تعرية طقوس الأعراس في واحد من أضخم الإنتاجات المسرحية اللبنانية هذا العام

الجمعة 20 ديسمبر 201906:03 م

نص "عرس البرجوازي الصغير" من النصوص الأولى التي ميزت بدايات المسرحي الألماني بروتولد بريشت، الذي سيُكرس لاحقاً منهجاً مسرحياً خاصاً هو "المسرح الملحمي".

لكن بالعودة إلى نصوص بدايات بريشت، يبرز هذا النص الذي يسعى فيه المؤلف إلى مسرحة ممارسات الواقع والظواهر الثقافية، بهدف الإضاءة على الشوائب الفكرية والممارسات الثقافية واجبة النقد والتفكيك، برأيه، وهذا ما ينطبق على نصه هذا، الذي قدمته المخرجة كارولين حاتم، كواحد من أضخم الإنتاجات المسرحية اللبنانية هذا العام.

التزمت المخرجة في عرضها نص بريشت بدقة، من حيث عدد الشخصيات، الأحداث الأساسية والفرعية، ومن حيث الموضوع طبعاً، وحتى الديكور والسينوغرافيا المسرحية مع بعض الإضافات التي تساعدها على السرد. ولأن هذا النص المسرحي يتطلب جريان أكثر من حدث على المسرح في وقت واحد، فلجأت المخرجة إلى استعمال شاشة إسقاط فيديو لكي تنبه المتلقي للأحداث التي تجري بالتوازي على خشبة المسرح، والتي ترغب المخرجة، وحسب ضرورات النص، أن تنبه إليها وعي المتفرج.

للوهلة الأولى يبدو نص بريشت وكأنه يدين طقوس الأعراس، وحفلات الزفاف، ولكن مع التمعن في قراءته يقودنا إلى تأويله كنص يدين مفهوم الزواج، وربما الأسرة أيضاً. فالشخصيات التسعة في المسرحية، بإستثناء صديق العريس، هم عبارة عن ثنائيات زوجية من أطوار مختلفة من العمر: "الأب والأم" الثنائي الأكبر عمراً، "الرجل والمرأة" وهم ثنائي زوجي قديم، "العريس والعروس" وهما الثنائي المتكون حديثاً، "أخت العروس والشاب جوزيف" وهما ثنائي على طريق الارتباط، تجري بينهما مداعبات ومشهد جنسي أثناء حفل الزفاف. يحرص بريشت على إضاءة الخلل الذي يصيب علاقات العشق حالما تتحول إلى علاقات زوجية

.

حكايات الأب غير المحتملة

يبدأ عرض الزفاف على طاولة مليئة بالطعام والشراب احتفالاً بزفاف العروسين، جميعنا يعرف تلك الحكايات التي يشرع والد العروس أو العريس بروايتها أثناء حفلات الزفاف. حكايات الأب تخلو من المعنى، ليست سوى قصص مكررة يعلّق المعازيم بأنها هامة وممتعة. وهذا ما يجري في الأحداث الأولى للمسرحية، فالأب (محمد عقيل) يشرع بحكايات سخيفة عن حادثة تشردق أحدهم بحسك السمك، وحكاية عن سيفون التواليت، لتنتهي هذه الحكايات دون معنى، ورغم ذلك يضحك المعازيم نفاقاً، ويردد الحاضرون: "قصة رائعة، أسلوبه رائع"، بينما الجميع يعرف أن هذه الحكايات بلا قيمة. لكن الأب سيقول في نهاية المسرحية: "أروي الحكايات التي لا تهم أحداً، كي أدرأ حدوث مشكلات أثناء الحفل"، اعتراف واضح على أن ترك المجال للحكايات الحقيقية، بدلاً من الحكايات التي لاتهم أحداً، سيؤدي إلى انهيار العلاقات الاجتماعية وبروز الخلافات العائلية على السطح.

تعرية طقوس الأعراس، وإدانة المؤسسة الزوجية في مسرحية "عرس البرجوازي الصغير" تأليف بريشت وإخراج كارولين حاتم، في واحد من أضخم الإنتاجات المسرحية اللبنانية هذا العام

للوهلة الأولى يبدو نص بريشت "عرس البرجوازي الصغير" وكأنه يدين طقوس الأعراس وحفلات الزفاف، ولكن مع التمعن في قراءته كما قدمتها المخرجة كارولين حاتم، يبدو نصّاً يدين مفهوم الزواج، وربما الأسرة أيضاً

البحث عن الأم في الزوجة

تحاول الأم على الدوام تخليص الحضور من حكايات الأب التي لا تقدرها، فتحول الأم الحديث دوماً حول الطعام والأطباق الحاضرة على الطاولة وكيفية تحضيرها. هنا تظهر أزمة بين هذين الزوجين العتيقين، الأم لا تحتمل حكايات الأب، الأب لا يهتم بأطباق الأم. بالمقابل، فإن العريس يشيد بأطباق أمه وأسلوبها في الطبخ، وحين تبدي العروس أيضاً إعجابها وتطلب من الحماة تعليمها أصول صنع الأطباق، يقول العريس لأمه، عن زوجته: "في حياتها لن تصل إلى مستواك في الطبخ".

المقارنة بين الحماة والعروس عادة جارية عند كل زواج جديد، ومع كل أنثى جديدة تدخل العائلة. وفي الصور التي تجمع العائلة يقترب العريس (محمد دايخ) ويحضن والدته بأكثر مما يحضن عروسه ويقبل يديها. إنها عقدة البحث عن الأم في أية زوجة، عقدة معروفة وشائعة في الثقافة العربية وتم التنظير لها، بدءاً من علم النفس إلى دراسة السلوكيات العائلية.

ولكن ماذا عن الأم ومشاعرها الداخلية؟ في أحد مشاهد المسرحية تنزوي الأم (ماغي بلابان) خلف حاجز زجاجي عند طرف الخشبة المسرحية، لتقوم بأداء حركي مصمم ليوحي للمشاهد بمقدار الإنهاك الذي تشعر به، تحاول الوقوف لكنها ما تلبث أن تقع أرضاً، تستند إلى الحاجز الزجاجي وتنزلق مجدداً إلى الأرض. أداء حركي مصمم بدقة للتعبير عن عذابات الأم، وفي الثلث الأخير من المسرحية، تؤدي أخت العروس الأصغر (أنجلينا سركسيان)، نفس الحركات الأدائية التي قدمتها أمها، وهو تعبير عن انتقال عذابات المرأة بين الأم، العروس، وأخت العروس الصغيرة. إن المرأة بكل تنويعات هويتها منذورة لمصير متماثل في هذه الثقافات، مكرس عبر الأجيال.

الأثاث المتوارث عائلياً، أغراض الموتى للأحياء

في نصه "العرس" يركز بريشت على توارث الأثاث بين الأجيال. الأب يحتفظ للعروس والعريس بسريرين جيدين لكنهما شهدا موت الأخوال والخالات عليهما، هما سريران قيّمان كونهما يتوارثان عبر الأجيال، لكن هل حقاً يمكن النوم على سرير شهد موت أفراد سابقين من العائلة؟ لذلك في حكاية المسرحية، يصر العريس على تصميم وتنفيذ وتلصيق عفش المنزل بمفرده، هو يفخر طيلة الحفل بأنه قام بكل ذلك وحده، لكن عفش المنزل يبدأ بالانهيار شيئاً فشيئاً أثناء أحداث المسرحية، يكسر باب الخزانة، تنهار قدم الطاولة، تتساقط الكراسي واحدة تلو الأخرى، وتفقد كنبة التلفاز ساقيها. هو إشارة إلى عدم قدرة العريس على تأهيل عش الزوجية، بينما تتابع الأنخاب والمقولات والكليشيهات التأكيد على قدرة الزوج على فتح بيت الزوجية، حسب الكليشيهات التي تتردد في كل حفلة عرس، كما سنرى تالياً.

كليشيهات كتاب الأعراس

شخصية الشاب (جوزيف عقيقي) هي التي تهم بإلقاء خطبة التهنئة التي تتم في كل حفل زفاف، إنها كليشيهات لغوية مأخوذة من الصفحة 85 من كتاب الأعراس حسب اعترافه لاحقاً، عبارات تبجل لقاء العريس بالعروس، وترسم مثاليات عواطفهما وتبشرهما بالمستقبل الباهر. فغالباً في هذا النوع من الخطب وكلمات التهنئة تتكرر مفردات مثل: "إنه دخول شاب وشابة عش الزوجية، العروس الطاهرة والعريس الذي أنضجته أعاصير الحياة، أسس عش الزوجية ليعيش فيه مع من اختارها قلبه في السراء والضراء"، بينما نجد الخلافات ممتدة بين العروس والعريس منذ سهرة الحفل، ويتابع: "هذان الإنسانان اليوم، ولأول مرة، سيصبح أحدهما الآخر"، بينما تنطق هذه الكلمات من كتاب الأعراس يستعرض لنا بريشت على المسرح، أزمات ثنائيات الأزواج الأقدم، والذين سئموا من كثرة التضحيات الفردية والذاتية لأجل استمرارية العلاقة. فكرة أن العروس والعريس سيصبحان واحداً منقوضة من خلال مجريات المسرحية، فمثال الأزواج السابقين حاضر، وقد نسي كل منهما شخصيته الماضية وتحول عبداً أمام رغبات الآخر، في عجز تام عن التفاهم وعدم القدرة على رسم علاقة تواصل تحترم ذاتية كل منهما.

ما قبل الزواج، وما بعده

المرأة المتزوجة (يارا أبو حيدر) وزوجها (حسن حيدر) هما نموذج الثنائي الذي تزوج قديماً، لا يعيشان فقط حالة من انعدام التواصل، بل يحضر تواصل كيدي وعنفي بينهما، كل منهما سئم الآخر، وطيلة المسرحية تجري بينهما حالات قمع وإغاظة وإساءة تصل حد العنف. إنهما نموذج عن ثنائي تغيرت شخصياتهما بعد الزواج عما كانتا عليه سابقاً، تقول المرأة: "في الماضي كان دائماً يعزف. ولكن منذ زواجنا تخلى عن العزف. إنه يضجرني لكثرة ما يتخلى عن الأمور الحميمة. في السابق كان يحفظ الأغاني، ثم نسي معظمها، وبالتدريج تراجعت قدرته على عزفها، فأصبح غالباً ما يتوقف ولا يستطيع أن يكمل، وكأنه يتآكل من الداخل"، بينما يقول الزوج بأن زوجته تكره ما يحب، وتحب ما يكره، تخلصت من اللوحات التي يحبها في المنزل، ويبين أنه ضاق ذرعاً بالتضحيات لأجل استمرارية العلاقة، كما أن زوجته على الدوام تبرع بلعب دور الضحية، فالدموع حاضرة في أي نقاش يجري بينهما: "هي الضحية دوماً وأنا القاسي، هكذا نعيش الوضع لسبع سنوات"، هي عبارات نمطية معروفة وشائعة في علاقات الزواج التي استمرت طويلاً. هنا تظهر إدانة بريشت بوضوح للعلاقات الزوجية، يقول الزوج: "بدءاً من ليلة العرس لا يعود واحدنا حيواناً في خدمة سيده، بل إنساناً يخدم حيواناً، وهذا ما يؤدي بواحدنا إلى الانحدار حتى يصبح أهلاً لما وصل إليه".

الرقص في حفلات الزفاف

الرقص هو جزء من أية حفلة زفاف، وكذلك الحال في نص ومسرحية الزفاف، يستعمل بريشت الرقص ليكشف عن الشهوة والغيرة بين الشخصيات، وعن زيف تحرر الجسد في حفلات الأعراس. في الرقصة الأولى تتهم المرأة زوجها بالتقرب من أخت العروس الصغيرة، المرأة بدورها تحاول إغراء صديق العريس، وهكذا دواليك. في الرقصة الثانية، يتهم العريس العروس بأن أداءها كان إباحياً وعاهراً، وتقول العروس (جيسي خليل): "أكان يجب عليك أن تبدأ الرقص مع تلك الساقطة السافلة التي لم أعرفها حتى اليوم والتي كنت أظن أنها صديقتي، متجاهلاً كل التقاليد؟ يا للعار!‏". هذا هو نوع الأحاديث التي نسمعها بين الأزواج والثنائيات بعد انتهاء حفلات الزفاف، وطقوس الرقص فيها، وهنا يستعملها بريشت ببراعة ليؤشر أن الغيرة تبقى الحاكم للعلاقات الثنائية، وأن تحرر الجسد واستقلاليته بين المتزوجين ليس إلا وهماً لا يصمد أمام أول اختبار.

ادعاء العفة والبراءة الجنسية

تحظر الأحاديث الإباحية في الأعراس، وخصوصاً عن الجنس الذي سيجري بين العروس والعريس. مثلاً، يحوّر الأب الكلمات البذيئة في حكايته، بينما تمارس أخت العروس الصغرى الجنس مع الشاب جوزيف المدعو الجديد بين أفراد العائلة. لكن أكثر ما يكون وضوحاً حيال هذه الموضوع، هي قصيدة يلقيها صديق العريس (إيهاب شعبان)، القصيدة تروي عن العفة والطهارة الذي يتوقع العريس من العروس وبالعكس، لدرجة أن أحدهما لا يتقرب من الآخر في ليلة الدخلة، أي في الفعل الجنسي اللاحق للحفل، ويصل الأمر بأن يلجأ العريس إلى عاهرة لممارسة الجنس، بينما تغوي العروس شاباً فتياً ليعاملها كعاهرة ويطفأ شهواتها. هي قصيدة عن رياء العفة بين المتزوجين، وإلى أي مدى قد يصل إدعاء البراءة بين المتزوجين حديثاً.

في نهاية المسرحية، يخسر العريس صديقه، وتخسر العروس صديقتها، يخرج الأب والأم شبه مطرودين، بينما تتعرى علاقات الثنائيات الزوجية الأخرى أمام محك التواصل مع الآخرين. عرض الزفاف إخراج كارولين حاتم، مخلص لنص بريشت، ما سمح له بتمرير مضمون النص البريشتي إلى الجمهور المسرحي بدقة، مع مجموعة من الممثلين بأداء رصين وتفهم عميق لطبيعة الشخصيات وطبيعة النص. كما وظفت المخرجة وسائط متعددة في السرد، منها الإسقاط الضوئي والأداء الحركي، والأهم القدرة على تمرير عدة أحداث على المسرح بالتوازي، ما منح العرض حيوية وإيقاعاً مكثفاً يجذب اهتمام المتلقي ويثير لديه قدرة التأويل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard