كيف خذل اليسار التونسيين؟

الجمعة 6 ديسمبر 201911:15 ص

يتغيب اليسار التونسي عن المشهد السياسي في البلاد لخمس سنوات قادمة، بعد الهزيمة المذلة التي لحقت به في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة. خارطة سياسية جديدة تنطلق في تونس دون قوى اليسار، رغم ارتفاع نسق المطالب الاجتماعية والحقوقية التي كان هذا التيار لعقود صوتها الأعلى. وضع راهن يبعث على التساؤل: لماذا انهار اليسار الآن في ذروة تطلع الشعب لنيل حقوقه الاجتماعية؟ لماذا لم تصل أصواتهم إلى آذان وأذهان الشباب؟ هل أساء اليسار تقدير الواقع والمتغيرات، وظل وفياً لأطروحات لم تعد سارية المفعول، أمام متغيرات كبيرة تطال كل شيء في أوقات قياسية؟ ربما تضافرت كل هذه المعطيات مرة واحدة فجعلت النتيجة مدوية، وربما صادمة، للحد الذي يجعلنا نعتقد أنها ستكون كفيلة بإعادة تشكيل وبلورة فكر اليسار التونسي في المرحلة القادمة، إذا ما أراد العودة للحياة السياسية.

كانت هزيمة اليسار منتظرة، نظراً للانقسامات العميقة التي أخذت منحى تصاعدياً داخل العائلة الموسعة لهذا التيار، المتمثلة في "الجبهة الشعبية"

كانت هزيمة اليسار منتظرة، نظراً للانقسامات العميقة التي أخذت منحى تصاعدياً داخل العائلة الموسعة لهذا التيار، المتمثلة في "الجبهة الشعبية" (تجمع تنضوي داخله الأحزاب اليسارية في تونس)، ولكن الانهيار الذي حدث كان بمثابة الفاجعة. لا تمثيل برلماني لعائلة اليسار إلا بصوت وحيد، لا حول له ولا قوة داخل البرلمان، في مشهد بدد آمال الكثيرين بمشاركة قوية لقوى اليسار في الحياة السياسية بعد الثورة.

تأسست الجبهة الشعبية في السابع من أكتوبر 2012، في غمرة النشوة الكبرى التي تلت ثورة يناير 2011، عندما التقت الأحزاب اليسارية والقومية على جملة من المضامين الاقتصادية والسياسية، ورجح الكثيرون أن البلاد تعيش على وقع ميلاد مشروع سياسي هو الأكثر التصاقاً بمضامين الثورة وأهدافها.

لكن الرهان فقد بريقه تدريجياً في ظل ارتباك أحزاب اليسار وإهمالها للشقوق التي كانت نوافذ لخلافات كبيرة عصفت بالمشروع في مراحل لاحقة. وبهذا خذل اليسار التونسيين وأذنب بحقهم، وفوت على نفسه فرصة أن يكون القوى الحاكمة الأبرز في البلاد.

فعندما قامت الثورة لم يكن للإسلاميين وجود في الساحات الكبرى، كانت قيادات اليسار التي ناضلت تحت أجنحة الظلام أيام حكم بن علي، في الواجهة، ولم تكن شعارات الشباب تصرخ "بالتكبير" ولا بغيرها من خطب الإسلاميين، كانت تنادي بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، أي شعارات اليسار التقليدية.

لقد كان الشباب، خاصة يساريي الأهواء والفكر، دون ترتيب مسبق، وكان بمقدور قوى اليسار آنذاك الأخذ بيدهم والبقاء معهم على نفس المسافة والأرضية، لتكتمل الصورة وتبلور الآمال المشتركة على أرض الواقع. كان في مقدور المتابع لما يجري أن يجزم آنذاك، أن اليسار التونسي هو سيد المرحلة القادمة، لكن يبدو أن التجارب الطويلة والمحطات الفاشلة والمضيئة لهذا التيار كانت غير كافية لجعله يتمثل ويفهم ما يحدث.

وفي هذه اللحظة، أي لحظة الانتصار على الطاغية، أصيب اليسار بالغرور، وسرعان ما شيّد أبراجاً عاجية يجول داخلها بانبهار، دون أن يدرك أنه قد أفلت اليد التي ستحمله إلى بر الأمان، يد الشعب.

كان يمني النفس بأن الشعب سيصعد السلالم ويطرق أبراجه ويصلي عند قدميه اعترافاً منه بأنه كان طرفاً هاماً في الخلاص من الطاغية، ويتوسل له أن يأخذه إلى بر الأمان، وهذا ما لم يحدث حتماً.

في تلك الأثناء، كان الإسلاميون أكثر فهماً لمجريات الأحداث، فاقتبسوا المطالب الاجتماعية والحقوقية التي رفعت أيام الثورة، وأضفوا عليها مسحة دينية، وعوضاً عن الجلوس في مكاتبهم نزلوا يدقون أبواب الشعب، مطمئنين إياهم أنهم سيكونون البديل المنشود المخلص ومنارة العهد الجديد. انبهر الشعب وهلل لقدوم هذا الطارق، كيف لا وهو الذي لم يجرب إلّا الحاكم الجائر القمعي، فيستفيق فجأة ليجد السياسي عند بابه يستجديه لخدمته.

كان اليسار يرى ذلك، ولكنه أصر على المكابرة ورفض تعديل أفكاره ومُثُله أو مراجعة قراءته لمجريات الأحداث بعد رحيل بن علي، لم يجرب حتى الإنصات لرؤى شبابه المنضوي داخله.

كانت الأسماء الكبيرة، وتحديداً التي تتمتع بتاريخ نضالي مشرف وبعمر متقدم، تستأثر بالتفكير والقرار، جيل قديم بتصورات كلاسيكية راسخة ثابتة لا تتغير، تمسك بزمام الأمور وتخيل إليها أنها تقدّر الواقع جيداً، وتكتفي بالسخرية من تحركات منافسيها.

وفي لحظة الانتصار على الطاغية، أصيب اليسار بالغرور، وسرعان ما شيّد أبراجاً عاجية يجول داخلها بانبهار، دون أن يدرك أنه قد أفلت اليد التي ستحمله إلى بر الأمان، يد الشعب

قد نتفق مع اليساريين في أن الاسلاميين كانوا كاذبين بوعودهم، ومازالوا، ولكن لا يمكن أن ننكر، على الأقل في تلك الفترة، أن التونسي المنتشي بالمرحلة الجديدة كان يستسيغ ويتقبل أكثر من يقترب منه، من يشعره، ولو كذباً، أنه جاء للإنصات له

قد نتفق مع اليساريين في أن الاسلاميين كانوا كاذبين بوعودهم، ومازالوا، ولكن لا يمكن أن ننكر، على الأقل في تلك الفترة، أن التونسي المنتشي بالمرحلة الجديدة كان يستسيغ ويتقبل أكثر من يقترب منه، من يشعره، ولو كذباً، أنه جاء للإنصات له.

لقد أشعر موقف اليسار المتعالي الناس بأنهم جماعة نخبوية لا تستطيع مخاطبتهم، ولا تملك مجرد القدرة على الكلام بنفس لغتهم، وتدريجياً أصبحت الفجوة بينهما عميقة، ورغم ذلك لم تستشعر قوى اليسار الخطر، وحافظت على ذات النهج حتى حلت بهم الهزيمة المدوية الصادمة.

اليوم تتصاعد المطالب الاجتماعية في تونس بعد فشل الحكومات السابقة (تتصدرها حركة النهضة الإسلامية) في تحقيق الأهداف التي نشدها الجميع بعد الثورة، بالتزامن مع غياب قوى اليسار عن سدة الحكم.

لقد أبعد التخبط والخلافات التي طفت على السطح اليسار التونسي عن الحياة السياسية لخمس سنوات قادمة، مبدداً بذلك فرصة جلوسه على الأقل كمعارضة فاعلة

مشهد يبعث على الدهشة، إذا ما أدركنا أن هذا التيار كان، حتى وقت قريب، الأكثر التصاقاً بهذه المطالب وبأصحابها، بل والمدافع عنها، ولكنه يزيد اليقين بأن هذا التيار أساء قراءة الواقع، وكرّس نظماً وأفكاراً عتيقة لم تخرج من دائرة القاموس الماركسي، أمام ظرفية جديدة كانت تستدعي طروحات راهنة حديثة، تحاكي وتنسجم فعلياً مع ما يطلبه الشعب وخاصة الشباب.

لقد أبعد التخبط والخلافات التي طفت على السطح اليسار التونسي عن الحياة السياسية لخمس سنوات قادمة، مبدداً بذلك فرصة جلوسه على الأقل كمعارضة فاعلة، وفسح المجال أمام حركة النهضة، وأحزاب خلقت من رحمها وأخرى من رحم المطالب الاجتماعية، للاستفراد بالحكم.

وأدت أخطاء أحزاب اليسار وندوبها الكثيرة إلى إفراز خارطة سياسية جديدة مشوهة، لا سيما عندما وضعوا ثقلهم من أجل استحقاق رئاسي غايته إرضاء نرجسية بعض الأسماء لا غير، وأهملوا التشريعية، رغم ثقلها ووزنها في عملية الحكم.

خرجت القيادات اليسارية التي اندفعت للانتخابات الرئاسية بخسارة كبيرة، أعقبتها خسارة أكبر في التشريعية، أسعدت حركة النهضة الإسلامية التي تدرك حجم انتصارها، في ظل غياب تيار سياسي بثقل اليسار الذي كان بمثابة الشوكة التي تقف أمامها لدى أي محاولة منها الحياد عن المشهد الاجتماعي والثقافي للتونسيين.

ولهذا، وفي حال إقدام الإسلاميين على القيام بأي منعرج من شأنه المساس بثوابت التونسيين، فإن ذنب اليسار سيكون مضاعفاً، لأنه بدد بعناده فرصة أن يكون للشعب قوى معارضة حقيقية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard