أهمية كسر وصمة العار حول الانتحار… وهل تفعل الحكومة المصرية ما يجب فعلاً؟

الأربعاء 4 ديسمبر 201906:30 م

الحديث عن الانتحار واحد من أكثر الموضوعات حساسية، لتعدد أسبابه، وتشابك دوافعه، وتبدو صعوبة الحديث عنه جلية، عندما نُدرك أننا رُبما لن نتمكن من معرفة جميع الأسباب التي تدفع المرء إليه.

من دواعي الأسف أن مأساة الانتحار باتت أكثر انتشاراً من ذي قبل، إذ أشار تقرير أعدته منظمة الصحة العالمية، في أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى أن شخصاً واحداً ينتحر كل 40 ثانية في العالم.

وحتى كتابة هذه السطور، لا تزال مواقع التواصل الاجتماعي تضج بأخبار المنتحرين في العالم العربي، من لبنان إلى المغرب مروراً بمصر.

لكن مصر تتصدر قائمة الدول العربية من حيث وفرة أعداد المنتحرين، ففي عام 2016، شهدت 3799 حالة انتحار، 3095 من الرجال و 704 من النساء.

ورغم الإحصاءات الصادمة، فإن الموضوع لم يحظ بالمناقشة الكافية، حسب تقدير منظمة الصحة العالمية.

تفضل الحكومة المصرية  دائماً دفن رأسها في الرمالِ كالنعام، لتقول للعالم إن وتيرة الحياة في مصر بخير.

وعليه، قررتُ الكتابة عن الانتحار، مُتبعاً نصائح وكالة الأسوشيتدبرس الصحافية، والإرشادات التي أشارت إليها منظمة الصحة العالمية في تغطية المواضيع المتعلقة بالانتحار.

وشهدت مصر على مدار اليومين الماضيين، ثلاث حالات انتحار إذ ألقى أحدهم بنفسه من أعلى برج القاهرة، ورمى الآخر نفسه تحت عجلات المترو، وألقى ثالثٌ بنفسهِ في نهر النيل.

وقد وقعت بعض المواقع الصحافية المصرية في سقطة مهنية فادحة عندما أذاعت فيديو يُظهر عملية الانتحار من أعلى برج القاهرة، إذ ذاك هيمنت حالةٌ غير مسبوقة من الحزن على رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي شجع كثيرين على التعبير عن تعرضهم للاكتئاب، وظهرت مبادرات تُشجع على ثقافة البوح والعزوف عن العزلة.

وهو الأمرُ الذي أجدهُ صحياً في مجتمع يتبنى مفهوماً مشوهاً عن طبيعة المرض النفسي، حتى أن بعضنا لا يزال يراهُ وصمة عار. ورغم التنافر في الآراء حول كيفية التعامل مع فكرة الانتحار، فإنن البدء بالحديث علناً يعني كسر "وصمة العار"، وربما نخطو أولى خطواتنا نحو حل حقيقي لمكافحة تلك الظاهرة.

تقول المنظمة البريطانية "ريثنك يو كيه" المعنية بالصحة النفسية: "لا توجد طريقةٌ صحيحة أو خاطئة للحديث عن مشاعر الانتحار، إذ لا يمكنك جعل الموقف أكثر سوءاً، لأنه أسوأ ما يكون".

قد تختلفُ دوافع المنتحرين، إلا أن رؤيتهم للفكرة باعتبارها مخرجاً تبقى ثابتة، إذ يستبد اليأس بالمنتحر حتى يذهب إلى أكثر السبل سلبيةً للخلاص مما يواجهه من صعوبات.

هل يبلغ المنتحر حقاً مرحلة اللاعودة؟

يقول مختصون في علم النفس أن معظم المنتحرين لا يكونون متأكدين بنسبة 100% مما يقدمون على فعله، لأن بعضهم يرغب في إنهاء الحياة، بينما يعتقد جزء آخر بأن هناك أملاً، هذا الصراعُ تولده حالةُ اليأس التي تُسيطر على المريض الباحث عن مخرجٍ أو طريقة للتخلص من الألم الهائل الذي يشعر به.

أرى أن إحدى خطوات مكافحة ظاهرة الانتحار هي البدء بمناقشة الأمرِ علناً، والاعتراف بمدى خطورتهِ وانتشاره.

إن المأساة لا تتوقف عندما يلفظ المنتحر أنفاسهُ الأخيرة. على الأرجح تبدأ بموته. تقولُ دراسةٌ أمريكية إنّ كل شخصٍ يقتل نفسه يمكن أن يكون لذلك تأثيرٌ مباشر على ما يصل إلى 135 شخصاً آخرين.

وخلصت الدراسة التي نشرت العام الماضي إلى أن الانتحار يبدو فعلًا متطرفاً للغاية، وبالتالي يؤثر بشكلٍ متفرد على الأبناء والآباء، بالإضافة إلى أزواج الضحايا وأصدقائهم.

تقول منظمة الصحة العالمية إنه يمكن للحكومات فعل الكثير لمنع الانتحار، بينما لم يُعلق أي مسؤول في مصر على الأمر حتى الآن، ما عدا دار الإفتاء المصرية، التي أطلقت على فيسبوك حملة توعية ضد المرض النفسي، وإذ نُثمن مساهمتها، لكن هذا الدور ليس منوطاً بها، وأظن أن مساهمتها ربما لن تكون كافية للتعامل مع هذه الظاهرة.

لكن الحكومة المصرية تُفضل دائماً دفن رأسها في الرمالِ كالنعام، لتقول للعالم إن وتيرة الحياة في مصر بخير.

وجود دار الإفتاء المصرية في صدارة المشهد، يُفاقم الأزمة، ويُلقي بظلالٍ من القسوةِ والجهل على من يعيشونها. لأنها تقول رأيها في المريضِ استناداً للدين الإسلامي، مثل: "المنتحر واقع في كبيرة من عظائم الذنوب". أهكذا تريدون مكافحة الانتحار؟
في مصر، بعدما أغلقت منظمات المجتمع المدني، وانعدمت وسائل التعبير، وزادت أعداد المعتقلين، وضاعفت الحالة الاقتصادية أعداد الفقراء، وضاقت مساحات الرفض والاحتجاج وقلت المبادرات المجتمعية، لم يعد ممكناً التعويل على دور المجتمع الذي يُعاني حالةً من الخوف والتجهيل

كما أن وجود دار الإفتاء المصرية في صدارة المشهد المأسوي هذا، يُفاقم الأزمة، ويُلقي بظلالٍ من القسوةِ والجهل على من يعيشونها. لأنها تقول رأيها في المريضِ استناداً للدين الإسلامي، مثل: "المنتحر واقع في كبيرة من عظائم الذنوب" .

أهكذا تريدون مكافحة الانتحار؟ إن الله قد يغفر كل الذنوب، لكن الجهاز العصبي للمريض لا يغفر، بل يحاصره حتى يُميته.

ولا أفهم لماذا تتملص الحكومة من مسؤولياتها تجاه ضرورة مكافحة تلك الظاهرة.

عندما رصدت تقارير حقوقية وطبية ارتفاعاً في معدلات الانتحار في بريطانيا عام 2015، استنفرت الحكومة حتى جرى تعيين وزيرة لمكافحة الانتحار في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم.

وأستراليا على سبيل المثال، خصصت يوماً قومياً للاطمئنان على الآخرين، وهي مبادرة أطلقتها مؤسسة "آر يو أوكي" لدعم كل من يواجهون المصاعب من خلال التحدث إليهم.

والولايات المتحدة رصدت موازنة ضخمة ودشنت خطوط اتصال سريعة لمنع حالات الانتحار.

وثمة حلول أخرى تتمثل في وضع العقبات أمام المقدمين على الانتحار. فقد أشارت دراسة بريطانية إلى أن الحواجز التي أقيمت على جسر كليفتون المعلق في إنجلترا أسهمت في خفض عدد ضحايا القفز من أعلى الجسر بمقدار النصف.

وفي مصر، بعدما أغلقت منظمات المجتمع المدني، وانعدمت وسائل التعبير، وتجمد دور الأحزاب، وزادت أعداد المعتقلين، وضاعفت الحالة الاقتصادية أعداد الفقراء، وضاقت مساحات الرفض والاحتجاج وقلت المبادرات المجتمعية، لم يعد ممكناً التعويل على دور المجتمع الذي يُعاني حالةً من الخوف والتجهيل.

من هذا المنطلق، على المسؤولين إدراك أن الانتحار خلاص سلبي للفرد، لكنه ينطوي على احتجاج ما في جوهره. البوعزيزي مثالاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard