أنا قلبي دليلي... إلى حيّ الأحباس المغربيّ تجرّكم فتنةُ التسكّع في التاريخ

الأربعاء 15 يناير 202002:50 م


يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


إن أحسستم بالملل بما يحدث من حولكم، وسئمتم من الضجيج والتلوث والفوضى المتواجدة في كلّ مكان؛ إن كنتم في حاجة ماسة إلى سِحر من نوع خاص، استمعوا إلى أصوات قلوبكم وهرولوا مسرعين إلى "حيّ الأحباس"، حيث سِحر الكتب وعبق التاريخ وروعة الجمال.

ما إن تطأ أقدامكم حيَّ الأحباس، ستلفت انتباهكم أقواسه المميزة، ودروبه البيضاء الملتوية الضيقة، وبناياته المميزة، فضلاً عن القناطر والمساحات الخضراء التي تزيّن المكان هنا وهناك، إضافة إلى أزقّته المرصوفة والنّظيفة.

لا تبالغوا إن خيّلوا إليكم أنكم أبطال في فيلم تاريخي يحكي عن الحواري وفتواتها، أو عن الاستعمار وقسوته، فكلُّ شيء هنا يوحي إلى عراقة التاريخ.

لا شك في أن الزائرين للحيّ سيشعرون أنهم يدخلون مكاناً مختلفاً، حيث يعدّ "حيّ الأحباس"، المدينة العتيقة الثانية لمدينة الدار البيضاء، بعد مدينة "باب مراكش".

"حيّ الأحباس" أم "المدينة الجديدة"؟

تتضارب الروايات حول تاريخ تشييد حيّ الأحباس، لكن أغلب المختصّين يجزمون على أن تاريخ بنائه يعود إلى سنة 1920، أي إبان الاستعمار الفرنسي.

استغرق بناء "الأحباس" سنوات عديدة، ويعود هذا إلى صعوبة بنائه، حيث كانت أعمال البناء شاقة ودقيقة، ويمكن القول إن تاريخ بنائه مرّ على ثلاث مراحل، أي فترة العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات.

يقع حيُّ الأحباس بالقرب من القصر الملكي في قلب الدار البيضاء، وبالتالي سكّان الحي يفضلون تسميتهم بـ"جيران السلطان". هؤلاء الجيران المميزون عاشوا لسنوات بالقرب من القصر

وقد أشرف على بناء الحيّ المذكور مؤسسةُ الأحباس التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب وقد تمّ بناؤه على أرض شاسعة.

قام بتصميم حي "الأحباس"، مهندسون فرنسيون، وفقاً للعمارة العربية الإسلامية، وهذا الخيار كان مختلفاً عن باقي المدن المغربية العتيقة، مثل مدينة تطوان والرّباط وفاس والصويرة، حيث جلّ هذه المدن المذكورة كانت مبنية وفقاً للعمارة الأندلسية.

أو يمكن أن نقول إن تصميم حي الأحباس في ذلك الوقت من الزمن، كان نابعاً من فكرة بناء مدينة جديدة بمواصفات عصرية، ولهذه الأسباب كان يلقّب حي الأحباس بـ"المدينة الجديدة".

ما إن تطأ أقدامكم حيَّ الأحباس، ستلفت انتباهكم أقواسه المميزة، ودروبه البيضاء الملتوية الضيقة، وبناياته المميزة، فضلاً عن القناطر والمساحات الخضراء التي تزيّن المكان هنا وهناك

هدية من يهودي مغربي

شُيّد حيّ الأحباس على أرض كان يملكها أحد اليهود المغاربة، يدعى "حاييم ابن بداح". قيل إنه وهب الأرض إلى السلطان المولى يوسف تقرّباً منه، والبعض الآخر يقول إنه وهب الأرض إلى السلطان محمد الخامس. ولكن ما يقع الإجماع عليه هو أن السلطان الذي تمّ إهداؤه هذه الأرض، قام بتحبيسها، وتقسيمها إلى أربعة أقسام؛ منها قسم خاص بالقصر الملكي، وقسم آخر يضمّ منازل عمال القصر، بالإضافة إلى أقسام أخرى مخصصة للمنازل والمحلات.

وأنتم تتجولون بين الأزقة البيضاء لهذا الحيّ، سيتناهى إلى أسماعكم، أصوات الآذان، من أجل إقامة الصلاة، وسيحتار المارّةُ والزوارُ أيؤدوا الصلاة في مسجد المحمدي أم مسجد اليوسفي؟ فلكلّ مسجد تاريخه الخاص. وحيّ الأحباس يضمّ مسجدين؛ مسجد "اليوسفي"، الذي شيده السلطان مولاي يوسف، ومسجد "المحمّدي"، الذي بناه محمد الخامس؛ والمسجد الأخير ضخم مقارنة بباقي مساجد الدار البيضاء. حيث كان السلطان يفضّل أداء صلاة الجمعة بشكل رسمي في هذا المسجد، فضلاً عن أن رؤساء دول إسلامية وعربية كانوا يزورنه ويؤدون الصلاة فيه.

منازل لا تباع ولا تشترى

قد يدفعكم سِحرُ المكان إلى المكوث فيه لساعات طويلة، أو قد يراودكم إحساس في اقتناء منزل هنا في حي الأحباسو، لكن هذه المنازل العريقة، تحت سيطرة مؤسسة "الأحباس" التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث أنها لا تباع ولا تُشترى، وتعود عائدات كِراء المنازل والمحلّات إلى المساجد ودور العبادة.

جيران السلطان

يقع حيُّ الأحباس بالقرب من القصر الملكي في قلب الدار البيضاء، وبالتالي سكّان الحي يفضلون تسميتهم بـ"جيران السلطان". هؤلاء الجيران المميزون عاشوا لسنوات بالقرب من القصر، وشهدوا على مناسبات واحتفلات دينية مختلفة أقيمت هناك.

ومن هذه المناسبات يكفي أن نذكر ذكرى المولد النبوي، حيث يبدأ سكان حيّ الأحباس المجاور للقصر الملكي، التحضيرَ لاستقبال ليلة مولد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ عادةٌ يقول سكّان الحيّ إنها مكتسبة من أيام الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان مواظباً على زيارة القصر الملكي في الدار البيضاء في مثل هذه المناسبة.

بخور ومديح وذكر حكيم، كلّها طقوس مازالت راسخة بين جدران الحي. كلّ شيء في المكان يشهد على عراقة المشهد وأصالته والارتباط الوثيق بين زمن الماضي وزمن الحاضر.

مديح الليلة وتهليلها لا يتوقف إلا عند بزوغ أولى أشعة الصباح، حيث تبدأ النسوة في الصلاةِ على النبيّ و"التعشيق"، وفي تلك اللحظة يتمّ إعلان ساعة ولادة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهناك تنتهي المرحلة الأولى من الاحتفالات.

طعام مميز

أمام كل هذا الزخم التاريخي الذي يحتويه هذا المكان، بالتأكيد سينتابكم إحساس بالجوع، لاسيما بعدما استنشقتم أو شممتم روائح المطبخ المغربي النابعة من مطاعم تقليدية محضة يضمّها فضاء حيِّ الأحباس.

هنا، ستجدون أطعمة تقليدية مغربية، وطبعاً ستكون لذيذة، فالمطبخ المغربي معروف بلذّته وتوابله الخاصّة، ولاشكّ أن هذه المعلومة ليست جديدة عليكم.

إضافة إلى ذلك، المكان يزخر أيضاً بالمحلّات التجارية التي تحتوي على منتوجات الصناعة التقليدية كالزرابي المغربية وأواني الخزف القديمة، والملابس التقليدية (الجلباب والقفطان المغربي وغيرها)، وحلي ومصنوعات خشبية وفضّية ونحاسية، فضلاً عن محلّات الخياطين والحرفيين التي تكون قبلة المغاربة أنفسهم ومقصداً هامّاً للسياح الأجانب.

وإن كنتم تريدون أكثر من ذلك في زيارتكم لحيّ الأحباس فيمكنكم الاطلاع على أحدث الكتب، أو اقتناء المجلات العربية والأجنبية هناك. ونودّ إخباركم أن حيَّ الأحباس، يعدّ قبلة للمثقفين في مدينة بحجم الدار البيضاء، حيث يضجّ الأحباسُ بأكثر من 50 مكتبة، بعضها تُعدّ من أكبر المكتبات التابعة لأشهَر دور النّشر المغربية والعربية، وتوفّر كلّ ما يحتاجه قاصدوها من مؤلفات عربية وأجنبية، في جميع التخصّصات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard