العودة إلى المدارس في سوريا "بأي ثمن"… أحلام كبيرة وصعوبات أكبر

السبت 7 سبتمبر 201902:44 م

بعينين حائرتين، تتأمل فدوى، وهي سيدة عشرينية الحقائب المعروضة في سوق "الخجا" وسط العاصمة السورية دمشق، السوق المخصص لبيع الحقائب والألبسة المدرسية، وتنتقل من محل لآخر وهي تقلّب البضائع وتسأل عن سعر كل منها.

"بكم هي الحقيبة؟"... "4000 ليرة"... "وهي؟"... "3500. وفي هي سعرها 3000". تستمر بالتجوال حتى تعثر على السعر الأقل أخيراً: حقيبة لطفل في صفّه الأول بألفين وخمسمئة ليرة سورية (4 دولارات).

تتنفس السيدة الصعداء لكن بحزن، وتقول في حديث مع رصيف22، بإن هذه السنة أقسى من أي وقت مضى، وقدوم العام الدراسي، رغم فرحة أطفالها به، شكّل بالنسبة لها كابوساً حقيقياً نتيجة الأعباء المادية التي يلقيها الاستعداد لهذه المناسبة على كاهل عائلتها، كما آلاف العائلات السورية، وقد تدهورت أحوالها الاقتصادية بشكلٍ غير مسبوق خلال سنوات الحرب الثماني.

لا تكتفي فدوى –التي فضّلت الحديث باسمها الأول- بشراء الحقيبة، بل يتعين استكمال المستلزمات المدرسية كاللباس ومن ثم القرطاسية من أقلام ودفاتر. "لن تكفيني خمسة عشر ألف ليرة سورية (25 دولاراً) لكل طفل، ولديّ ثلاثة. عادة نشتري كل عام حقيبة لأحد الأطفال فقط، وبشكل دوري، ومع ذلك فإن ارتفاع الأسعار اليوم بات فوق قدرتنا على الاحتمال"، تضيف بأسى.

"عم نحكي مع حالنا من كتر الهموم!"

مع قدوم العام الدراسي الجديد في سوريا، وتوجّه أكثر من 3,600,000 طالب إلى المدارس بمختلف المراحل التعليمية وفق تصريحات وزارة التربية السورية، تشعر كثير من العائلات بضغوطٍ ماديةٍ كبيرة وهي تسعى لتأمين ما سيحتاجه أبناؤها من مستلزمات مدرسية خلال الأشهر المقبلة.

"والله عم نحكي مع حالنا من الهموم!"، تقول أم كريم وهي سيدة خمسينية تعيش مع ابنتيها وأحفادها الأربعة في حي الدويلعة شرق دمشق، ساخرة من حالها. "مو بس أنا، أنا وعيلتي وكل الجيران"، تضيف ضاحكة، وكأنها تريد أن تبعد عن نفسها صفة يُتهم بها المجانين عادة.

لم تعد الأسعار في سوريا اليوم كما تصفها أم كريم لرصيف22 "منطقية"، فهي ترتفع بوتيرةٍ شبه يومية مع انخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي، ووصولها هذا الأسبوع لمستويات غير مسبوقة من التدهور، حيث بلغ سعر صرف الدولار الواحد 640 ليرة تقريباً، في حين كان لا يتجاوز 50 ليرة قبل العام 2011. "حتى سائق التكسي كل يوم بيرفع التسعيرة وبيقول الدولار عم يطلع!"، تقول ساخرة ومستنكرة الغلاء الفاحش في البلاد.

تضع السيدة ورقة وقلماً أمامها، وتشرع ببعض الحسابات البسيطة. "4 حقائب بحوالي 15 ألف ليرة، وقد نضطر للاستغناء عن واحدة أو اثنتين منها والاكتفاء بالقديمة. لباس مدرسي للأطفال الأربعة بحوالي 15 ألف ليرة. أقلام ودفاتر لتغطية الحاجات الأساسية فقط، بما لا يقل عن 10 آلاف ليرة، دون أن نتحدّث عن الأحذية والمعاطف الشتوية التي لا غنىً عنها".

تعمل أم كريم في تنظيف المنازل بشكل يومي، وذلك منذ وفاة زوجها قبل حوالي أربعة أعوام. أما ابنتاها، وكلتاهما مطلقتان، فتعملان في أحد صالونات التجميل القريبة. بذلك تتدبّر الأسرة دفع إيجار المنزل الذي تعيش فيه بعد دمار بيتها في بلدة المعضمية غرب دمشق، بقذيفةٍ صاروخية، وكذلك أمور المعيشة اليومية، لكنها وبكل أسف لم تتمكن، كما تشير السيدة، من ادّخار أي مبلغ خلال الأشهر الماضية يعينها على تأمين احتياجات المدرسة.

"نشعر وكأننا بين نارين"، تتنهد أم كريم. "بين أن نسعد الأطفال بثيابٍ وأغراضٍ جديدة، وهذه واحدة من الأفراح القليلة التي باتوا يعرفونها في حياتهم، وبين أن نعمل أكثر من المعتاد أو نضطر للاستدانة. الحرب استنزفت كل طاقاتنا".

مع التدفّق السكاني  إلى المناطق الأكثر أمناً، تشهد المدارس، في مدينة جرمانا وغيرها من مدن وبلدات ريف دمشق، اكتظاظاً غير مسبوق بالطلاب، ويصل عددهم في بعض الصفوف، إلى أكثر من 50 أو 60 في القاعة الواحدة

"جميع العائلات السورية اليوم تمتلك رغبة بأن يتابع أبناؤها تعليمهم وبأفضل شكل ممكن، ربما إيماناً منها بأهمية التعليم بعد سنوات الحرب"

صعوبات أخرى اجتماعية وتعليمية

رغم العبء الكبير لكل تلك الصعوبات المادية، تبرز تحديات أكثر عمقاً في العملية التعليمية اليوم في سوريا، وتترك آثارها على آلاف الطلاب حول البلاد.

في مركزٍ تعليمي صغير يقع بمدينة جرمانا إلى الشرق من دمشق، تستقبل ندى ابراهيم عشرات العائلات الباحثة عن تمكين أبنائها بدروس تقوية مكثفة بعد الدوام المدرسي، وتتحدث إلى رصيف22 عن أوضاع تعليمية صعبة للغاية، خاصة في أرياف العاصمة التي تعاني من اكتظاظٍ سكاني كبير نتيجة عمليات النزوح الداخلي.

"يعيش اليوم في جرمانا قرابة مليون وثلاثمائة ألف نازح وفق تقديرات المنظمات الإنسانية المحلية، إضافة إلى ما لا يقل عن سبعمئة ألف من أهل المدينة"، تشرح ابراهيم (40 عاماً)، وتستطرد بمزيد من التفاصيل حول أوضاع النازحين بشكل خاص، وقسم كبير منهم قَدِمَ من غوطة دمشق الشرقية، ومدينة دير الزور شرق البلاد، وغيرها من المناطق التي شهدت أعمالاً عسكرية على مدار السنوات الفائتة.

تشير المدرّسة إلى أن نسبة كبيرة من العائلات النازحة تعيش حالة فقرٍ شديد، فبعضها يسكن في منازل دون نوافذ وأبواب، والبعض الآخر يضطر للقبول بأعمال صعبة لقاء بدلٍ مادي قليل للغاية. "والنتيجة؟ نرى اليوم كيف يتوجّه مئات الطلاب للمدارس دون أحذيةٍ مناسبةٍ وأحياناً فقط بحذاء المنزل، ودون حقائب وإنما أكياس، والأهم دون تناول أي وجبة طعام خلال كامل اليوم، وينعكس ذلك بالطبع على قدرتهم الجسدية والنفسية على متابعة الدروس بالشكل المطلوب".

ومع هذا التدفّق السكاني الكبير إلى المناطق الأكثر أمناً والتي لا زالت قابلة للحياة، تشهد المدارس، في مدينة جرمانا وغيرها من مدن وبلدات ريف دمشق، اكتظاظاً غير مسبوق بالطلاب، ويصل عددهم في بعض الصفوف، خاصة الابتدائية والتعليم فيها إلزامي، إلى أكثر من خمسين أو حتى ستين في القاعة الواحدة، الأمر الذي يتطلب جهوداً كبيرة تفوق أحياناً قدرة الكوادر الإدارية والتعليمية، والتي شهدت بدورها خسائر بشرية كبيرة خلال السنوات الفائتة.


بذلك، يضطر كثير من التلاميذ لاتباع دروس تقوية، قبل أو بعد الدوام المدرسي كما تقول ابراهيم، خاصة من انقطع منهم عن المدرسة لعدّة أعوام، وبات بحاجة لدروسٍ مكثّفة للّحاق بأقرانه، وهو أمر يزداد صعوبة ووطأة نفسية مع تقدم الطفل بالسن. وهنا تشير منظمة اليونيسيف في أحدث تقرير صادر عنها الشهر الفائت، إلى وجود أكثر من مليوني طفل منقطع عن الدراسة داخل سوريا، مع وقوع حوالي 1.3 مليون طفل آخرين تحت خطر التسرب من المدرسة، وإلى دمار وتضرر حوالي 40% من مدارس البلاد.

وتطرح وجيهة الوافي، وهي مدرّسة تعمل ببلدة صحنايا بريف دمشق الغربي، مشكلةً أخرى تتمثل في وجود حالاتٍ لأطفالٍ لم يحصلوا بعد على أوراق ثبوتية من السجلات المدنية، مما يعني استحالة دخولهم للمدارس بشكل نظامي.

برزت هذه المعضلة وفق حديث الوافي نتيجة آلاف الولادات التي شهدتها المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، وبُذلت جهود حثيثة خلال السنوات الفائتة لتسجيل أولئك الأطفال رسمياً. "مع ذلك لا زالت حالات الأطفال غير المسجلين شائعة، خاصة في المناطق الريفية ونتيجة بعض الصعوبات القانونية والمادية، ويتحوّل الأمر لمأساةٍ حقيقية مع تقدم الأطفال في السن وتخلفهم عن الدراسة"، تشرح السيدة في حديثها، وتطرح مثالاً حول طفل له من العمر سبعة أعوام ولا زالت والدته عاجزة عن تسجيله بسبب غياب والده دون أثر.

"جميع العائلات السورية اليوم تمتلك رغبة بأن يتابع أبناؤها تعليمهم وبأفضل شكل ممكن، ربما إيماناً منها بأهمية التعليم بعد سنوات الحرب"، تقول ندى ابراهيم وتضيف بأن الصعوبات معيقة للغاية، لكنها تلمس لدى كثيرين إرادةً لتحديها وللعودة للمدرسة بأي ثمن كان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard