ماء الرجال... الدواء والمُعيب والحبر السري وملطف البشرة

الأحد 29 ديسمبر 201906:40 م

"كانت رائحة الرسائل مقرفة، أخبرناه أن كل رسالة بحاجة لعملية جديدة"، هكذا كتب في مذكراته، واحد من ضباط مانسفيلد سميث كمينج، أول رئيس لوكالة الاستخبارات البريطانية (MI6)، الذي أوعز أثناء الحرب العالمية الأولى لجواسيسه بأن يستخدموا حبراً سرياً جديداً، لا تكشفه غازات اليود، هو مادة متوافرة، ويمكن إنتاجها في أي وقت، لكن لا يمكن تخزينها، لكن حينها وصف من اكتشف هذا الحبر بـ"الجنون" و"الانحراف".

تقسم اللغة العربية "الحبر" السابق بحسب زمن خروجه وخصائصه، هو مني إن كان غليظاً، وذا رائحة كـ"طَلع النخل"، و إن خرج على دفقات وبشهوة مع الفتور عَقِبَه، ولا يشترط اجتماع الخصائص السابقة ليكون منياً، أما المذي، فهو شفاف يخرج عند التفكير في الجماع، التقسيمات والخصائص مرتبطة بالدنس ووجوب الغسل أو الوضوء بعد ظهور السائل، والذي هناك اختلاف حول مقدار دنسه بين المذاهب.

المثير للاهتمام هو الخروج بـ"شهوة"، وكأن في ذلك نوع من الممارسة الصحية المفيدة للجسد، وهذا ما نراه لاحقاً مع المؤسسة الطبية لضبط هذا السائل، الذي إن اختزن في مصافيه أصيب صاحبه بـ"داء الحب"، الذي يتحدث عنه ابن سينا في "القانون"، ضمن فصل الميلانخوليا واصفاً أعراضها وتصنيفاتها، لكن ما يهمنا هو أن الحل إما بجمع المصاب بهذا الداء مع العاشق، أو إيجاد عاشق جديد له، خصوصاً أن الأعراض جسدية، سببها "سوداءة" في الجسم، لكن ما يشير له ابن سينا أنه لابد نهاية من آخر يكون محطّ الشهوة، وكأن هناك سائلاً يجب خروجه، وهذا ما يصفه بقوله: "ومن الشواغل (عن العشيق) الْمَذْكُورَة اشْتِرَاء الْجَوَارِي والإكثار من مجامعتهن والاستجداد مِنْهُنَّ والطرب مَعَهُنَّ"، والأهم أنه لابد له من خروج وإنزال، فـ" ارتكام الْمَنِيّ وبرده واستحالته إِلَى السمّية أَن يُرْسل الْمَنِيّ إِلَى الْقلب".

تَخيُّل ابن سينا للجسد القويم أشبه بإناء مستطرق تتحرك السوائل ضمنه بتركيزات متعددة، تختلف الأمراض باختلاف نسبها، ويمكن لكل هذه السوائل إن تحط في أي مكان، فالقيمة العلاجية للمني تكمن في خروجه واستفراغ الجسد منه، مع ذلك، بقي بسبب "دنسه" و"فحشه" تهمة ومحط اختلاف، لكن المثير للاهتمام أن خروجه بعد شهوة يجب أن يكون مقنّناً ومضبوطاً بـ"الشرع" ولا يجوز انفلاته في اليد، لكن بالعودة للتراث اليوناني وتوزع السوائل في الجسد، يرى أرسطو أن أفضل النطاف تأتي من منطقة حول العين، وكأن الفرد يُنتج نطافاً أفضل بحسب ما يبصر وما يراه، وهنا يمكن فهم العلاقة بين "البصر" و"النسل"، فأوديب الذي لا يبصر "الحقيقة" نسله ملعون، نطافه تحمل لعنة تنتقل من جيل إلى جيل.

تكثر الحكايات عن ماء الرجال في التراث المسيحي، وخصوصاً الهراطقة الذين وجدوا فيه امتداداً للروح، ولا يجب هدره، بل إن بعض الطقوس الكنسية المتخيّلة كانت تقوم على أساس التهامه بوصفه بذرة الرب وجسد المسيح، فالرجل يساهم بما هو أبيض في جسد الإنسان "عظام ، أسنان، جلد.." والمرأة بما هو أحمر "لحم، دم.."، وتطور الأمر لاحقاً لتحول المني إلى سائل الحياة، يحوي حرفياً أبدان الآخرين، كما في تخيل من القرن السابع عشر، حيث تحوي كل نطفة "إنساناً" يختبئ داخلها، وينمو داخل الرحم لاحقاً.


اقتصاد السوائل وقنوات ضد الهدر

لا حاجة للدخول في التاريخ الذكوري وكيفية تكوين العالم لضبط قنوات النطاف وانتقاله من "الداخل" إلى "الخارج"، لكن لابد من الإشارة إلى جهود المؤسسة التجارية في خلق قنوات لماء الرجال، لا تراهن على المشين، بل على ما يدعي أنه علاجي، كما نرى في النصائح التجميلية التي تجعل مفرزات المتعة وعلاماتها تمتد خارج سياق المتعة، لا ينتج عنها ما هو مقرف أو فاسد حسب رأي البعض، بل "سلعة" تحافظ نوعاً ما على صيغتها "المفيدة"، كحالة "قناع النطاف" الذي لا ندري كم هو "طبي" التوصية به كملطف للبشرة، لكن الواضح أن هذه التوصيات بماء الشريك تعتمد على المعارف الشعبية، وقراءة المكونات والخصائص الطبيعية (بروتين، فيتامينات) من وجهة نظر ثقافية علاقات سطحية وصلت بالبعض للقول إن النطاف مفيدة للجلد لأنها تخترق المسام، المثير للاهتمام هو الرهان على التصور الشعبي عن النطاف المرتبط بالصورة المجهرية لها، فهي كائنات فاعلة تحوي احتمالات الحياة، وتتحرك نحو أهدافها، وخصائصها "العلاجية" ترتبط بوعيها المتخيّل بوظيفتها.

 هو مني إن كان غليظاً، وذا رائحة كـ"طَلع النخل"، و إن خرج على دفقات وبشهوة مع الفتور عَقِبَه، ولا يشترط اجتماع الخصائص السابقة ليكون منياً، أما المذي، فهو شفاف يخرج عند التفكير في الجماع... عن ماء الرجال

العودة للتراث اليوناني وتوزع السوائل في الجسد، يرى أرسطو أن أفضل النطاف تأتي من منطقة حول العين، وكأن الفرد يُنتج نطافاً أفضل بحسب ما يبصر وما يراه، وهنا يمكن فهم العلاقة بين "البصر" و"النسل"، فأوديب الذي لا يبصر "الحقيقة" نسله ملعون، نطافه تحمل لعنة تنتقل من جيل إلى جيل

لا نعلم بدقة أثر البورنوغرافيا في الممارسة السابقة المرتبطة بالمني وعلاقته مع الخارج "الوجه والجسد"، خصوصاً أنها تقدم أشكالاً مختلفة للإنزال، من حفلات البوكاكي حتى الكوكتيلات، إذ يتحرك ماء الرجال في مختلف الأماكن وتتغير وظائفه نحو أخرى فيتشية، أشبه بعلامة أو دمغة تختزن النظرة الذكورية وتاريخها، تلك التي تترك أثراً جسدياً على موضوع شهوتها مهما كان، ولا نقصد هنا تقييم أو توجيه ممارسات اللذّة، لكن نتحدث عن انتقال الشكل البورنوغرافي الذكوري اللاجدّي إلى العوالم الجدّية، وتحوله إلى عرف أو أسلوب لا يمكن الاستغناء عنه، خصوصاً أن المبالغة الغروتيسكية في عوالم البورنوغرافيا لا ترتبط باللاعبين أو المشاركين في الأداء ورغباتهم، بل هي تضخيم للسوائل وأشكال تبادلها لمتعة المشاهد الآنية المتخيّلة، لا لنفي تكوين العالم الجدّي.

اقتصاد السوائل الذي كان يرتبط بالجسد وتوظيفه لصالح المال، أصبح أشد وضوحاً مع مستودعات النطاف، وحفظ ماء الرجال خارج قنوات اللحم، لكن القوانين حوله ما زالت متحيزة، ولا نتحدث عن التعديل الجيني والأخصاب الصناعي، بل عن الخصائص الثقافية المرتبطة بمفهوم التبرع بالنطاف، وكأن الصورة السابقة من القرن السادس عشر ما زلت حاضرة، فالنطاف التي تحوي احتمالات "النسل الأفضل" تتجاوز الاختبارات الطبية، نحو التسويق و تحويل المواد الحيوية إلى منتجات، ينشأ حولها خطاب ثقافي يوظف خصائص غير طبية لخلق هرمية بين نطاف وأخرى، تقوم على معايير "خارجية" ترتبط بالتعليم والدخل والذكاء والطبقة الاجتماعية، والرهان على خصائص الرجولة الثقافية، لا فقط لإغراء الراغبين بل أيضاً المتبرعين، كالإعلان الذي يصور رجل إطفاء و تحته عبارة "داخل كل بطل ملايين الأبطال"، وكأن التبرع بالنطاف واجب وطني من يقوم به كمن ينقذ حياة أحدهم.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard