منتدى آفاق... هل باتت التجربة الفنية الشخصية مصدراً وحيداً للمعنى السياسي اليوم؟

السبت 9 نوفمبر 201904:21 م

هو عنوان المنتدى الذي نظمه الصندوق العربي للثقافة والفنون - آفاق، في بيت ثقافات العالم في برلين، وبالشراكة مع "أوروبا في الشرق الأوسط – الشرق الأوسط في أوروبا"، والذي كان من 4 الى 6 تشرين الأول/أكتوبر الفائت.

بحسب القيمين على المنتدى، ازدهرت في الآونة الأخيرة الكتابة الشخصية المبنية على تجربة الكاتب/ة نفسها، والأعمال الفنية التي تستخدم ضمير المتكلم، ولم يعد الأمر مقتصراً كما في السابق على الرواية الأولى أو الفيلم الأول، أي على مبتدئين يشقون طريقهم الإبداعية، بل بات ينطبق أيضاً على مبدعين في مختلف أطوارهم الفنية.

جمع المنتدى فنانين وأكاديميين وكتّاباً ونقّاداً لتقديم قراءات وأفلام وعروض وأوراق بحثية في محاولة لرسم ملامح الأنا كتعبير سياسي.

في مقابلة لرصيف22، ولدى سؤالنا إن كان شعار الموجة النسوية الثانية من الستينيات "الشخصي هو سياسي"، قد تم قبوله في العالم العربي كنوع مكرّس للأدب و الفن أو ليس بعد، يقول خالد صاغية، أحد القيّمين على المهرجان ، بأن الأمر لا علاقة له فقط بالهوية النسوية، رغم أن الهوية النسوية والكويرية زادت على هذا الموضوع ويوضح قائلاً: "برأيي إن هذه المقولة فرضت نفسها بسرعة، تأخر قبولها، لكن بالنهاية هناك موجة كتابة جديدة وموجة فنية جديدة أخذت دفعة قوية جداً من الثورات التي ابتدأت في العام 2011، فما عاد من الممكن أن يتم التعامل معها وكأنها أدب من نوع ثانوي، أو أنها أعمال فنية تتعلق بالشأن الخاص فقط ولا علاقة لها بالشأن العام".

من هنا، يطرح المنتدى مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بالخيارات الفنية التي تحاول إعادة صياغة العلاقة بين الواقع والخيال، ويفتح الباب أيضاً أمام تساؤلات عديدة، لا سيما في هذه اللحظة العربية ذات التحولات الصاخبة. فهل يشكل هذا الشغل "الشخصي" ابتعاداً عن "السياسي" أم إعادة تشكيل له، في خضم المراجعات والإحباطات السياسية المتتالية؟ هل باتت التجربة الشخصية مصدراً وحيداً للمعنى السياسي في زمن أفول الطوباويات؟ وهل باتت الأنا الجندرية والأنا الكويرية بحد ذاتهما خياراً سياسياً وفنياً؟

عن رمزية اختيار مدينة برلين تحديداً لاستضافة المنتدى، يشير خالد صاغية أن لمؤسسة آفاق برنامجاً عربياً- أوروبياً معArab. European Creative Plattform وهذا ثالث وآخر مؤتمر في برلين. ويضيف صاغية أن اختيار هذه المدينة تحديداً له علاقة بالمشهد الثقافي في برلين، العربي تحديداً، وإلى أنماط الإنتاج الثقافي الحديثة، وأنواع الأماكن أو المؤسسات التي ترعاها.

يؤكد صاغية أن من يأتي الآن الى برلين هم الفنانون الجدد، فهناك جيل جديد يختلف كلياً بسياسته ونظرته وإنتاجه عن الأجيال السابقة التي كانت تعتبر باريس ولندن مكان الانطلاق الذي منه يصلون للعالم العربي. الآن برلين هي مركز الانطلاق هذا. وطبعاً موجة اللجوء السوري الكبير لعبت دوراً، إنما أيضاً الأوضاع التي نشأت في أكثر من مكان في العالم العربي، جعلت المكوث في العالم العربي شبه مستحيل، خطراً أو مزعجاً، لذلك ينتقل المثقفون والفنانون الى برلين، فأصبحت هي ال hub أو المركز الثقافي الرئيسي، ولكن ذلك لم يتشكل نهائياً بعد.

يرى خالد صاغية أن هناك بعض البذور للقاءات أو مؤسسات أو لفضاءات وأماكن تجمع هؤلاء المبدعين، لكن ما زال الأمر ظاهرة جديدة، وكل شخص لوحده، وهنا أهمية هذه المؤتمرات التي تنظمها آفاق، والتي هي واحدة من المساحات التي تسمح أولاً للفنانين العرب الذين يقطنون برلين أن يأتوا ويشاهدوا أو يقدموا أعمالهم في مكان واحد، وأن يلتقوا أيضاً بالفنانين العرب الذين ما زالوا في العالم العربي. ويتابع، لا شك بأن برلين تلعب دوراً كبيراً لأنها تقريبا المكان الوحيد الذي يحتوي كل هذه الجنسيات العربية مجتمعة في مكان واحد.

من يأتي الآن إلى برلين هم الفنانون الجدد، فهناك جيل جديد يختلف كلياً بسياسته ونظرته وانتاجه عن الأجيال السابقة التي كانت تعتبر باريس ولندن مكان الانطلاق الذي منه يصلون للعالم العربي

في الموضوع الكويري، المدينة الإسرائيلية ترفع نفاقاً شعار الدفاع عن حقوق الكويرين والمثليين، وإعطاء صوت للتعددية في السينما والأدب، ولكن في الواقع يواجه المرء مجتمعاً عنصرياً وقائماً على عقدة اضطهاد اليهود من كل العالم

فضلاً عن ذلك، يرغب صاغية بتسليط الضوء على أعمال المشاركين في المنتدى، لأن هؤلاء الفنانين والأدباء يمثلون الثقافة العربية الحية، وليس الأسماء الكبيرة المكرسة والتي تجاوزها الزمن برأيه، ويتابع، ممكن لموقع مثل رصيف22 أن يتابع أشغال هؤلاء الناس وعندما تصدر أعمالهم يغطيها، فيكونون هم نواة الشغل الصحافي الثقافي.

كان افتتاح المنتدى بجلسة حول السيرة المتخيلة، وهي السيرة التي تجمع بين الواقع والخيال، وقد أدار الندوة الكاتب والمترجم المصري هيثم الورداني. بداية قدّم مازن معروف، الكاتب المولود في بيروت لأسرة فلسطينية، ورقة بعنوان "فلسطيني التي تخيّلتُها في بيروت" بالإنكليزية، لأنه يجد كتابة السيرة المتخيلة حلاً للكثير من المشاكل في الأدب الخيالي، وبالإنكليزية لأنه يعتبر ذلك هروباً من الواقع. وقد روى أشياء عن طفولته أهمها كيف كبُر في حي جميع سكانه لبنانيون، وكان جميع أصدقائه لبنانيين أيضاً، وكيف كان يطلب منه أهله أن يتحدث بلهجة لبنانية فقط حتى لا يعرف أحد أنه فلسطيني. ثم يروي معروف كيف زار فلسطين والفرق الهائل الذي وجده بين فلسطين الخيال وفلسطين الواقع. وفي هذا الإطار يقول مازن معروف: "عشت صراعاً كطفل بين هويتي السياسية وهويتي الفردية، هويتي الفردية كانت لبنانية، لأنني لم أعش في المخيم. لقد عشت في منطقة لبنانية فيها كل دلالات الهوية اللبنانية بكل انقساماتها في الثمانينيات. فلطالما كانت للكاتب علاقة مشتبكة وغير مفهومة: الى أي حد أنا لبناني والى أي حد أنا فلسطيني؟" هو يعرف أن الحديث عن الهوية الفلسطينية بهذا الشكل يستفز البعض، لكن هذه تجربته الشخصية.

أما الفنانة البصرية الكويتية منيرة القديري المولودة في السنغال، فقد ترافقت قراءتها بالإنكليزية أيضاً، "الحياة كمؤامرة" مع عرض فيديو من الواقع والخيال، تكلمت فيه عن طفولتها وكيف كانت تتخيل الأجسام الفضائية، وهذه الكائنات الفضائية كانت رمزاً لعراقيين يريدون الهجوم عليهم أحياناً، في إشارة الى حرب العراق والكويت وقتها. وعن رؤيتها لأعمالها، ترى منيرة القديري أن لأعمالها علاقة بالماضي أكثر من المستقبل، وهي تعتبر هويتها كويتية عربية، فيها جزء غربي كبير جداً لكنه متخيل.

منيرة القديري

الكاتب المصري محمد فرج كانت مداخلته باللغة العربية بعنوان "ملاحظات حول الـ أنا والمدينة والعمل المعاصر"، تضمنت عدة قصص متخيلة تحدث فيها عن ضغوط العمل المعاصر ك freelancer (كاتب حر) ومقابلات العمل، ومأساة العامل المعاصر والحداثة في المدن. ويرى فرج أن العمل يلتهم حياة الإنسان، ويظهر للجمهور كيف تحيل الرأسمالية والظرف السياسي الضاغط حياة الفرد عبثية.

واحدة من فعاليات المنتدى المهمة كانت ندوة بعنوان "أنا كما أنا: ما الذي نعنيه حين نتحدث عن أعمال فنية كويرية؟" وقد أدارت النقاش رشا حلوة وقدّم خلالها الكاتب الفلسطيني راجي بطحيش ورقة بعنوان "الكتابة الكويرية ضد النظام الكولونيالي والدولة القمعية"، وصهيب أيوب ورقة "الشخصية الكويرية: من المدن المغلقة إلى المنافي".

رشا حلوة

بدأ راجي بطحيش مداخلته عن طفولته في الناصرة والسبب الذي دفعه لكتابة النوع الأدبي الكويري، وفي هذا الإطار يقول: "عندما كنت طفلاً صغيراً شعرت بانسلاخ كبير بين النوع الجنسي الذي خلقت عليه وبينما أشعر"، ويضيف بأن درس الرياضة كان كابوساً بالنسبة له، فقد كان يتم فيه نبذه اجتماعياً تماماً ووصمه بأنه مخنث و "بنوتة". ويجد أن الكتّاب الكويرين يجمعون بين شخصيتين مختلفتين، العالمة "الرقاصة" والكاتبة المثقفة.

راجي بطحيش

بعد الباكالوريا، توقع الكاتب أن الخروج من الناصرة سوف يخرجه الى عالم متحضر ومنفتح، وأن المدينة الإسرائيلية ستستوعب اختلافه، لكنه سرعان ما تأكد له أن لا ملاذ في مكان مبني على الظلم. فإسرائيل على حد تعبيره، كيان مبني على نهب شعب آخر، وعلى كذبة تاريخية كبرى.

في الموضوع الكويري، يجد بطحيش أن المدينة الإسرائيلية ترفع نفاقاً شعار الدفاع عن حقوق الكويرين والمثليين، وإعطاء صوت للتعددية في السينما والأدب، ولكن في الواقع يواجه المرء مجتمعاً عنصرياً وقائماً على عقدة اضطهاد اليهود من كل العالم. بالتالي إذا أردت الاندماج كانسان كويري داخل هذه التعددية المزيفة، فسيتم استخدامك كورقة تين للتغطية على عنصريهم. مع الوقت اكتشف الكاتب أن عملية صناعة الرجال والقسوة على كل ما هو موجود خارج الذكورة أمر موجود في كل العالم وليس في مجتمعنا العربي فقط. ويضيف "بمرحلة معينة أصبح نصي الأدبي هو المكان الذي أنتمي اليه؛ هذا أنا".

يوضح راجي بطحيش أن كتابته كانت خجولة، لكن الـ2011 كانت سنة مفصلية، بدأ فيها بكتابة ما يسميه بالكتابة الشرجية، وهي برأيه كتابة للتحرر من المنظومة الاجتماعية والسياسية والاحتلال أيضاً.

الكاتب اللبناني صهيب أيوب بدأ مداخلته بأسئلة مفتوحة عن ماهية الأدب الكويري في عالمنا العربي، وإن كان لدينا حقاً تجارب أدبية كويرية. يظن أيوب أننا ما زلنا تعيش في زمن الأدب الكويري الحداثوي عربياً، ويؤكد أن التراث العربي سابقاً كان ثرياً باللغة الكويرية، في الشعر وأدب الرحلات وخصوصاً فيما عرف بنوادر الغلمان.

صهيب أيوب

أما اليوم، يصف أيوب الكتابة العربية الكويرية بأنها شحيحة وخجولة ومواربة وحذرة. في التجارب العربية يوجد شخصيات كويرية لكننا لسنا أمام نتاج أدبي كويري. وهنا يستثني أيوب عملين، واحداً لراجي بطحيش "يولا وأخواته" ورواية "في غرفة العنكبوت" لمحمد عبد النبي.

أشار صهيب أيوب أن لضعف الأدب الكويري أسباباً كثيرة منها صعوبة النشر، ويوجد شذرات كتابة كويرية في العالم الافتراضي لكنها قليلة أيضاً. هو نفسه واجه مشاكل قبل وبعد نشر كتابه "رجل من ساتان"، فقط لأن بطله مثلي الجنس ويتحدث عن مثليته بعد الموت: "بطل روايتي نبيل مثل حي على العلاقة بين الشخصية الكويرية والمدن، خصوصاً المدن المحافظة كطرابلس في شمال لبنان. أنا أعتبر المدن بحد ذاتها هي كويرية، من السينما لدور العبادة للسهر للملاهي، كل هذه الهويات"، يضيف أيوب موضحاً.

فضلاً عن ذلك، يرى صهيب أيوب كتابته اختلفت عندما ترك مدينته طرابلس وذهب الى تولوز الفرنسية، "طبعاً المنفى ساعدني لأتحرر وكتابتي تحررت. عندما كنت في الوطن ابتدأت بالكلام، ولكنني كنت خائفاً"، إذ ليس من الهين أن نعيش في مجتمعات تحطمنا كل الوقت، وتحددنا وتصنفنا كل الوقت.

بالعودة الى كلمة خالد صاغية في خطابه الافتتاحي للمنتدى، نجد أن الربيع العربي لم يكن فقط ثورات فشلت، بل شكل ثورات بالوعي وهذه تحتاج وقتاً لكي تتبلور ولكننا في الاتجاه الصحيح، كما يرى راجي بطحيش ويضيف، "نحن في محل نتجاوز فيه الخطاب الجنساني الآتي من الغرب، ونجد خطاباً ملائماً لنا". في قمة القتل والقمع في الشوارع نجد الناس تريد الكلام عن جنسانيتها، عن أنوثتها ورجولتها وما بينهما.

وبحسب خالد صاغية أيضاً، معظم الفن الذي يتم إنتاجه في المنفى هو ضد السلطات بكافة أشكالها، وليس فقط السلطات السياسية، لأن معظم الفنانين والأدباء من الجيل الجديد لديهم مشكلة مع سلطة الإنتاج الثقافي السابق، ومع المثقفين الذين قبل، ومع أبويتهم وذكوريتهم. ويؤكد أن طبيعة الإنتاج الفني أيضا تغيرت. والعرب ليسوا وحدهم هنا، بل هناك الكثير من الفنانين من جنسيات أخرى، وقد خلقوا هذه الفضاءات الصغيرة التي تجمعهم، وما يحصل في برلين له علاقة بالثقافة الألمانية أيضاً، والتي بطبيعتها متنوعة وليست تابعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard