بعد حبس الأب والأم احتياطياً... أطفال مصريون ينتظرون "رحمة" السلطة

الاثنين 9 ديسمبر 201904:12 م

تحمل حالات الاعتقال في مصر الكثير من القصص والحكايات الإنسانية. في حالات عدّة، يمكث الأب والأم بين جدران السجن تاركين أطفالاً بعمر الزهور في الخارج، لا يعلمون عن مصيرهم شيئاً.

صرخات تطلب الرحمة أطلقها مؤخراً أقرباء الآباء والأمهات المعتقلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ليست لديهم أية طلبات سوى ضرورة الإفراج عن الأب أو الأم من أجل أطفالهم.

خالد وهمس وهيا أبناء صحافيين يواجهون المجهول بعدما تم إلقاء القبض على الأب والأم خلال الفترة الماضية وحبسهم احتياطياً على ذمة قضايا سياسية.

ورغم اختلاف قصة أسرتي الأطفال الثلاثة إلا إنهما تتشابهان في النهاية والمصير، فالانتظار هو حال الأطفال، وسط أسئلة تلاحق أفراد العائلة والأصدقاء عن موعد عودتهما.

"يا تيتة أنا خايف"

في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، ألقي القبض على الصحافيين سلافة مجدي وحسام الصياد من مقهى في منطقة الدقي في محافظة الجيزة، وأخفيا قسراً لمدة 24 ساعة قبل عرضهما على نيابة أمن الدولة العليا، ثم صدر بحقهما حكم بالحبس الاحتياطي لمدة 15 يوماً، على ذمة التحقيقات في القضية التي تحمل رقم 488 لسنة 2019، بتهمة نشر أخبار كاذبة والمشاركة في أنشطة جماعة إرهابية.

سُلافة وحسام لديهما طفل في السابعة من عمره لا يعلم حتى الآن أن أبويه ألقي القبض عليهما. أخبرته جدته لوالدته، والتي يقيم معها الآن، أنهما سافرا في رحلة عمل ولا تعلم بموعد عودتهما.

تحكي سندس، شقيقة الصحافية سلافة مجدي، أن "خالد لا يعرف حتى الآن ماذا حصل لوالديه. يسأل جدته عنهما ويستغرب الإجابة بأنهما مسافرين، لأن أمه عندما تسافر تتصل به عدة مرات يومياً".

وأضافت لرصيف22: "قبل يومين، كان يقوم بالرسم والتلوين. وجدته يأتيني بورقة ويقول لي: ‘صوريها وابعتيها لماما’. خالد لا يعرف ماذا جرى ولكنه يشعر بأنه ‘فيه حاجة غلط’، والبارحة ليلاً قال لأمي ‘يا تيتة أنا خايف. ما تيجي نقوم نقفل الباب بالمفتاح’".

وتابعت شقيقة الصحافية حديثها: "تقدّم محامو شقيقتي بطلب للنائب العام بضرورة الإفراج عنها من أجل طفلها خالد، ولا زلنا في انتظار رد النيابة".

وتعلّق سندس: "لا أصدّق ما حدث لشقيقتي سلافة وزوجها حسام بسبب فقط دفاعهم عن صديقتهم إسراء عبد الفتاح التي تعرّضت للتعذيب والحبس بدون سبب. ليس معقولاً أن يتم اتهام سلافة الصحافية الناجحة والتي عملت في الكثير من الوكالات العالمية بمشاركتها لجماعات إرهابية".

وتمنّت الأخت أن يتم قبول طلبهم الذي تقدموا به للنيابة وأن يتم الإفراج عن شقيقتها وزوجها في أسرع وقت من أجل طفلهم الذي بات يسأل عنهم في كل وقت".

على صعيد آخر، أشار المحامي نبيه الجندي إلى أن سلافة مجدي تعرّضت أثناء فترة احتجازها لضرب وسباب، بالإضافة إلى استيلاء قوات الأمن على سيارتها وهاتفها المحمول، ومن ثم أودعت في سجن القناطر.

وسلافة مجدي صحافية مصرية لها العديد من التقارير المصورة والمنشورة في عدة مواقع ووكالات عالمية، وأسست هي وزوجها المصور الصحافي حسام الصياد مدرسة لتعليم فن التصورير للصحافيين المصريين عام 2017، واختيرت عام 2019 للمشاركة في برنامج "رهام الفرا للزمالة الصحافية" لتكون الصحافية العربية الوحيدة وسط 15 صحافياً حول العالم تم اخيارهم لتغطية أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

"بناتي أمانة في رقبتكم"

لا تختلف قصة سلافة وحسام كثيراً عما حدث للصحافيين آية علاء وحسن القباني المحبوسين احتياطياً على ذمم قضايا أبعدتهما عن طفلتيهما الكبرى همس (8 سنوات) والصغرى هيا (6 سنوات).

لكن تجربة الطفلتين همس وهيا كانت أكثر صعوبة. ففي حزيران/ يونيو الماضي، ألقي القبض على والدتهما الصحافية آية علاء، أثناء تغطيتها مراسم العزاء بالرئيس الأسبق محمد مرسي. وقبل مرور ثلاثة أشهر على ذلك، وبالتحديد في أيلول/ سبتمبر، اختفى والدهما الصحافي حسن القباني أثناء تأديته التدابير الاحترازية في أحد أقسام الشرطة، وظل 70 يوماً في حالة إخفاء قسري حتى أعلن حسين القباني عن ظهور شقيقه والتحقيق معه في قضية جديده في إحدى نيابات أمن الدولة العليا، وأصبح الأب والأم محبوسين احتياطياً على ذمم قضايا تحمل الكثير من التهم من بينها نشر أخبار كاذبة.

وكان قد أخلي سبيل حسن القباني قبل فترة من اعتقاله مجدداً، بعد قضائه ثلاث سنوات في الحبس الاحتياطي على ذمة قضية أخرى، بإجراءات احترازية دون إحالة للمحكمة.

وفي الرابع من كانون الأول/ ديسمبر، نشر المحامي خالد علي رسالة قصيرة أرسلها الصحافي المعتقل حسن القباني عبر صفحته على فيسبوك جاء فيها: "النهاردة قابلت حسن القبانى في نيابة أمن الدولة، قال لي عايز أحملك رسالة تقولها لكل الناس، بناتي أمانة فى رقبتكم، حافظوا عليهم لحد ما أخرج أنا وأمهم من السجن، وربنا يرفع عنا هذا الظلم".

في حالات عدّة، يمكث الأب والأم بين جدران السجون المصرية تاركين أطفالاً بعمر الزهور في الخارج... صرخات تطلب الرحمة أطلقها مؤخراً أقرباء المعتقلين. ليست لديهم أية طلبات سوى ضرورة الإفراج عن أحدهما من أجل الأطفال
"معرفة الطفل بما يمر به والده أو والدته من حبس وتنكيل يساهم بشكل كبير في تنمية غريزة الانتقام والعداء للمجتمع والدولة لديه"... أطفال مصريون يعيشون بعيداً عن الأب والأم المسجونيْن

وأشار حسين، شقيق الصحافي المعتقل، إلى أن والدته وأخته أتيتا من محل إقامتهما من محافظة دمياط التي تقع شمال مصر إلى منطقة 6 أكتوبر في محافظة القاهرة لرعاية أبناء حسن وآية أثناء فترة احتجازهما، مضيفاً لرصيف22 أن "العائلة تكفلت بكل ما يخص الطفلتين ولا ينقصهما سوى الأمان المفقود مع غياب الأب والأم".

وأكد على تواصله المستمر مع بعض الجهات من أجل الضغط للإفراج عن شقيقه وزوجته ومن ضمن تلك الجهات المجلس القومي لحقوق الإنسان ومجلس نقابة الصحافيين وبعض من الشخصيات العامة.

"قبضة أمنية عسيرة"

من جانبه، قال عمرو بدر، مسؤول لجنة الحريات في مجلس نقابة الصحافيين، لرصيف22 "إن النقابة قامت بتقديم عدة طلبات للنائب العام تطالب بضرورة الإفراج عن حسن القباني وسلافة مجدي وحسام الصياد من أجل أطفالهم".

وأشار إلى محادثات واتصالات بالجهات الأمنية قام بها نقيب الصحافيين ضياء رشوان في ما يخص الصحافي حسام الصياد وزوجته سلافة مجدي، وحصل النقيب على بعض الوعود بأن فترة حبسهما لن تطول وأنه سيتم الإفراج عنهما قريباً، متمنياً "أن تكون تلك الوعود حقيقة وصادقة من أجل مصلحة الأطفال وحقهم في حياة هادئة وآمنة".

وأضاف أن ما يحدث للصحافيين الزوجين سلافة وحسام وأيضاً حسن وآية ليس بمنأى عما تمرّ به الجماعة الصحافية في مصر خلال السنوات الماضية من "قبضة أمنية عسيرة"، متمنياً أن تنتهي قريباً.

من ناحية أخرى، قام المحامي نبيه الجندي بتقديم طلب للنيابة بإطلاق سراح الصحافيين حسام الصياد وزوجته سلافة مجدي أو أحدهما من أجل رعاية طفلهما الصغير، وذلك استناداً إلى مواد قانون الطفل المصري وخاصة الفقرة (أ) من المادة الـ3 والتي تنص على "حق الطفل في الحياة والبقاء والنمو في كنف أسرة متماسكة ومتضامنة وفي التمتع بمختلف التدابير الوقائية، وحمايته من كافة أشكال العنف والضرر أو الإساءة البدنية أو المعنوية أو الإهمال أو التقصير أو غير ذلك من أشكال إساءة المعاملة أو الاستغلال".

وتؤكد المادة الأولى من القانون نفسه على ضرورة أن تكفل الدولة حماية الطفولة والأمومة لتنشئة الأطفال تنشئة صحيحة من كافة النواحي "في إطار من الحرية والكرامة الإنسانية".

نواب في البرلمان الأوروبي يتضامنون مع المدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين في مصر، ويدعون إلى إطلاق سراحهم.

وأكد محامي الصحافيين لرصيف22 أن الأسرة وهيئة الدفاع لا زالا في انتظار رد النيابة على هذا الطلب.

وأشارت المحامية فاطمة سراج، وهي أحد أعضاء هيئة الدفاع عن مجدي والصياد، إلى أن القانون يجيز إخلاء سبيل الزوج أو الزوجة من أجل مصلحة الطفل الفضلى، وفقاً للمادة 488 من قانون الإجراءات الجنائية 150 لسنة 1950 وتعديلاته والتي تنص على أنه "إذا كان محكوماً على الرجل وزوجته بالحبس مدة لا تزيد على سنة ولو على جرائم مختلفة ولم يكونا مسجونين من قبل، جاز تأجيل تنفيذ العقوبات على أحدهما حتى يفرج عن الآخر، وكذلك إذا كانا يكفلان صغيراً، لم يتجاوز 15 سنة، وكان لهما محل إقامة معروف بمصر".

آثار سلبية بالغة الصعوبة

يؤكد الاستشاري في مجال حماية الطفل إسلام جابر لرصيف22 أن حبس الوالدين وحرمان الأطفال منهما له آثار سلبية بالغة الصعوبة، إذ أن الطفل يمرّ بعدة مراحل من الضرر بسبب غياب الأب أو الأم أو كليهما وخصوصاً إذا علم بما تعرّضا له.

ويشير إلى أنه في حالة معرفة الطفل بسجن والديه أو أحدهما، يتعرض لضرر مباشر وآخر غير مباشر، فالنوع الأول من الضرر هو ضرر مرور الطفل بأزمة نفسية تبدأ بصدمة الفقد والفزع ومن ثم الغضب ثم الاكتئاب، والعديد من الأمراض النفسية الأخرى التي تؤثر سلباً على مستقبله، أما النوع الثاني فهو أنه من الممكن أن يتعرض لخطر التنمر من المجتمع.

وأكد جابر أن "معرفة الطفل بما يمر به والده أو والدته من حبس وتنكيل يساهم بشكل كبير في تنمية غريزة الانتقام والعداء للمجتمع والدولة لديه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard