعله أمريكا".

الإيرانيون يرون الهجوم على "عين الأسد" و"حرير" "انتصار كبير، وإهانة وصفعة لأمريكا"، ومسؤولون أمريكيون يقولون إن إيران لم ترد تصعيد المواجهة واختارت تنفيذ هجوم "يحفظ ماء وجهها فقط"
تباين في التصريحات الإيرانية حول الهجوم؛ خامنئي يؤكد أنها "صفعة أما الانتقام فأمر آخر"، وظريف يقول "لا نريد التصعيد أو الحرب"

تخبط في الموقف الإيراني

وبدا أن الموقف الإيراني من الهجوم ليس محسوماً بشكل كامل، إذ أفاد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عبر تويتر: "اتخذت إيران تدابير الدفاع عن النفس. إننا لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب. لكن سندافع عن أنفسنا ضد أي عدوان". ونقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤولين إيرانيين مطلعين أن "الانتقام" الإيراني لمقتل سليماني "انتهى".

في المقابل، قال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، علي الخامنئي، إن الهجوم "صفعة لأمريكا، والانتقام أمر آخر".

واتفق معه الرئيس الإيراني حسن روحاني بالقول إن الولايات المتحدة ربما "قطعت ذراع" الجنرال سليماني لكن إيران سترد بقطع "رجل" الولايات المتحدة في المنطقة. وهو الأمر الذي لن يتحقق ربما في هجوم الفجر وحده.

وقال نائب قائد مقر ثار الله للحرس الثوري إسماعيل كوثري: "الهجوم الإيراني على قاعدة عين الأسد التي تستضيف قوات أمريكية، ما هو إلا خطوة أولية  للرد على مقتل سليماني".

ووصف رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري الهجوم بأنه "جزء بسيط من قدرات القوات المسلحة الإيرانية في الرد على الجريمة الأمريكية باغتيال سليماني"، مشيراً إلى أنه "من الآن فصاعداً، سيواجه أي عدوان أمريكي جديد برد أقوى وساحق وعلى نطاق أوسع".

وأضاف باقري: "آن الأوان للمسؤولين الأمريكيين أن يدركوا قدرات الجمهورية الإسلامية على مساحة واسعة من جغرافيا العالم، وأن ينتهجوا سلوكاً عقلانياً ويسارعوا إلى سحب قواتهم" من المنطقة.

ولم يتضح على الفور طريقة رد الولايات المتحدة. لكن الرئيس ترامب سبق أن هدد باستهداف 52 موقعاً إيرانياً، بينها مواقع ثقافية لدى الرد على اغتيال سليماني. لكنه عدل عن تهديده باستهداف هذه المواقع لاحقاً.

في المقابل، حددت إيران 100 هدف لأمريكا وحلفائها لا سيما إسرائيل، وأي دولة إقليمية تتحول إلى "منصة للاعتداءات الأمريكية".

وكان وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر قد صرح، مساء 7 كانون الثاني/يناير لشبكة سي أن أن الأمريكية، بأن واشنطن لا تسعى إلى شن حرب ضد إيران لكنها "مستعدة لإنهاء هذه الحرب" لدى نشوبها.

وترى إيران الوجود الأمريكي في المنطقة "شراً وخطراً" على أمنها القومي، وطالما دعتها إلى سحب قواتها. وكان مجلس النواب العراقي قد أصدر قراراً يلزم الحكومة العراقية بإنهاء وجود القوات الأجنبية في البلاد، وبينها القوات الأمريكية، رداً على اغتيال سليماني.

ورفض الرئيس ترامب ذلك مهدداً بفرض عقوبات ضخمة على العراق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard